الدستور
يفرّق د. وليد عبد الحيّ، أستاذ العلوم السياسية والخبير في الشأن الإيراني بين أربعة سيناريوهات رئيسية في مصير الاحتجاجات الشعبية الراهنة في إيران، ويرى أنّ الاحتمال الأكبر لا يزال هو استمرار النظام في السلطة على المدى القريب مع تكرار الاحتجاجات بين الحين والآخر، ويبدو ان هذا الاحتمال يصل ما بين 60-65.
أما الاحتمال الثاني فيتمثل في «اتساع الاضطرابات بقدر اوسع من كل الحالات السابقة منذ 1979، وهذه تتراوح بين30- 35%»، ووفقاً لعبد الحيّ فإنّ لهذا الاحتمال تدريجيا إذا نشب خلاف داخل النخبة الحاكمة او إذا امتد الحراك للمؤسسة العسكرية.
يبقى لدى عبد الحي احتمال سقوط النظام ضعيف، بخاصة إذا جرى تدخل خارجي فاعل، وتصدعت النخبة الحاكمة، خلال المدى الزمني المنظور، «وتقدر نسبة هذا السيناريو ب10-15%.».
في حين يتمثل السيناريو الآخر والأخير، وفقاً لأستاذنا عبد الحيّ، الذي يعدّ مرجعاً من أبرز الخبراء في الدراسات المستقبلية، بما يطلق عليه سيناريو «البجعة السوداء» ويتمثّل بموت المرشد الأعلى للثورة الإيرانية خامنئي(87 سنة)، وما قد يؤدي إليه من تغيرات في حالة وقوعها في فترة قريبة للغاية، كما ان «الهوج الترامبي» لا يجوز استبعاده.
تحليل د. عبد الحيّ، كالعادة، يرتبط بمنهجية علمية صارمة تقوم على مصفوفة الاحتمالات المستقبلية واعتماد كم كبير من المتغيرات، ويؤخذ على محمل الجدّ في تحليل الوضع الراهن والتوقعات القادمة، وربما هنالك سيناريو الصراع الداخلي والحرب بين أطراف في إيران؛ وهو الأمر الذي يجيب عليه د. وليد عبد الحيّ (في نقاشه مع كاتب هذه السطور) بنقطتين رئيستين؛
الأولى أنّ العامل الحاسم هنا، في مختلف تجارب الانتقال السياسي في العالم، إلى نسبة 85% (تقريباً) تتمثل بالمؤسسات الخشنة، أي العسكرية والأمنية داخل النظام، وهذه المؤسسات عموماً في الحالة الإيرانية ذات طبيعة أيديولوجية وعقائدية محسومة، ولا يوجد احتمالات انشقاقات كبرى، باستثناء انشقاقات محدودة، وهذه ظاهرة طبيعية، ولن تؤثر على بقاء النظام، ما يعني استبعاد الانشقاق داخل النظام السياسي نفسه.
الثانية تتمثل في التركيية السكانية- الجغرافية في إيران، إذ إنّ النسبة الكبرى من الأقليات في إيران، مثل الأذرين والأكراد والعرب، هم على الأطراف، بينما الفرس في الهضبة الداخلية، وأغلب عمليات الانفصال التي وقعت في الدول كان النجاح فيها مرتبطاً (بنسبة 87%) بوجود الأقليات في الأطراف، مما يجعل سيناريو التفكك الجغرافي وارداً أكثر من سيناريو الانشقاق السياسي داخل النظام نفسه، وهو أمر مرتبط (والكلام لكاتب هذه السطور) بمتغيرات أخرى عديدة، منها ما يتعلّق بالسياقات الإقليمية، وبوجود قوى لها أجندة في تعزيز هذا الانفصال أو الانشقاق عن إيران، ومدى قابلية بعض تلك الأطراف للانفصال والاستقلال عن إيران.
عند هذا المستوى من التحليل يأتي السؤال الآخر، الذي لا يقل أهمية عمّا سبق، فيما إذا كانت هنالك ضربة أميركية متوقعة أو وشيكة، كما تؤشر العديد من التسريبات الإعلامية والأمنية الأميركية والغربية، بهدف إضعاف النظام ومنح زخم جديد للمعارضة، أو ربما تغيير موازين القوى في إيران لصالح القوى المعتدلة أو الإصلاحية، التي تتمثّل في رئيس الجمهورية، والذي يميل إلى خيار البراغماتية السياسية وتجنب الصدام مع الولايات المتحدة الأميركية؟
إلى أيامٍ قريبة كانت الضربة، وفقاً لمصادر دبلوماسية غربية، تكاد تكون مؤكدة، لكن الساعات الأخيرة حملت تغيراً في الخطاب الأميركي، الأمر الذي قد يعزوه البعض لتحليلات سياسية وعسكرية قدمت للرئيس ترامب عن جدوى الضربة ونتائجها، بخاصة أنّ القوة الصلبة والعسكرية ما تزال بيد الحرس الثوري والقوة العسكرية من جهة، بل ربما تؤدي الضربة – بالعكس مما سبق- إلى إضعاف المعارضة وإظهارها بوصفها جزءاً من الأجندة الأميركية- الصهيونية.
مع ذلك يبقى الرئيس الأميركي خارج نسق التوقعات التقليدية؛ ومن الممكن أن يفكّر في ضربة معينة لقيادات في النظام الإيراني، إما للمرشد الأعلى أو لقادة الحرس الثوري أو غيرهم، مما قد يضعف سيطرة النظام ويمنح القوة للاحتجاجات أو ربما يساعد التيار البراغماتي على إيجاد مساحة أوسع من المرونة.
في الخلاصة بالرغم من المظاهرات والاحتجاجات الشديدة، وهي ليست الأولى إذ تتكرر باستمرار، وبالرغم من ضعف النظام داخلياً، بخاصة مع العقوبات الاقتصادية (والتشديد الأخير من قبل الرئيس ترامب خلال الساعات الماضية، بما يخنق الاقتصاد الإيراني)، فإنّ هنالك مصادر رئيسية في قوة النظام ما تزال قائمة، ليس المقصود هنا فقط الأجهزة العسكرية والأمنية القوية، بل الجانب الأيديولوجي والعقائدي الذي تقوم عليه هذه القوى والأجهزة، ويقف خلفه أيضاً قاعدة اجتماعية صلبة وشرسة بمحرّكات دينية- أيديولوجية، مما يجعل من سيناريو الانهيار الكرتوني للنظام، كما حدث في دول أخرى أقل احتمالية كما وصل د. عبد الحيّ نفسه (في التحليل المشار إليه).