الذكرى السنوية الرابعة للتعديلات الدستورية*أ. د. ليث كمال نصراوين
الراي
في الحادي والثلاثين من كانون الثاني من عام 2022 دخلت التعديلات الدستورية الأخيرة حيز النفاذ، والتي أريد لها أن تشكل محطة مفصلية في مسار التحديث السياسي، الذي كفله جلالة الملك شخصيا، بهدف إعادة بناء الحياة الحزبية على أسس دستورية وتشريعية جديدة. وبعد مرور أربع سنوات على تلك التعديلات، يبرز تساؤل مشروع حول ما تحقق فعليا من أهدافها، ومدى انعكاسها على الواقع السياسي والحزبي في الأردن.
لقد جاءت التعديلات الدستورية لعام 2022 في سياق إرادة حقيقية للانتقال التدريجي نحو توسيع المشاركة السياسية وتعزيز دور الأحزاب، وصولا إلى تغيير آلية تشكيل الحكومات وإدماج العنصر الحزبي فيها. وقد اتسم هذا المسار بالتدرج، إذ شكل الاعتراف الدستوري الصريح بالأحزاب السياسية ودورها في الحياة العامة تحولا نوعيا، نقل العمل الحزبي من مجرد تنظيم تشريعي إلى مرتبة دستورية. وفي هذا الإطار، تبنى قانون الانتخاب الناظم لتشكيل مجلس النواب نهجا يقوم على الزيادات المتلاحقة في نسب التمثيل الحزبي في المجالس النيابية المتعاقبة، بما يعكس فلسفة انتقال تدريجي نحو برلمان حزبي قادر على إفراز حكومات برلمانية.
وفي سياق تعزيز نزاهة الحياة السياسية واستقلالها، برز الدور المتنامي للهيئة المستقلة للانتخاب، التي انتقلت إليها بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة صلاحية تنظيم شؤون الأحزاب السياسية والإشراف عليها، بما في ذلك تسجيلها ومتابعة التزامها بأحكام القانون. ويعكس هذا التحول توجها دستوريا لفصل العمل الحزبي عن الحكومة التنفيذية، وتكريس مبدأ الحياد المؤسسي، بما يعزز الثقة بالعملية السياسية ويحد من أي تأثير إداري غير مبرر.
وفي إطار تطوير المؤسسات الدستورية، أسهمت تعديلات عام 2022 في تعزيز الدور الرقابي للمحكمة الدستورية، ولا سيما من خلال مراجعة آليات الطعن بعدم الدستورية لصالح تبسيطها وتوسيع مسار الإحالة. وقد أدى ذلك إلى تسهيل وصول الأفراد، بصورة غير مباشرة، إلى الرقابة الدستورية عبر المحاكم النظامية، بما كرس مبدأ علوية الدستور، وبسط رقابة المحكمة على القوانين والأنظمة بصورة أكثر فاعلية.
أما فيما يتعلق بإنشاء مجلس الأمن القومي، فقد أظهرت التجربة العملية خلال السنوات الماضية أن المجلس جاء في إطار تنسيقي واستشاري يعنى بقضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجية. وقد انعكس ذلك في محدودية اجتماعاته، وطبيعة قراراته المدروسة، التي لم تمس بصلاحيات أي جهة أو مؤسسة حكومية.
ولا يمكن تقييم هذه التجربة بمعزل عن المناخ السياسي العام الداخلي والخارجي الذي رافق تطبيق التعديلات خلال السنوات الأربع الماضية. فنجاح أي إصلاح دستوري لا يقاس فقط بسلامة النصوص أو بصدور القوانين المكملة لها، بل بمدى تفاعل المجتمع والقوى السياسية معها. وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أنه، وعلى الرغم من قساوة الأوضاع الخارجية خلال السنتين الماضيتين، وما رافق الإقليم من تحديات وضغوط خارجية، فإن ما تحقق على أرض الواقع كان إيجابيا ومبشرا.
فخلال السنوات الأربع الماضية عاد الحديث عن الأحزاب السياسية بقوة ليتصدر المشهد المحلي، بعد عقود ساد فيها تصور سلبي تجاه العمل الحزبي. وقد شهدت المرحلة الماضية حضورا واسعا لفكرة الأحزاب السياسية في الخطاب العام، وترافق ذلك مع اندفاع ملحوظ نحو تشكيل أحزاب جديدة، واتساع دائرة النقاش المجتمعي حول العمل الحزبي، وصولا إلى السماح لطلبة الجامعات بممارسة أنشطة حزبية منظمة، في تحول نوعي على مستوى البيئة الحاضنة للمشاركة السياسية.
غير أن هذا الاندفاع لم يخل من تحديات وصعوبات، تمثلت في عدم توفيق بعض الأحزاب في ترسيخ حضورها أو الالتزام بمتطلبات العمل المؤسسي، وما رافق ذلك من إشكالات تنظيمية وقانونية وصلت في بعض الحالات إلى حد صدور قرارات قضائية بحلها. إلا أن هذه الظواهر لا يمكن قراءتها بوصفها دليلا على فشل التجربة الحزبية، بقدر ما تعكس طبيعة المراحل التأسيسية لأي مسار سياسي جديد، حيث تخضع التجربة لعمليات فرز واختبار ضرورية.
وتكمن العبرة، في هذا السياق، لا في عدد الأحزاب التي تشكلت في مرحلة الانطلاق، ولا في الطفرة الحزبية التي ملأت المشهد في البداية، والتي يبدو أن بريقها قد بدأ بالخفوت، بل في ما ستنتهي إليه هذه الحركة الحزبية على المدى المتوسط والبعيد. وقد بدأت ملامح هذا المسار تتجلى من خلال اتجاه متزايد نحو تقليل عدد الأحزاب، وتشجيع الاندماجات، والانتقال التدريجي من الكم إلى النوع، بما قد يسهم في بلورة أحزاب أكثر تماسكا وقدرة على الاستمرار والتأثير في الحياة النيابية وتشكيل الحكومات مستقبلا.
خلاصة القول، إن التعديلات الدستورية لعام 2022 قد أسست لمسار تحديث سياسي متقدم، يقوم على تطوير الحياة الحزبية، وتعزيز دور البرلمان، وتحديث آليات الرقابة الدستورية. وبعد أربع سنوات، يمكن القول إن هذا المسار لا يزال في طور التشكل، ويحتاج إلى مزيد من التراكم في الممارسة والثقافة السياسية، حتى تترجم أهداف التحديث السياسي إلى واقع دستوري أكثر نضجا واستقرارا.