عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Jan-2026

حينما تتحول التخفيضات إلى "فخ استهلاكي" يخدع المتسوقين

 الغد-ديمة محبوبة

 يدخل المتسوق إلى المركز التجاري بنية واضحة، وهي شراء غرض محدد ثم المغادرة.
 غير أن المشهد يتبدل سريعًا عند أول رف تتصدره بطاقات سعر حمراء، تعلن عن خصم مغرٍ وسعر جديد أقل من القديم. في لحظة قصيرة، يتراجع الهدف الأصلي ويبدأ عقل المستهلك بحساب "الفرصة" بدل الحاجة.
 
 
 هكذا، ومن دون تخطيط مسبق، تمتلئ السلة بأغراض لم تكن ضمن القائمة، ويستنزف جزء من الميزانية في مشتريات لم تكن ضرورية.
 هذه الظاهرة ليست فردية أو عابرة، بل سلوك استهلاكي واسع الانتشار، تفسره دراسات علم النفس السلوكي وتؤكده استراتيجيات التسويق الحديثة.
 تقول أحلام، والتي تعمل في أحد البنوك: "عندما أشاهد اللاصق الأحمر، والذي يدل على تخفيض السعر، بلا إحساس أبدأ بالبحث عما يعجبني وأشتريه، حتى لو لم أكن بحاجة إليه في الحقيقة". وتضيف أن السعر المخفض لا يُقرأ بوصفه رقمًا أقل فحسب، بل يُترجم لديها بأنه "مكسب"، حتى وإن كان هذا المكسب وهميًّا.
 ويشرح مختصون أن المتاجر تعتمد على ما يُعرف بـ "السعر المرجعي"، وهو السعر الأصلي الذي يُعرض إلى جانب السعر الجديد. ووجود الرقمين معًا يخلق مقارنة فورية في ذهن المستهلك، فيشعر بأن الفارق هو ربح شخصي. وبدل أن يسأل: "هل أحتاج هذا الغرض؟"، يسأل: "كم وفّرت؟".
 من جانبه يؤكد الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن أصحاب المحلات يستخدمون هذه الحيل عادة، وهي غير مقتصرة على الألبسة حتى المواد التموينية والمنظفات وغيرها. ويؤكد أن هذا التحول في زاوية التفكير هو جوهر الفعل الذي يعتمد عليه التجار، إذ إن العقل البشري مهيأ لملاحظة الخسارة والمكسب أكثر من تقييم الحاجة الفعلية، وعندما يُقدَّم الخصم على أنه فرصة محدودة، يتضاعف التأثير، ويظهر ما يعرف بـ"الخوف من فوات الفرصة"، فيدفع المستهلك إلى قرار سريع قبل أن "يضيع العرض".
ويوضح أن الأمر لا يتوقف عند الإغراء المالي، بل يتعداه إلى بعد نفسي أعمق، فالخصم يمنح المستهلك مبررًا أخلاقيًا للشراء ويشعر بأنه تصرّف بذكاء، وأنه استغل عرضًا لصالحه، حتى لو كان الشراء خارج خطته، وهنا يصبح اللاصق الأحمر أداة لتخفيف الشعور بالذنب المرتبط بالصرف.
وتشير تقارير تسويقية إلى أن المتاجر لا تهدف فقط إلى تصريف البضائع، بل إلى زيادة متوسط قيمة السلة الشرائية. فالمستهلك الذي دخل لشراء غرض واحد، قد يخرج بثلاثة أو أربعة، فقط لأن أحدها كان "بسعر لا يُفَوَّت".
خالد شاب يهوى الشراء والتسوق ويجد نفسه ضحية اللاصق الأحمر رغم كل الوعود التي يقطعها على نفسه في كل مرة بأنها آخر مرة.
ويبين أنه رغم أن المبلغ المدفوع في كل مرة قد يبدو بسيطًا، إلا أن التراكم هو الخطر الحقيقي، وهو يعلم أن المشتريات الصغيرة غير المخطط لها، عندما تتكرر، تتحول إلى عبء مالي ملحوظ.
ويشعر مع الوقت بأن دخله لا يكفي، دون أن يدرك أن راتبه يتسرب نتيجة قرارات شراء عاطفية.
ويؤكد أن الغريب أن الشاري بعد الشراء بيوم لا يشعر بالرضا وكأنه أسرف ماله في غير مكانه، وامتلاء المنزل بأغراض غير مستخدمة، ما يعزز الإحساس بالهدر ويخلق توترًا نفسيًا خفيًا.
الخبير الاقتصادي عايش يرى أن الحل لا يكمن في الحرمان أو مقاطعة التسوق، بل في الوعي وبناء عادات استهلاكية صحية.
فيُوَضِّح أنه يمكن للشخص أن يسأل نفسه قبل التورط والشراء سؤالًا داخليًا: "لو لم يكن هناك خصم، هل كنت سأشتري هذا الغرض؟".
كما يُعَدُّ تحويل الخصم إلى رقم واقعي أداة فعالة. فبدل التفكير بما تم توفيره، يمكن التفكير بما تم دفعه فعليًا، فهذا التمرين الذهني يعيد التوازن ويخفف من سطوة الإغراء.
ومن النصائح العملية أيضًا حسب عايش، الالتزام بقائمة مشتريات "مغلقة"، أي عدم إضافة أي غرض خارجها إلا لضرورة حقيقية.
وفي حال الإعجاب بمنتج غير مخطط له، يمكن تأجيل الشراء ليوم واحد؛ فغالباً ما تتلاشى الرغبة بعد زوال تأثير اللحظة.
ويؤكد أنه لا يمكن إنكار حق المتاجر في التسويق لمنتجاتها، لكن ينصح المستهلك بأن يكون أكثر وعياً، مبيناً أن المستهلك اليوم يواجه أدوات تسويقية ذكية تستهدف عاطفته قبل عقله، فتصبح الثقافة المالية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، لا تقل أهمية عن الدخل نفسه.
ويلفت إلى أن الكثيرين ينجحون في تغيير سلوكهم دون شعور بالحرمان بعد إدراكهم لهذه الآليات.
 فالمسألة ليست مقاومة الخصم، بل فهمه، وحين يدرك المستهلك أن المتجر يعرف جيداً كيف يعمل دماغه، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرار واع يوازن بين الرغبة والحاجة.
في النهاية، يوضح أن اللاصق الأحمر لن يختفي من واجهات المحال، لكنه يفقد الكثير من سحره عندما نراه على حقيقته كأداة ذكية، لكنها ليست أقوى من وعي المستهلك.