الدستور-إبراهيم خليل
في كتابيه معجم المصطلحات البلاغية وتطورها(3أجزاء) ومعجم النقد العربي القديم، غَفِل العلامة أحمد مطلوب، وهو يتتبع المصطلحات البلاغية، والنقدية حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري، عن جهود العلامة الإمام المؤرخ صلاح الدين الصفدي (764هـ) ومساهماته الثرة في تطور المصطلح البلاغي، والنقدي. مع أن الكثير من الدراسات تناولت جهوده في ذلك، وبوأته منزلة رفيعة، ورتبة سنية، بهية، وسط زحام البلاغيين، والبيانيّين، والنَقَدَة. وأشاد بتلك الجهود من القدماء، والمتأخرين، كثيرون لا يُعَدون.
وهذا ما يشجع الدكتور محمد عايش على مواصلة جهوده في تحقيق كتبه، المخطوطة منها، ولا سيما تلك التي لم تصل إليها أيدي المحققين. ومنها هذا الكتاب الماتع، اللامع، الموسوم بعنوان طريف، جد ظريف، وهو كشف السرّ المبهم، في لزوم ما لا يَلزَم. وقد صدرت طبعته الأولى هذه عن دار المنهاج في جدة في المملكة العربية السعودية في العام الماضي 2025 وفي أواخر العام الهجري 1446. في 416 ص في مجلد واحد على ورق أنيق مريح لبصر القارئ في عدد من الأبواب.
فباب منها يعرفنا بالمخطوط، والنسخ المعتمدة في التحقيق. فقد ظفر المحقق د. عايش بنسخة جيدة منه عثر عليها في المكتبة الظاهرية في دمشق المحروسة برقم 7150 . وتقع في 115 ورقة، وهي تامةٌ لا نقص فيها، بل فيها زياداتٌ بخط المؤلف الصفدي عليه رحمة الله. والثانية عثر عليها في مكتبة النجفي بمدينة قم الإيرانية تحت رقم 17500 تقع في 100 ورقة. وهي جيدة كذلك، على الرغم مما فيها من نقص في آخرها مما أوله (ميم) حتى آخر الذي أوله (ياء) من شعر الصفدي. وإلى جانب هذا النقص ثمة زيادات. وفي باب آخر يجد القارئ ترجمة للمؤلف من إعداد المحقق وتقديمه. فقد وُلد في صفد التي ينسب إليها عام 696 هـ. وهي مدينة فلسطينية معروفة بالكثير من أعلام اللغة، والأدب، في القديم والحديث. وهو – أي صلاح الدين- من سلالة عريقة، وتمتع، مثلما تنم أخباره، بسيرة حسنة في العلم. إذ تَتَلمذ لعدد غير قليل من شيوخ عصره. وطلبَ العلْمَ في غير عاصمة، وحاضرة، كالقاهرة، ودمشق، وحلب، والإسكندرية، وبيت المقدس. وفي كل منها لقيَ كبار العلماء في الفقه، والحديث، والتفسير، واللغة، والبلاغة، والأدب. واستقرَّ في أُخرةٍ من عمره في دمشق. وتولى عددًا من المناصب في حلبَ، ودمشقَ، التي عين فيها رئيسا لبيت المال. وبقي فيه إلى أن توفاه الله عام764هـ تاركا على ما يذكره المحقق نحو 50 كتابا في موضوعاتِ ذلك العصر كافَّة، بلا استثناء. بيد أنَّ أشهرها، وأكثرها تداولا، كتابه «الوافي في الوفيات» الذي نحا في تأليفه نحْوَ شمس الدين ابن خلكان (681هـ) في كتابه «وَفياتُ الأعيان» لكنه أكثر اتساعًا، وتراجمه للأعيان تربو على تراجم ابن خلكان.
بلاغة وبيان وعروض:
ويرى المحقق الفاضل أنّ كتاب كشف السرِّ المبهم يُصنّف في كتب البلاغة والبيان. والصفَدي له غير قليل في هذا الصنْف من الكتب، ككتابه جنانُ الجناس، والكشف والتنبيه، عن فنون التشبيه. وله كتاب رشف الزلال عما شُبِّه بهِ الهلال. وله لذة السمْع فيما قيل منْ تشبيه الدَمْع. وفَضُّ الختام عن القول بالتورية والاسْتخدام، إلى غير ذلك من فنون البديع. على أنَّ المتصفّح لهذا الكتاب، ومحتواهُ، يراه – علاوةً على ما يذكره المحقق- قريبًا من العروض قربه من علم القوافي، وما ينبغي أن يًسْتحْسنُ من التزام الناثر به، والشاعر، لمراعاة النغم عند الوقوف في الفواصل والأسجاع، وفي الأعاريض والأضرب في الصدور والأعجاز، لتتَّسقَ الأبياتُ اتساقا صوتيًا، والجملُ في النثر، فتكون سلسة ريِّقَةَ الوقع على الآذان، ليّنة النطق على اللسان.
نسَقُ الكتاب:
أما عن محتوى «كشف السرّ المبهم» فقد جعله المؤلف في نسقٍ تطرد فيه الفصول، وتتدرج من توضيح المفهوم ودلالته وتجليه في النثر القرآني، مرورًا بالحديث النبوي الشريف، وانتهاءً بالشعر العربي في قديمه والحديث. فمما ورد من القرآن الكريم قوله تعالى (والطور. وكتاب مسطور) وقوله(والتفَّت الساق بالساق* إلى ربك يومئذٍ المساق) ومن الحديث الشريف (التمسوا الرفيق* قبل الطريق. والجار* قبل الدار) ومنه قوله (اللهم اجعل أول النهار صلاحا* وأوسطه فلاحا) وبعد أن ينتهي من القرآن الكريم والحديث، وما ذكره عن العصور الخوالي، يقف بنا إزاء فرائد، وشوارد، من نوادر اللزوميات، وغُرر المنظومات، كورود فاره، وكاره، في عروض البيت وضربه، مما دُهش له ابن خالويه، وعجب:
يا فارها من تحتهِ فارهُ*/ أنا لمـا تـكرَهُـهُ كارهُ
وهذا عند الصفدي من أغرب اللزوم، وأعجبه، وأكثره ندرةً. لأنَّ (فاره) من الفعل (فَرُهَ) على وزن فَعُلَ مثل حسُن، وعظُم، وصَغُرَ، وهذا الوزن لا يأتي منه اسم الفاعل على: فاعل، فلا يقال من حسُن: حاسِن، ولا من عظم: عاظِم، ولا من صَغُرَ: صاغِر(أما كلمة صاغر التي بمعنى مرغم، فلها وجه مختلف في الصرف، لأنها من الصَغار وهو الهَوان) إلا (فَرُهَ) فقد شذَّت عن هذا القياس، ولم يسمع عن العرب اسم فاعل من هذا الوزن، إلا في هذا اللفظ. فجمعَ الشاعر - ها هنا- بين لزوم ما لا يلزم، والنُدرةِ في فاره. ومنه نادرةٌ أخرى وصفها باللزومية الخفيَّة، موردًا قولا للفارقي الذي يجمع في قافيتين إحداهما مَكْرمة، والأخرى من اللفظ نفسِه لكنها جملة اسمية من مبتدأ، وهو: مكـرُ، وخبر من فعل وفاعل، وهو: ماتوا:
قديما كان في الدنيا أناسٌ/ بهـم يحيا العــــُلا والمكْـــــرُماتُ/ فلما غالَ فعلَ الخيرِ دهرٌ / به عاشَ الخنا، والمكــرُ، ماتوا
فالشاعر يؤكد أن الماضي خير من الحاضر، فالناس الأخيار كانت تحيا بهم المعالي، والمكارم، واليوم أخنى الدهر على الخير، وفِعْله، فلم يعد ثمة سوى الخنا، والمكْر، فالأخيار الذين كانت تحيا بهم المعالي والمكارم، ماتوا. أي أن الشاعر جمع في القافيتين مثيلين صوتًا، مختلفيْن تركيبًا ومَعنىً. وفي مثال آخر جاء الناظم بقافيتين من كلمة (وَثَبات) في الأول منهما؛ مصدر ثبَتَ ثباتا- مع أنّ ثبوتًا هو الأفصح - وفي الثاني منهما جَمْعُ وَثْبة: وَثَبات، يقول:
ليس للقلب في هواكِ على الهجْـرِ بقــــــــــاءٌ في حـالــةٍ وَثباتُ/ كيـف يبقى، وللغــــــــرام عليـــــه ِ / كلَّ يـــومٍ وللْجَـــوى وَثَـبــــاتُ
وهذان المثالان عند الصفدي من لزوم ما لا يلزم، وليسا من الجناس، لأن التجنيس لديه لا بد من أن يكون اللفظان في البيت الواحد نفسه، لا في بيتين متعاقبين، كلٌ منهما تام الدلالة، مُكْتَـِمل المعنى؛ فالتجنيس كقول أحدهم:
عضنا الدهر بنابه/ ليت ما حل بنا به
ففي الصدر (بنابه) مفرد نيوب، وأنياب. وهو مجاز لغوي إذ جعل للدهر نابا، وفي الشطر الثاني جمع بين بنا، وبه، وفي كل جارٌ وضميرٌ مجرور بالباء، والمعنى - ها هنا - لا صلة له بالناب. أي: ليت الذي وقع لنا من قسوة الدهر وصروفه، ونكباته، قد وقع له، أي: للدهر.
المعري وآخرون
وفي فصلٍ لاحق، وعلى وفق النسق الذي اختاره في نظم الكتاب، نجده يورد نماذج من لزوميات الشعراءالمجيدين. وأولهم أبو العلاء المعري(449هـ) الذي صنف ديوانين بعد (سِقْط الزند) أولهما (اللزوميات) والثاني منهما بعنوان» لزوم ما لا يلزم». ويبدو الصفدي كغيره من شعراء ذلك الزمان وأدبائه، معجبًا أشد الإعجاب بشعر المعري لما فيه من حسن التأني، وروعة البيان، والبعد عن التعنّت. ففي البيتين التاليين وازن بين عِناني وجِناني، كما لو أنه وزَنَهما بميزان الأحجار الكريمة. فموقع النون الأولى فيهما مع الألف، وهي صائت طويل ذو نغم شبه مرتفع، مع الروي وهو النون الثانية، والكسرة المشبعة التي تماثل الياء المدية في الصوت، مما يسفر عن نَغَم لافتٍ للأسماع، مبرزٍ للإيقاع:
مضت لي من الأيام سبعون حِجةً/ وما أمسكت كفّــــايَ ثَنْيَ عِـناني/ ولا كـان لي دارٌ ،ولا ربْــعُ مـنـــزلٍ/ وما مسّني من ذاكَ روْعُ جِناني
فالشاعر يتحسَّر لمضيِّ عمره الذي لم يستطع فيه أن يمسك بطرف من أطراف العمر في إشارة لقول طرفة:
لعمركَ إنّ الموت ما أخطأ الفتى/ لكالطِّــوَل المرْخى وثَنْياهُ في اليدِ
وعدا عن ذلك، لا يمتلك دارًا ولا ربعًا، ومع هذا لا يخشى أن يضعف، أو يجبن، في مواجهة الموت. فلا جزع في القلب، ولا رَوْع. ثم أورد لنا أمثلة جمَّة لشعراء أقلّ رتبةً من شيخ المعرة، كالفارقي شرف الدين، والبستي، والمطوِّعي، وأبي الفضل الميكالي، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وابن دقيق العيد، وابن سيِّد الناس، وشمس الدين ابن عبد الوهاب، وصفيِّ الدين الحلي، والزمخشري صاحب الكشاف، وابن خفاجة الأندلسي الذي يقول في وصف نارنجةٍ بيتين التزم في قافيتيهما ما لا يلزم:
ومائسة تزهو وقد خلَع الحيا/ عليها حُلىً حمْرًا وأرديةً خَضْرا / يذوبُ لها ريقُ الغَمامةِ فِــضةً/ ويجمَدُ في أعطافها ذهبًا نَـضْرا
فقد جمع بين خَضْرا ونَضْرًا في قافيتين متتابعتين.
وفي هذا النسق يورد الصفدي في فصل آخر أمثلة جمّة من لزوم ما لا يلزم في نثره هو. ففي توقيع كتبه لقاضي القضاة تاج الدين السُبْكي التزم اللام المشددة في أخر كل جملة، كقوله: الحمد لله الذي جعل تاج الدين بدر العلم المحلّى، ورفع له على هامة الجوزاء قدْرًا ومَحَلاّ، وبلغ هدى فضله من الهدى والتقى مَحِلاّ.» والتوقيع طويل لم تخل منه عبارة من هذا اللزوم. وقد دأب على الالتزام في توقيعاته بما لا يلزم. وجاد من ذلك بالكثير مثلما جاد في نظمه الذي قفا بهِ النثر، وعرض علينا براعته في الشعر، منوّهًا لرضا النقاد عن شعره. قائلا: وها هنا أوردُ ما اتفق في اللزوميات من نظمي الذي يُبَهْرجُه النُقّاد، ويلذ لأصحاب الذِهْن الوقّاد. وهو، أي « ديوان لزوم ما لا يلزم « مرتب على حروف المعجم من الهمزة إلى الياء. والصحيح أنّ هذا كله أقرب إلى التصنُّع، والتكلّف، وبقربه منهما ينأى بنا عن الشعر الذي نَنْشدُه، والقريض الذي نريدُهُ ونرتاده، ففي قوله:
أهواهُ ُتْركِيَّ اللحاظِ يرقُّ لي/ فيهِ الحسودُ إذا أطال جفائي/ من أين يلزمُـهُ الوفـاءُ لصبِّه/ ولسانُه لم يدْر نُطْقَ الفــــــاء
فالشطر الثاني من (لم يدر نطق الفاء) تصنُّع لا مزية فيه، ولا روْنق. والتلاعُب بالألفاظ لا يحعل النظمَ رشيقا، ولا رقيقا، بل يُذكــّر المتلقي بالافتعال، وثِقْلِ الظلال، كما في فنائي - ها هنا - وتناوب الفتحة والكسرة:
ولما نأيتم لـم أزلْ مترقبـــًـا/ فَنائي، إلى أن تصبِحوا بِفِنائي
وقد استوفى الصفدي ما نظمه مما يصفه باللزوميات مما استغرق أكثر من ثلثي الكتاب، وأضافَ ديوانا يُعدُّ ملحقا به، وهو « ديوان اللزوميات « لمحمد بن عمر بن مبارك الحضرمي الشافعي. شاعر عاش بين عامي 869هـ و 930 هـ وهذا الديوان (يمتد من ص 329 إلى نهاية الكتاب 372) زيادةٌ لا صلة لها بالصفدي، ولا» بكتابه كشف السر المبهم». لكنها زيادة لا تخلو من فائدة لمن أراد التعرف على شعر هذا الناظم الشهير بِبَحْرَق. وقد زادنا المحقق أيضا اطلاعا على مصادر التحقيق، وهي كثيرة جدًا، مثلما أضاف صورًا لبعض الأوراق التي تشهدُ على جودة المخطوط المعتمد، ووضوحه، وسلامته، وصحة نسبته لمؤلفه، وزمَنِ نسخه، وكشافا بمحتوى الكتاب، والملحقات. وهذا هو التحقيق بالمعنى المتعارف عليه في الأوساط العلمية، أما إعادة نشر الكتاب المطبوع سابقا مع بعض الزيادات فلا يعد تحقيقا. وقد ابتدع بعضهم ظاهرة إعادة نشر الكتب المطبوعة تحت مُسمّى التحقيق، وهذا علاوة على أنه ضرب فاحش من الخطأ، تدليسٌ لا يقره الخلُق الحميد، وتأباه الأمانة العلمية.
وبعد، فإن هذا الكتاب الذي ظنَنّاه بادئ الأمر، من قراءتنا للعنوان، أنه من الكتب المتبَحِّرَة في عالم المعري ولزومياته، وفلسفته، وتفاؤله، وتشاؤمه، وعلاقة عمر الخيام به، وبشعره، وهو موضوع كثر اللغط فيه، والبحث- إلا أننا فوجئنا بما لم نكن نتوقع. وعلى أيِّ حال كسبنا من الاطلاع على الكتاب الكثير مما يكسبه القراء؛ من دراية بالمخطوطات التي تحظى بتحقيق د.محمد عايش جزاه الله خيرًا على هذا الذي يُسديه من خدمة جُلى للعربية، ولآدابها، فموفور الشكر له على هذا العطاء الوهّاج، وكلّ الشكر والتقدير لدار المنْهاج.
* الفاره صفة للجواد السامق الجرم الذي يذكرنا بجواد المرئ القيس.