عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Apr-2026

خليج عربي ما بعد أميركي؟ حرب إيران ستسرّع التحول الاقتصادي في المنطقة

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كارين إي. يونغ* - (فورين أفيرز) 1/4/2026
كان ما فعلته حرب إيران هو أنها أكدت على النقص في تقدير واشنطن للدور المحوري الذي ستلعبه دول الخليج في تدفقات الطاقة المستقبلية. وقد جعلت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران من اقتصادات الخليج أهدافًا للرد الإيراني. ومع ذلك، تواصل واشنطن قياس الأضرار الناجمة عن الحرب بشكل ضيق، من حيث أسعار النفط فقط، بدلًا من النظر إلى تأثيراتها على الدور الأوسع للخليج العربي كلاعب ومطوّر لأنظمة الطاقة على المستوى العالمي.
***
أدّت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية في التاريخ الحديث. قبل اندلاع الحرب مباشرة، كان نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية و20 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال تمر عبر مضيق هرمز. وخلال الشهر الماضي، انهارت حركة المرور عبر المضيق، لتتراجع إلى متوسط يومي يبلغ 5 في المائة فقط من تدفقاته المعتادة. وقد سعت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى إعادة توجيه شحنات النفط الخام، لكن خطوط الأنابيب والمسارات البديلة الأخرى لا تستطيع تعويض الكميات المفقودة، كما أنها تظل بدورها عرضة للمخاطر. وبالإضافة إلى ذلك، تعني الأضرار التي لحقت برأس لفان -وهو المرفق الرئيسي لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر، نتيجة هجوم إيراني في 18 آذار (مارس)- أن أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم قد يواجه انخفاضًا في قدرته الإنتاجية لسنوات مقبلة.
لكن تأثيرات الحرب على قطاع الطاقة تتجاوز بكثير مجرد إغلاق مضيق هرمز وتعطيل منشأة رأس لفان. وكما أشار الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، الشيخ نواف الصباح، فإن هذه الاضطرابات تخلق تأثيرًا متسلسلًا: حتى لو تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار غدًا، فإن إعادة تفعيل التأمين على ناقلات النفط بأسعار مقبولة قد تستغرق أشهرًا. ويتعيّن إطلاق النفط الخام من المخزونات للسماح بإعادة تشغيل المضخات قبل أن تتمكن مصافي وقود الطائرات والديزل من استئناف العمل، ثم إعادة تنشيط إنتاج البتروكيماويات الأساسية. ويقدّم لنا التاريخ سوابق مقلقة حول المدة التي قد تستغرقها هذه العملية التكرارية. كان الحوثيون في اليمن قد شنّوا هجمات على الشحن في البحر الأحمر في أواخر العام 2023. ولكن، على الرغم من وقف إطلاق النار، ما يزال العبور من خلال هذا الممر المائي أقل بنسبة 60 في المائة من مستوياته التي كان عليها قبل العام 2023. كما استغرق الأمر أربع سنوات لتتمكن شركة "توتال إنرجيز" من استئناف بناء مشروعها للغاز الطبيعي المسال في موزمبيق بعد هجوم جهادي كبير كان قد شُن قرب الموقع في العام 2021.
الآن، تواجه دول الخليج العربية قدرًا هائلًا من عدم اليقين الاقتصادي الذي يتعيّن عليها التعامل معه، وهو ما سيعيد تشكيل طريقة تفاعلها مع بعضها بعضًا، ومع إيران، وإسرائيل والولايات المتحدة، لسنوات مقبلة. لكن هذه الحرب كشفت أيضًا مدى الحاجة الملحّة لأن تقوم الولايات المتحدة بتحديث نهجها تجاه دول الخليج في ما يتعلق بالطاقة. في ظل رئاسة دونالد ترامب بشكل خاص، نظرت واشنطن إلى هذه الدول باعتبارها صناديق أموال واحتياطيات للطاقة، بدلًا من إدراك حقيقتها الجديدة كشركاء متزايدي الأهمية في الجهود الأوسع التي تبذلها الدول لتحقيق أمن الطاقة في النفط والغاز وإدارة التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة. وقد صرّح ترامب بأنه إذا أنهت الولايات المتحدة صراعها المباشر مع إيران، فإنها تعتزم حماية دول الخليج العربية "من بعيد"، لكنه لم يشر إلى أنه سيتوقف عن مطالبة السعودية باستخدام طاقتها الفائضة لتلبية احتياجات الولايات المتحدة والعالم من النفط. كما أن مطالب ترامب المتكررة لدول الخليج بالاستثمار في قطاع الطاقة الأميركي تعكس افتراضًا بأن هذه الدول ينبغي أن تكتفي بالقليل من الأمن مقابل الكثير من المال.
لكنّ منتجي النفط في الخليج شرعوا في تغيير طريقة تفكيرهم بشأن الطاقة. لم يعد نموذج "النفط مقابل الأمن" استراتيجية قابلة للاستمرار. وإدراكًا منها لضرورة تنويع اقتصاداتها ومصادر طاقتها، تعمل دول الخليج على أن تصبح جهات فاعلة متقدمة في إطار سلسلة قيمة الطاقة بأكملها -من خلال الاستثمار في التكرير والتخزين والإنتاج، وإقامة شراكات لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، إلى جانب النفط والغاز في مختلف أنحاء العالم. وقد نجحت المملكة العربية السعودية في تحويل توليد الكهرباء المحلي لديها لتوفير النفط من أجل التصدير. كما تقوم كل من الرياض وأبو ظبي ببناء بعض من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم. وقد شهد الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في دول الخليج نموًا مطّردًا -ليس في قطاع البتروكيماويات وحده، وإنما أيضًا في مجالات السياحة، والضيافة، والتعدين، والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية.
بغضّ النظر عن الكيفية التي ستنتهي بها هذه الحرب، من المرجّح أن يعمد منتجو النفط في الخليج إلى تسريع جهودهم لتنويع اقتصاداتهم والاضطلاع بدور أكبر في سلاسل إمداد الطاقة العالمية. وسوف يسعون إلى جلب شركاء -وعلى رأسهم الصين- ممن لا ينظرون إلى مستقبل الطاقة من زاوية كميات النفط أو الغاز التي تمتلكها الدولة فحسب. وسوف يفعلون ذلك، سواء بمشاركة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، الولايات المتحدة، أم من دونها.
إمكانات الطاقة
بين سبعينيات القرن الماضي وبدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت دول الخليج المنتجة للنفط تعيد استثمار عائداتها النفطية بشكل أساسي في النظام المالي الأميركي، مستخدمة صادرات الطاقة لشراء الأصول المقوّمة بالدولار وتكديس الاحتياطيات النقدية. لكنّ مصدّري النفط في الخليج -والمملكة العربية السعودية بشكل خاص- سعوا منذ نحو العام 2014 بشكل متزايد إلى توظيف عائدات الطاقة محليًا، والاقتراض لبناء صناعات جديدة داخلية مثل التعدين والذكاء الاصطناعي. وأدى هذا التحوّل الاستراتيجي إلى أن تصبح أدوات الاستثمار المملوكة للدولة في الخليج أكثر نشاطًا وتوجّهًا أكثر استراتيجية، حيث شرعت في السعي إلى تحقيق عوائد أقوى وشراكات أكثر فائدة بدلًا من الاعتماد على حصص سلبية في الدَّين الأميركي أو احتياطيات الدولار. وفي الوقت نفسه، استثمرت السعودية -وكذلك الكويت والإمارات العربية المتحدة- في إنتاج النفط والتقنيات الجديدة من أجل الحفاظ على قدرتها على استخدام طاقتها الإنتاجية الفائضة بطرق لا تستطيع الجهات الأخرى -بما في ذلك الشركات الأميركية الخاصة- تنفيذها على نطاق كافٍ.
أدى تحوّلهم إلى شركاء استثماريين في مشاريع البنية التحتية المدعومة برأس المال الخاص، وبناء اقتصاداتهم المحلية، إلى جعل منتجي النفط في الخليج أكثر وعيًا بوتيرة التحول العالمي في مجال الطاقة. ولم يكن هذا التحوّل في الاستراتيجية داخليًا فحسب، بل إنه يعكس إدراكًا للأدوار الجديدة التي يمكنهم لعبها عالميًا. ويُتوقع، بحلول العام 2050، أن يؤدي تزايد حاجة الاقتصادات الناشئة إلى الكهرباء إلى ارتفاع استخدام الطاقة بنسبة 25 في المائة. كما ستُضيف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مزيدًا من الضغط على هذا الطلب. ويمكن للقوى المتوسطة التي تنتج وتستثمر في مجموعة متنوعة من منتجات الطاقة أن تهيمن على هذا التحول، خاصة إذا أصبحت الولايات المتحدة وأوروبا أقل اهتمامًا بتمويل مشاريع الطاقة في العالم النامي.
وفق هذا الإدراك، تحرّكت دول الخليج العربية لجعل منتجاتها من الهيدروكربونات أكثر قدرة على الصمود في المستقبل، من خلال مواءمتها مع مطالب المستهلكين بخفض انبعاثات الكربون. وقد استثمرت هذه الدول في إنتاج الغاز الطبيعي محليًا وخارجيًا؛ ومن المتوقع أن يقترب استثمار قطر الاستباقي في إنتاج الغاز الطبيعي المسال الأميركي في ساحل الخليج، بحلول العام 2027، من تعويض الخسارة الأخيرة في إنتاج منشأة رأس لفان. كما أنشأت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة شركات مملوكة للدولة لإنتاج الطاقة المتجددة. وأصبح من المصلحة الوطنية للدول الغنية بالموارد أن تبحث عن مستثمرين، وتستورد تقنيات جديدة، وتنوّع مصادر طاقتها من أجل جني الفوائد الاقتصادية والسياسية لبيع الطاقة بمختلف أشكالها. وقد استوعبت دول الخليج هذه التحولات وتبنّتها.
مناورات القوة
على النقيض من ذلك، راوح نهج واشنطن تجاه التحول في مجال الطاقة بين اتجاهات متباينة. فقد سعت إدارة جو بايدن إلى الالتزام بالطاقة الخضراء من خلال تقديم إعانات وتمويلات مدعومة حكوميًا وائتمانات ضريبية لتوسيع مشاريع الطاقة المتجددة، مع تثبيط نمو إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة. وفي المقابل، وضعت الإدارة الثانية لدونالد ترامب هدف تحقيق ما يُسمى بالهيمنة في مجال الطاقة، وتعاملت مع القضية باعتبارها منافسة بين الولايات المتحدة والصين، معتبرة سلاسل إمداد الطاقة النظيفة تهديدًا تنافسيًا.
بطبيعة الحال، يعبر الرئيس دونالد ترامب عن عداء شامل للسياسات الخضراء. وقد وصف "الصفقة الخضراء الجديدة" التي طرحها جو بايدن بأنها "الاحتيال الأخضر الجديد". غير أن إدارته خلُصت أيضًا إلى أن التفوق الحالي لبكين في تصنيع وتصدير تقنيات الطاقة النظيفة -وسيطرتها على تكرير ومعالجة المعادن الحيوية المرتبطة بهذه المنتجات، مثل البطاريات والألواح الشمسية- يعني أن على واشنطن أن تندفع بكامل قوتها كـ"دولة نفطية"، وأن تتعامل مع منافستها بوصفها "دولة كهربائية". وقد عززت واشنطن مؤخرًا صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال، وخفّفت القيود التنظيمية على منتجي الوقود الأحفوري، وفتحت أراضي فيدرالية أمام عمليات الاستكشاف، وأعادت تشغيل مفاعلات نووية متوقفة، وألغت الاستثمارات الحكومية في محطات شحن المركبات الكهربائية، وتراجعت عن معايير كفاءة الوقود. وفي المجالات التي تفتقر فيها الولايات المتحدة إلى الموارد الأساسية، قامت في الوقت نفسه بالاستثمار في معالجتها وتخزينها محليًا، وتعاونت مع شركاء مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة للاستثمار في إمدادات خارجية، مثل النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد تبنّى كل من بايدن وترامب سياسات تدخل في السوق، تميل نحو رأسمالية الدولة لمنافسة الصين، وكذلك لمجاراة الاستثمارات التي تقودها صناديق الثروة السيادية في دول الخليج.
 
لكنّ كلتا الإدارتين فشلتا في رؤية الصورة الكبرى وتبنّي استراتيجية طاقة شاملة "تضم كل الخيارات". في هذه الأوقات، أصبحت الدول النفطية بصيغتها التقليدية الخالصة تتجه إلى الزوال؛ وقد أدركت دول الخليج -التي عادة ما يتم استحضارها عند استخدام هذا المصطلح- هذه الحقيقية مُسبقًا. كما أن الولايات المتحدة تضيّع الكثير من الفرص نتيجة لهذا التقسيم الثنائي الزائف، بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالخليج. ومن خلال عدم الاستثمار في قدرات الطاقة المتجددة المحلية، والحد من الواردات الصينية، تخاطر الولايات المتحدة بأن تصبح أكثر اعتمادًا على الوقود الأحفوري، وبذلك أقل مرونة في مواجهة أزمات الطاقة المستقبلية. كما أن الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط والغاز في العالم لن يكون ممكنًا إلى الأبد من دون تخصيص استثمارات كبيرة في حقول النفط الصخري في حوض بيرميان الواقع في جنوب غرب الولايات المتحدة. وسوف تحدّ خيارات واشنطن من قدرتها على تلبية احتياجات قطاع الذكاء الاصطناعي سريع النمو من الطاقة؛ حيث ستستفيد مراكز البيانات ذات الاستهلاك العالي للكهرباء من مزيج أكثر وفرة ومرونة يجمع بين الطاقة الشمسية والبطاريات وتوليد الكهرباء بالغاز.
كما تسيء إدارة ترامب بشكل أساسي فهم استراتيجية الطاقة الصينية. إن بكين لا تسعى إلى بناء دولة كهربائية لدولة واشنطن النفطية. إنها تستفيد في الوقت نفسه من إنتاجها المحلي من الوقود الأحفوري، وتُسرّع استخدام وتصدير الطاقة الخضراء. وتشكل الصين مُسبقًا منتجًا رئيسيًا للنفط والغاز، حيث تنتج يوميًا كمية من النفط تعادل ما كانت تنتجه الإمارات العربية المتحدة قبل حرب إيران. كما أن تبنيها للمركبات الكهربائية والطاقة المتجددة (حيث أضافت في العام 2025 أكثر من 430 غيغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية الجديدة، وأصبحت هذه المصادر تمثل ما يقرب من نصف إجمالي قدرتها المركبة لتوليد الكهرباء) أتاح لها خفض اعتمادها تدريجيًا على واردات النفط والغاز، بما في ذلك تلك القادمة من منطقة الشرق الأوسط.
لكن هذا لا يعني أنها تتخلى عن شراكاتها في مجال الطاقة مع دول الخليج. إنها تقوم في الحقيقة بتغيير طبيعة هذه الشراكات من خلال السعي إلى تأسيس استثمارات متبادلة في مجال الطاقة النظيفة. وقد استثمرت جهات صينية رأس المال والخبرة التقنية في مشاريع الطاقة المتجددة في الخليج -وكان أبرز ذلك ما تحقق في العام 2019، عندما استحوذ "صندوق طريق الحرير" الحكومي على حصة قدرها 49 في المائة في شركة "أكوا باور" ومقرها الرياض، وهي أكبر شركة لتحلية المياه في العالم وأحد أبرز منتجي الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط. وقد دعمت هذه الشراكة نشر الطاقة الشمسية على نطاق واسع، بما في ذلك "مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية" في دبي، وهو أحد أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في العالم. كما نجحت شركة "مصدر"، المطوّر الحكومي للطاقة المتجددة في الإمارات العربية المتحدة، في إقامة علاقة تكاملية مع المستثمرين وسلاسل الإمداد الصينية المملوكة للدولة؛ وعلى سبيل المثال، من خلال تعاونها مع شركتي "غولدويند" و"باور تشاينا" الصينيتين لإنشاء مزرعة رياح زرافشان في أوزبكستان، وهي أكبر مشروع لطاقة الرياح بوحدة واحدة في آسيا الوسطى.
تُنشئ هذه الاستثمارات المتبادلة اعتمادًا متبادلًا استراتيجيًا متزايد العمق. ومن خلالها تكسب الصين شركاء موثوقين وأسواق تصدير لتقنياتها في مجال الطاقة النظيفة، بينما تقوم دول الخليج بتسريع تحوّلاتها الداخلية في مجال الطاقة، وتؤمّن لنفسها حصصًا في قطاعات تنموية خارج نطاق النفط. وفي المقابل، فشلت الولايات المتحدة في رؤية هذه الفرص الجديدة أو اغتنامها، خصوصًا في الخليج. وقد سعت إدارة دونالد ترامب إلى جذب استثمارات خليجية في إنتاج الغاز الأميركي، لكن هذه الصفقات تفتقر إلى استثمارات أميركية مقابلة في مشاريع طاقة تقودها دول الخليج؛ كما أن الولايات المتحدة لا تمتلك صندوق ثروة سياديًا يمكن توجيهه نحو مثل هذه المبادرات. وقد شكّلت الصين نحو 20 في المائة من صادرات البتروكيماويات لدول مجلس التعاون الخليجي في العام 2023؛ وفي المستقبل، من المرجّح أن يتم إنتاج هذه المنتجات داخل الصين نفسها، حيث تراهن شركات النفط الخليجية المملوكة للدولة على الاستثمار المشترك في مجمّعات البتروكيماويات الصينية. ومن المتوقع أن يظل الطلب على البتروكيماويات مرتفعًا -حتى بعد تراجع الطلب على النفط الخام.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل الصين أيضًا على إنشاء مصانع للألواح الشمسية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لدعم أهداف هذين البلدين في مجال الطاقة الشمسية والمساعدة في بناء صناعات تتجاوز النفط. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، التزمت واشنطن بالتعاون مع الرياض في مشاريع نووية مدنية، لكنها لا تمتلك استراتيجية مماثلة لبناء قدرات صناعية محلية أو بنقل التكنولوجيا إلى دول الخليج التي تسعى إلى تنويع اقتصاداتها. وبدلًا من ذلك، تتوقع علاقة قائمة على تبادل المصالح، والتي تكون فيها دول الخليج بمثابة زبائن، وتسعى إلى تفضيل الموردين الأميركيين في مناقصات الطاقة النووية. وبذلك، يعكس النهج الصيني إيمانًا بقدرات دول الخليج المستقبلية ودورها في الاقتصاد العالمي، وهو ما لا تشاركه الولايات المتحدة، ببساطة.
كان ما فعلته حرب إيران هو تأكيد هذا النقص في تقدير الدور المحوري الذي ستلعبه دول الخليج في تدفقات الطاقة المستقبلية. وقد جعلت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران من اقتصادات الخليج أهدافًا للرد الإيراني. ومع ذلك، تواصل واشنطن قياس الأضرار الناجمة عن الحرب بشكل ضيق، من حيث أسعار النفط فقط، بدلًا من النظر إلى تأثيراتها على الدور الأوسع للخليج كلاعب ومطوّر لأنظمة الطاقة على المستوى العالمي.
العثور على التوازن
في الوقت الراهن، تبدو دول الخليج في وضع هش، وهي كذلك فعليًا. إذا أُعيد فتح مضيق هرمز، فإن الارتفاع المستدام في أسعار النفط سيعود بالنفع على الدول الخليجية المصدّرة للنفط. لكن الاضطرابات العديدة الأخرى التي سبّبتها الحرب، إلى جانب أي تهديدات مستمرة من إيران، يغلب كثيرًا أن تضر باقتصاداتها غير النفطية على المدى القريب. وقد توقّعت مؤسسة "غولدمان ساكس" في 11 آذار (مارس) أنه إذا استمر الصراع حتى نهاية نيسان (أبريل)، فقد تشهد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة انكماشًا في ناتجهما المحلي الإجمالي للعام 2026 بنسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة. وبالنسبة للكويت وقطر، اللتين تفتقران إلى مسارات تصدير بديلة عن مضيق هرمز، فقدّرت أن الانكماش قد يصل إلى 14 في المائة. ويبدو هذا التقدير الآن متحفظًا، بالنظر إلى أنه سبق الهجوم الإيراني على منشأة الغاز الطبيعي المسال الرئيسية في قطر، والذي يُتوقع أن يؤدي إلى خسائر سنوية في الصادرات تبلغ 20 مليار دولار لمدة تصل إلى خمس سنوات. وللمقارنة، بلغ إجمالي إيرادات الحكومة القطرية في ميزانية العام 2025 نحو 54 مليار دولار، وهو ما يوضح حجم الخسارة.
 
مع ذلك، شرعت دول الخليج العربية بالفعل في اتباع استراتيجيات طويلة الأمد للتخفيف من مثل هذه الهشاشة. ومن شبه المؤكد أنها ستسعى، بعد انتهاء الحرب، إلى تنويع شراكاتها في مجالي الطاقة (والأمن) بدرجة أكبر. وقد جادل العديد من المحللين بأن دول الخليج ستصبح أكثر حذرًا تجاه الولايات المتحدة، بالنظر إلى حجم الانكشاف الذي عانت منه نتيجة الإجراءات الأميركية والإسرائيلية. ولكن، قد تكون هناك الآن فرصة كبيرة لبناء نظام طاقة أميركي أكثر تنوعًا، مع احتضان دور دول الخليج كمطوّرين عالميين للطاقة، وخاصة في الأسواق الناشئة.
على المدى القريب، سيتطلب ذلك من واشنطن التوقف عن إلحاق الضرر بصناعة الطاقة الشمسية الأميركية من خلال السعي إلى تقويض سلاسل الإمداد الصينية في هذا المجال. كما ينبغي لها أن تبحث عن فرص جديدة للتصنيع والتقدم التكنولوجي في كل من الولايات المتحدة والخليج. وستخلق الحرب أيضًا نقطة حاسمة لاتخاذ قرار بشأن كيفية تقاسم التكنولوجيا النووية الأميركية في المنطقة. وبإمكان واشنطن إما أن تسمح لاستراتيجيتها في مجال الطاقة بأن تغرق في صراع مع تهديد إيراني متصاعد، أو أن تختار مسارًا استشرافيًا يتطلع إلى المستقبل.
 
*كارين إي. يونغ Karen E. Young: خبيرة في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، وزميلة بارزة وباحثة أولى في "مركز سياسات الطاقة العالمية" بجامعة كولومبيا. تركز أبحاثها على اقتصادات دول الخليج، وأسواق الطاقة، والعلاقات المالية الدولية. عملت سابقًا في "ذا أميركان إنتربرايز إنستيتيوت"، كما شغلت مناصب بحثية في "مجلس العلاقات الخارجية" ومؤسسات أكاديمية أخرى. وهي من الأصوات البارزة في تحليل التحولات الاقتصادية في الخليج، ونشرت دراسات وكتابًا مهمًا حول سياسات التنويع الاقتصادي في دول مجلس التعاون، بعنوان "الدبلوماسية الاقتصادية لدول الخليج العربية: توظيف المساعدات والاستثمار والتنمية عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان وأفغانستان"، مع اهتمام خاص بدور الدولة والقطاع الخاص في التنمية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A Post-American Persian Gulf?