الغد
حين يذكر الدين والفلسفة في وعينا المعاصر يستدعى فوراً مشهد الصراع بين الوحي والعقل، وبين الإيمان والشك، لكن هذا التصور ليس حقيقة تاريخ الفكر، بل هو نتيجة قراءة مبتورة لكل من الدين والفلسفة، الوجه الآخر الذي غاب عن وعينا، هو تلك المساحة الواسعة التي التقيا فيها منذ فجر السؤال الإنساني: سؤال الوجود، والأخلاق، والحقيقة، والخير.
الفلسفة لم تولد بوصفها إنكارا للخالق، بل بوصفها بحثا عن أصل الوجود ومعناه، عن علته الأولى، عن نظامه وغايته، وهو من أقدم الأسئلة الفلسفية، أفلاطون جعل «الخير الأسمى» أصلاً لكل شيء، وأرسطو تحدث عن «المحرك الأول» الذي لا يتحرك، ولكنه يحرك كل شيء، وديكارت جعل وجود الله أساساً لليقين العقلي، وكانط رغم نقده للمتافيزيقا التقليدية، رأى الإيمان بالله ضرورة أخلاقية ليكون للعالم معنى، وللواجب قيمته، هؤلاء ليسوا هوامش في تاريخ الفلسفة، بل قممها، ومع ذلك لم يروا في الإيمان عدواً لعقل بل ذروته ومعناه، فلا فوضى ولا عبث في هذا الكون.
هنا يظهر الوجه الآخر للفلسفة اشتراكاً في السؤال عن الخالق، وإن اختلفت لغتهما، فالدين قال: الخالق هو الله، والفلسفة قالت: هو المحرك الأول، والعلة الأولى، أو الخير المطلق، لكن السؤال واحد: لماذا وجد هذا الكون؟ ولماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء؟
ثم تراهما يشتركان أيضاً في الإيمان بأن العقل أداة للمعرفة، فلا فلسفة بلا عقل، والدين في جوهره يخاطب العقل ويطالبه بالتفكير والتدبر والنظر، وإلا تحول إلى طقوس، فلا يمكن فهم الوحي بلا عقل، ولا يمكن أن يكون الإيمان إيماناً حقيقياً إن لم يكن قائماً على الإدراك والفهم، هذا الاشتراك في العقل بين الدين والفلسفة هو ما يجعل الحوار بينهما ممكنا من الأساس، ويشكل مساحة واسعة للمعرفة.
ويزداد هذا اللقاء وضوحا في مجال الأخلاق والقيم، فالفلسفة تبحث في معنى: الخير والشر، العدل والظلم، الفضيلة والرذيلة، هذه مفاهيم إنسانية تأتي في سياق واحد بالنسبة للدين والفلسفة، فهي منطقة التقاء جوهرية، الفيلسوف يبحث عن معنى الخير، والدين يهدي إليه، والفلسفة تصوغ السؤال، والدين يعطيه عمقاً روحياً، كلاهما يرى الإنسان كائناً ذا كرامة ومسؤولية لا مجرد آلة، حتى الجمال ليس غريباً عن هذا اللقاء، فالفلسفة رأت الجمال انسجاماً وكمالاً، والدين رآه تجلياً من تجليات الحكمة الإلهية، الجمال في الاثنين لا يعدّ ترفاً، بل دليلاً على أن الوجود ليس فوضى، بل نظام له معنى.
وحين جاء الغزالي لينتقد الفلسفة لم يهدم الفلسفة كلها، بل ميز بين ما يخالف الوحي، وما لا يخالفه، اعترف بقيمة المنطق والعقل والعلوم الطبيعية، بل عدّها ضرورية لفهم العالم والدين، وهذا يعني أن الوجه الآخر ظل حاضراً حتى في أشد لحظات النقد.
قد يقول قائل: إذا كان الدين كاملاً فما حاجتنا إلى الفلسفة؟ وهنا يقع الخلط الكبير: نحن لا نستدعي الفلسفة كبديل عن الدين، ولا كمنافس للوحي، بل كمنهج لفهم الوجود وفهم النص وفهم الإنسان، الدين يعطينا الحقيقة في العالم المتغير، الفلسفة لا تضيف إلى الإيمان شيئاً، لكنها تمنحه عمقاً تاريخياً وإنسانياً يجعله قادراً على مخاطبة العصر، حتى لا يتحول إلى هوية مغلقة، وتعيد له قدرته على مخاطبة الإنسان الحديث دون أن يفقد جوهره، وتجعله أقدر على مواجهة الأسئلة الجديدة دون خوف، وحين نفسر الظواهر والسلوك الإنساني، ونسأل عن الواقع والقيم والمعاني وراء تصرفاتنا وأفعالنا، فنحن لا نغادر أرض الدين، بل نتحرك في صميمه، لأن الوحي جاء ليهدي الإنسان ويفسر تصرفاته ويحاكي انفعالاته، لا في فراغ، والفلسفة في هذا المعنى هي وفاء لأمر الوحي بالتفكير والنظر والتدبر، لا الخروج عليه ولا مصادمته.
الوجه الآخر للدين والفلسفة هو أنهما ليسا خصمين، لقد ربطنا الفلسفة بالإلحاد ظلماً، وربطنا الدين بالانغلاق جهلاً، فخسرنا العقل والإيمان معاً، والحقيقة أن كليهما شريكان في مشروع واحد: تحرير الإنسان من الجهل والعبث، وربطه بالحقيقة والمعنى، إذا استطعنا أن نستعيد هذه المساحة المشتركة في مدارسنا وجامعاتنا ومجتمعنا، فسوف نخرج جيلاً لا يخاف من السؤال، ولا يعادي المختلف، ولا يختبئ خلف الشعارات، بل يتسلح بمعرفة أعمق خالية من التطرف والانغلاق والسطحية، ويسلك طريقاً أوسع إلى الحقيقة.