عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Sep-2026

درع الحقيقة: تحييد الصحافي هو اغتيال للذاكرة الجماعية والحقوق المهنية
النشرة الدولية -
الخبر - ريتا بولس شهوان -
إن معركة الصحافي من أجل الحماية ليست مجرد صراعٍ فردي للبقاء، بل هي حلقة مفصلية في معركة أوسع حول حرية الكلمة والمساءلة المؤسساتية.
إن أساليب التحييد التي تُمارس ضد الصحافي الميداني – سواء عبر التشهير أو الملاحقة أو خلق العداوات المصطنعة – لا تهدف فقط إلى إسكات الصوت، بل تسعى إلى “تحييد القصة” ذاتها.
فعندما تُمارس الجرائم بحق الصحافي وتتراكم، تتحول قضيته من “شهادة حية” موثقة للانتهاكات، إلى “أزمة شخصية” غارقة في الضجيج، مما يفرغ الحقيقة من قوتها وتأثيرها.
إن الاستراتيجية الممنهجة للخصوم تعتمد على “أنسنة القضية” بشكل مسموم؛ أي تحويل الانتهاك من كونه “سلوكاً مؤسساتياً” معادياً للحريات إلى “صراع شخصي” بين الصحافي وجهة ما. وحين يُجبر الصحافي على الانشغال بالدفاع عن سمعته أو حياته أو التكفل بتبعات ملاحقته قضائياً، فإنه يُفقد قدرته على أن يكون “شاهداً عاماً”. بهذا، ينجح الخصوم في تحييد القصص التي يحملها؛ فبدلاً من أن تتحول تقاريره إلى أدلة إدانة للمؤسسات، تضيع الحقائق في خضم المعارك الجانبية، ويُحرم الجمهور من المعرفة، ويُحرم الزملاء من وجود “صوت” موثق يفضح آليات الظلم.
إن أخطر أبعاد هذا التحييد هو “تفكيك الذاكرة الجماعية للمهنة”. إن الصحافي الذي يوثق الانتهاكات ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو الذاكرة التي تحفظ حقوق زملائه وتكشف أنماط انتهاك المؤسسات للحياة الشخصية والمهنية. فعندما يتم كسر الصحافي أو عزله أو إجباره على الصمت، يتم قطع “الحلقة الأولى” من سلسلة المطالبة بالحقوق. إنهم لا يريدون فقط إقصاء الشخص، بل يريدون وأد “الشهادة الجماعية” التي يمكن أن تستند إليها أجيال من الصحافيين للمطالبة ببيئة عمل آمنة. وبغياب هذا الشاهد، تضيع الأدلة، وتُشرعن الانتهاكات كأنها أمر واقع لا يجرؤ أحد على توثيقه.
يجب أن ندرك بوضوح أن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافي – من فصل تعسفي، أو تهديد، أو تشهير – هي نتاج “سلوك مؤسساتي” متأصل، لا يفرق بين الخاص والعام، ولا يحترم كرامة العمل. إن المؤسسات التي تمارس هذا النهج لا تستهدف الشخص لذاته، بل تستهدف “الوظيفة”. إنها تريد تعميم حالة من “الرعب المؤسساتي” لترسل رسالة لكل الصحافيين: “هذا هو مصير من يجرؤ على كشف سلوكياتنا”. وبذلك، يصبح تحييد الصحافي استراتيجية “عزل للحقوق”؛ حيث يتم فصل الحقوق المهنية عن الواقع الميداني، فتصبح الانتهاكات سراً مشاعاً، وتغيب القدرة على الاحتجاج لأن “صوت الحقيقة” قد تم تحييده أو إشغاله في معارك البقاء.
ختاماً، إن الدفاع عن حق الصحافي في حماية هويته – سواء عبر الاسم المستعار أو غيره – هو دفاع عن “استدامة الحقيقة”. إن صمود الصحافي هو صمود للمهنة بأكملها؛ فكل تقرير يصدر عن صحافي محمي هو “شهادة حية” تكسر صمت المؤسسات، وتؤكد أن سلوكياتها في انتهاك البشر والحقوق لم تعد قادرة على الاختباء خلف جدران “العداوات الشخصية” المصطنعة. إن حماية الصحافي ليست ترفاً، بل هي ضرورة لضمان ألا تضيع قصصنا في زحام الترهيب، وأن تظل الحقيقة محميةً من محاولات التحييد التي تستهدف ليس فقط الفرد، بل حق المجتمع في المعرفة وحق المهنة في الحصانة.