الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
أرووب موخارجي* - (فورين أفيرز) 9/1/2026
عندما أعرب وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، عن أسفه لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان يتصرّف "بأسلوب يعود إلى القرن التاسع عشر" عقب غزوه شبه جزيرة القرم في العام 2014، لم يكن كيري يتوقع، على الأرجح، مدى الدقة التي سيصف بها هذا القول السياسة الخارجية الأميركية اليوم. وقد عقد محللون العديد من المقارنات التاريخية لدى مناقشة التدخل الأميركي في فنزويلا مؤخرًا -والحقيقة أن القرن العشرين حافل بالعديد من الخيارات من هذا النوع. لكنّ الحقبة التي يتردد صداها أكثر من غيرها اليوم هي تلك التي بدأت فيها التدخلات الأميركية الدورية والخشنة في أميركا اللاتينية. وتبدأ هذه القصة في العام 1898.
بعد هزيمة إسبانيا في حرب العام 1898 (المعروفة أيضًا بسم "الحرب الإسبانية-الأميركية")، استحوذت الولايات المتحدة على مستعمرات إسبانية سابقة في غوام والفلبين وبورتوريكو، وأقامت نظام حماية على كوبا. وبصورة منفصلة، قامت أيضًا بضمّ هاواي، وشرعت في استكشاف مشروع شق قناة برزخية عبر نيكاراغوا (ولاحقًا عبر بنما)، كما حاولت شراء أراضٍ من الدنمارك في منطقة الكاريبي. وعلى مدى نصف قرن بعد العام 1898، لم تكن الشمس تغيب عن الإمبراطورية الأميركية.
بطبيعة الحال، كانت لدى الولايات المتحدة مُسبقًا خبرة واسعة في التوسّع والاستغلال والاستعمار. ومع ذلك، شكّل العام 1898 نقطة تحوّل فاصلة. في غضون أشهر قليلة فقط، تمكنت الولايات المتحدة من إسقاط إمبراطورية أوروبية، واستحوذت على أكثر من سبعة آلاف جزيرة تقع على بُعد يزيد على سبعة آلاف ميل من ساحل كاليفورنيا، وأصبحت على الفور قوةً في المحيط الهادئ. ولم يحدث بعد ذلك أن انخفض عديد الجيش الأميركي إلى أقل من مائة ألف جندي. كان الأمر كما تأمّل وودرو ويلسون قبل عقد من تولّيه رئاسة الولايات المتحدة، حين قال: "لم تُحوّلنا أي حرب قط كما حوّلتنا الحرب مع إسبانيا... لقد شهدنا ثورة جديدة".
الآن، عاد عصر 1898. والتشابهات السطحية كثيرة. ثمة حماسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرسوم الجمركية والحمائية، واهتمامه باستعادة قناة بنما، والتوتر الذي أثاره مع كندا، وتركيزه على أميركا اللاتينية، وسعيه إلى الحصول على أراضٍ دنماركية -وهي كلها شؤون تعيد إلى الأذهان أجواء مطلع القرن العشرين. وليس من المستغرب أن يكون أحد الذين يتخذهم ترامب قدوة الرئيس وليام ماكينلي الذي تولّى الرئاسة بين العامين 1897 و1901. وربما يكنّ ترامب أيضًا إعجابًا بثيودور روزفلت، خليفة ماكينلي الذي واصل سياساته ووسّعها، والذي كان أول رئيس أميركي ينال جائزة نوبل للسلام. كان ماكينلي وروزفلت هما اللذان أدخلا الولايات المتحدة معًا إلى "القرن الأميركي"، المرحلة التي تميزت بالهيمنة الأميركية العالمية.
لكنّ أوجه الشبه التاريخية تتجاوز بكثير أي مجموعة بعينها من السياسات أو الأفعال. لا تكتفي إدارة ترامب باستخدام دليل إرشادي قديم للممارسة السياسية، بل إنها -وهو الأهم- تعيد إحياء طرائق قديمة في تصوّر القوة والأمن؛ فتستحضر رؤية للعالم تشدّد على الثروة والجغرافيا والحضارة، باعتبارها مقاييس للتقدّم المجتمعي تعود إلى قرون مضت. وتشبه الأهداف المادية والثقافية المتداخلة لإدارة ترامب إلى حد بعيد طريقة التفكير التي سادت تلك المرحلة المبكرة من السياسة الخارجية الأميركية. لكنّ على الرئيس ترامب ومستشاريه، وهم يعتنقون هذه الرؤية ويرفعونها إلى مرتبة عليا ويسعون إلى تنفيذها، أن يتّعظوا من أهم دروس العام 1898: كلما زادت الولايات المتحدة من تدخلها في الخارج، بدا كلّ تحدٍّ جديد تواجهه مسألةً مصيريةً تستوجب الحل، وأصبح من الأصعب على واشنطن باطراد أن تحرر نفسها من تشابكاتها وتعقيداتها الخارجية.
قوة العالم القديم
كان الاقتصاد السليم يشكل محورًا أساسيًا في تصوّر ماكينلي للقوة والأمن. وقد أراد حماية الأميركيين من عدم اليقين والخوف والمعاناة الاقتصادية. وكان يمتلك تصورًا متماسكًا لقوة الولايات المتحدة يقوم على الازدهار الداخلي، والاعتماد على الذات، والتصنيع. ولم يكن يقلق كثيرًا بشأن تعرّض الولايات المتحدة القارية لهجوم عسكري مباشر (باستثناء فترة حرب العام 1898، عندما كان هناك خطر من قصف إسباني للسواحل الأميركية). لكنه كان في المقابل قلقًا من أن يؤدي كساد اقتصادي إلى إثارة الذعر والفوضى. ولهذا السبب، كان اهتمام ماكينلي عند دخوله البيت الأبيض بالشؤون الداخلية وتجديد الاقتصاد الوطني يفوق بكثير الاهتمام الذي يوليه للسياسة الخارجية.
كانت الأرض بدورها عنصرًا مهمًا في هذا التصور. وقال ماكينلي مخاطبًا حشدًا من الناس في مينيابوليس في العام 1899: "لقد أضافت زيادة رقعة أراضينا كثيرًا إلى قوتنا وازدهارنا"، وشبّه مكاسبه في المحيط الهادئ بصفقة شراء لويزيانا في العام 1803، واحتفى باتساع المساحة الجغرافية الجديدة للولايات المتحدة. وأضاف ضمّ الفلبين إقليمًا بحجم ولاية أريزونا إلى الممتلكات الأميركية. ومن وجهة نظر ماكينلي، منح ذلك الولايات المتحدة مكانة وهيبة واحترامًا على الصعيد الدولي. وقال مرة لأحد مستشاريه: "كان من أفضل ما قمنا به على الإطلاق إصرارنا على أخذ الفلبين. هكذا أصبحنا، في غضون أشهر قليلة، قوة عالمية".
ثم ذهب روزفلت بهذا التفكير خطوة أبعد. في نظره، لم تكن القوة والأمن مسألتين تتعلقان بامتلاك الأراضي فحسب، بل بتصور أكثر استراتيجية للجغرافيا. كان احتلال ماكينلي لكوبا واستيلاؤه على بورتوريكو قد مكّنا روزفلت من التعامل مع أميركا اللاتينية باعتبارها منطقة ضمن مجال النفوذ الأميركي، وهو ما ألهم ما عُرف لاحقًا بـ"الملحق" الشهير لـ"عقيدة مونرو"، الذي استند صراحة إلى سياسة ماكينلي القاضية بتحويل كوبا إلى محمية أميركية. لكنّ "ملحق روزفلت" لم يكن، في جوهره، ملحقًا بقدر ما كان نقيضًا. هدفت "عقيدة مونرو" إلى منع القوى الأوروبية من إنشاء مستعمرات جديدة في نصف الكرة الغربي، مما يضع الولايات المتحدة في مواجهة أوروبا دفاعًا عن السيادة. وفي المقابل، أكد "ملحق" روزفلت أن على الولايات المتحدة التزامًا بالتدخل لحماية دول نصف الكرة الغربي من عدم الاستقرار والاضطراب الداخلي -أي حمايتها من نفسها. وبذلك، وضع الولايات المتحدة في مواجهة مع دول نصف الكرة الغربي نفسها، في انتهاك صريح لمبدأ السيادة.
وكان مفهوم "الحضارة" هو الركيزة الأخيرة، وربما الأهم، في تصور كلٍّ من ماكينلي وروزفلت للقوة والأمن. كانت نخب تسعينيات القرن التاسع عشر تفهم الحضارة بوصفها مقياسًا للإنجاز المجتمعي، يضع الشعوب المختلفة ضمن تسلسل هرمي للتقدّم يمتد مما يُسمّون "الهمج" و"البرابرة" في أدنى مراتبه، إلى المجتمعات "شبه المتحضّرة" و"المتحضّرة" في أعلى مراتبه. وشملت السمات التعريفية العديدة التي ربطتها النخب الأميركية بمفهوم الحضارة سيادة القانون، والنظام، والحكم الذاتي، والابتكار، والأخلاق، والازدهار، والمسيحية، والحداثة، والقدرة على القراءة والكتابة، والتعليم. وكانت هذه المعايير مشبعة بعمق بالتحيّزات العرقية والاجتماعية والثقافية السائدة في تلك الحقبة، وسبقت ظهور المصطلحات الحديثة -مثل الشمال والجنوب العالميين؛ والاقتصادات الناشئة؛ والعالمين الأول والثالث- التي تصنّف المجتمعات هي الأخرى ضمن هرمية غامضة للتقدّم.
كانت "الحضارة" هي نقطة التقاء الثقافة بالأمن. كان تآكل الحضارة في الداخل يُنذر بالفوضى والاضطراب والبؤس، وهو ما دفع كثيرًا من النخب إلى الدعوة لمنع الناس من دخول الولايات المتحدة والهجرة إليها. في أواخر القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، قدّم الكونغرس عشرات القرارات التي تهدف إلى استبعاد ومعاقبة الفوضويين. وكان القادة يرون فيهم تهديدًا للأمن القومي، كما وثّق المؤرخ ألكسندر نونان بدقة. ولم يكن هذا التخوّف بلا أساس؛ فقد اغتال فوضوي الرئيس ماكينلي في العام 1901، بعد ستة أشهر فقط من بداية ولايته الرئاسية الثانية. وفي الاتجاه نفسه، استخدم آخرون المنطق الحضاري ذاته للاحتجاج على الإمبريالية الأميركية. ضغط وزير خارجية ماكينلي، ويليام داي، على الرئيس في العام 1898 ضد ضمّ الفلبين لأنه كان يخشى أن يؤدّي إدماج شعوب أجنبية في الجسد السياسي الأميركي إلى تهديد حضارة البلاد. وكتب داي إلى الرئيس بينما كان يتفاوض بصفته وزيرًا للخارجية على التسوية السلمية النهائية مع إسبانيا: "كما قلت لك دائمًا، فإن الاستحواذ على هذا الأرخبيل العظيم، الذي يضم ثمانية أو تسعة ملايين من الناس الجاهلين تمامًا، والكثيرين منهم منحطّين، مع القدرة على إعالة عدد من السكان يصل إلى خمسين مليونًا، يبدو لي عبئًا بالغ الضخامة على بلد يفخر بأنه يقيم نظام حكمه على رضا المحكومين".
كان ماكينلي وروزفلت يعتقدان أن الشؤون الدولية ستكون أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر سلمية إذا ما تشابه عدد أكبر من الدول مع الولايات المتحدة من حيث المعايير الحضارية. وأُطلق على هذا التصوّر اسم "نظرية السلام الحضاري"، وهي الفكرة التي تحوّلت لاحقًا إلى "نظرية السلام الديمقراطي" ذات الصلة، والتي سادت في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وتذهب إلى فكرة أن الديمقراطيات لا تتحارب فيما بينها. بالنسبة لروزفلت، كانت هذه النظرية تدعم أيضًا ما يسمّيه المؤرخ تشارلي لادِرمان بـ"الملحق الثاني" لروزفلت على "عقيدة مونرو"، وهو الذي حدّد مجموعة من المبادئ التي تبرّر التدخّل ردًا على "الجرائم ضد الحضارة"، بما في ذلك الفظائع التي ترتكبها الحكومات بحق شعوبها. وكان روزفلت يؤمن بأن ثمة ضرورة حضارية تقع على كاهل الولايات المتحدة لمعاقبة السلوك السيّئ ومنع الانتهاكات الجسيمة أينما وقعت في العالم.
كانت هذه هي المرتكزات التي وجّهت سياسات الأمن خلال إدارتي ماكينلي وروزفلت. ولم تفضِ إلى عصرٍ من الإمبريالية فحسب، بل إلى عصرٍ من التدخّل في شؤون الدول الأخرى من أجل الحفاظ على الأراضي والنفوذ وحقوق التجارة، وكذلك من أجل الترويج لما كان يُعتبر في ذك الحين تقدّمًا حضاريًا.
قوة العالم الجديد
يتصوّر قادة الولايات المتحدة اليوم القوة والأمن بطرق مشابهة لتصوّرات ماكينلي وروزفلت. وعلى سبيل المثال، يلعب الاقتصاد دورًا محوريًا في سياسة الأمن القومي لدى ترامب. ويهدف تركيز إدارته على "إعادة التصنيع"، والحمائية، والاعتماد على الذات، إلى استعادة العصر الذهبي الأميركي للتصنيع في أواخر القرن التاسع عشر، حين كان الاقتصاد الأميركي يشهد ازدهار التصنيع واسع النطاق. وكما كتبتُ سابقًا -بالاشتراك مع دون غريفز- في مجلة "فورين أفيرز"، فإن النسخة الترامبية من مفهوم الأمن الاقتصادي تعطي الأولوية أيضًا لمنطق نفعيّ قصير النظر، يجري تطبيقه على السياسات المتعلقة بالتكنولوجيا، والتحالفات، والتنمية، وحتى الهدايا المقدَّمة من حكومات أجنبية. ولهذا السبب، سوف تتجه الإدارة، حين يتعلّق الأمر بفنزويلا، بشكل مطّرد نحو استهداف الموارد الطبيعية للبلد، وخاصة احتياطياته الكبيرة من النفط والمعادن.
كما أن للأرض -الإقليم- أهميتها أيضًا لدى إدارة ترامب. لو كانت موارد الطاقة، وسلاسل التوريد، والمصالح الاقتصادية هي أولوياتها الكبرى الوحيدة، لكانت لغة المرحلة هي التفاوض على الاتفاقات التجارية، وبناء الموانئ واستئجارها، وتأمين حقوق التعدين، وليس الضمّ. ومع ذلك، لوّح ترامب حتى الآن بفكرة الاستحواذ الإقليمي في بنما، وكندا، وغزة، وغرينلاند. وبعد إلقاء القبض على مادورو واختطافه تحت جنح الليل في الأيام الماضية، وعد ترامب بحكم فنزويلا حين قال: "سوف نُديرها نحن، إلى أن يحين الوقت الذي يمكن فيه إجراء انتقال مناسب". ويبدو أن شكلًا من أشكال الوصاية ليس مرجّحًا فحسب، بل صرح الرئيس بالوعد به علنًا. وفي أعقاب العملية الدراماتيكية في فنزويلا، أعاد نوّاب ترامب كذلك إحياء التهديدات المتعلقة بالاستحواذ على غرينلاند.
لقد عاد عصر 1898.
لكنّ ما يجعل الماضي حاضرًا بهذه القوة في سياسة ترامب تجاه فنزويلا هو مدى الدور المحوري الذي تؤدّيه تصوّرات "الحضارة" في أفعال الرئيس. وينسجم إلقاء القبض على مادورو مع منطق كلٍّ من ملحق روزفلت على "عقيدة مونرو" الهادف إلى "استقرار" نصف الكرة الغربي، و"الملحق الثاني" غير الرسمي لروزفلت الذي يبرّر معاقبة "الجرائم ضد الحضارة". لا شكّ في أن مادورو يشكل وصمة في تاريخ فنزويلا، وقد دعا كثير من المشرّعين الأميركيين البارزين إلى تغيير النظام قبل وقت طويل من إطلاق ترامب عمليته الخاطفة لاختطافه. وتلبي الإطاحة بمادورو التزامَين روزفلتيَّين في آن واحد. كما يعتقد ترامب أن الفنزويليين غير قادرين على حكم أنفسهم، على الأقل في الوقت الراهن. وقال في الثالث من كانون الثاني (يناير): "إننا لا نمانع في قول ذلك، لكننا سنحرص على أن تُدار تلك البلاد بشكل سليم". ويعكس هذا الشك في قدرة فنزويلا على الحكم الذاتي القلقَ الحضاري الذي كان يساور ماكينلي تجاه الفلبينيين قبل ضمّ الأرخبيل. كان ماكينلي يُصرّ على أن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على تعليمهم كيف يديرون بلادهم.
تحتل أفكار "الحضارة" موقعًا بارزًا في سياسات أمنية أخرى ينتهجها ترامب. ويشكل التوسّع في المداهمات التي تنفذها إدارة الهجرة والجمارك، والتركيز المكثّف على حدود الولايات المتحدة، وسحب التأشيرات على نطاق واسع، كلّها إشارات واضحة إلى رغبة في تحقيق التجانس في المجتمع الأميركي. وفي "استراتيجية الأمن القومي" العام 2025، حذّرت إدارة ترامب من حدوث "محوٍ حضاري" في أوروبا ومن تآكل "هويتها الغربية". وهذا بالتحديد ما يبدو أن الإدارة تخشى حدوثه في الولايات المتحدة نفسها. من هنا جاءت سيطرتها المركزية غير المعتادة على معارض "مَعارض سميثسونيان" (1)، وهجماتها على مختلف مستويات النظام التعليمي الأميركي. وعلى غرار مخاوف وليام داي من أن يصبح الفلبينيون في نهاية المطاف ناخبين أميركيين، يرى كثير من القادة الجمهوريين اليوم أن التنوّع يُشكّل تهديدًا للأمن القومي. وجاء في الاستراتيجية نفسها للعام 2025: "لقد انتهى عصر الهجرة الجماعية".
مزيد من التدخّل، مزيد من المشكلات
ثمة جملة واحدة تبرز بشكل خاص في خطاب تنصيب ترامب للعام 2025: "ستعود الولايات المتحدة مرة أخرى إلى اعتبار نفسها أمةً نامية -أمة تزيد ثروتنا، وتوسّع إقليمنا، وتبني مدننا، وترفع سقف تطلعاتنا، وتحمل علمنا إلى آفاق جديدة وجميلة". لا توجد جملة تُجسّد بطريقة أكمل طبيعة الصلة العميقة بتصوّر القوة والأمن الذي ساد في أواخر القرن التاسع عشر. ومن الصعب تخيّل أي رئيس أميركي حديث يتفوّه بمثل هذه الكلمات. ومع ذلك، كانت هذه الجملة لتنسجم تمامًا مع خطاب ماكينلي الثاني عند تنصيبه.
لكنّ عصر ماكينلي ينطوي على حكاية تحذيرية تتمحور حول ما أسميته "فخّ المتدخِّل". بينما ترسم إدارة ترامب مسارها في فنزويلا، سيكون من الحكمة أن تضع نفسها في موضع إدارة ماكينلي في خريف العام 1898. في ذلك الوقت، كان ماكينلي قد أطاح بنظام قمعي من خلال هزيمة الحكّام الاستعماريين الإسبان في الفلبين. وكان يشكّ في السكان المحليين ويعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على إدارة بلدهم بطريقة أفضل. وبما أن القوات الأميركية كانت قد هزمت الإسبان وكانت تسيطر على مانيلا، تملّك ماكينلي إحساس بالملكية تجاه الأرخبيل، وهو ما دفعه إلى تضخيم أهمية ما يجري في الشرق الأقصى بالنسبة للمصالح الجوهرية للولايات المتحدة. وخلص إلى أن انسحابًا أميركيًا من الفلبين سيؤدي إلى اندلاع حرب بين القوى العظمى، فقرّر تفادي مثل هذه الحرب عن طريق ضمّ الأرخبيل بأكمله -وهو تبرير لافت بالنظر إلى أن ماكينلي لم يكن قد انشغل من قبل باحتمال اندلاع حرب بين قوى عظمى. وبعد الضمّ، اكتسب الانخراط والتدخل الأميركيان في آسيا منطقًا ذاتيَّ التعزيز: كان على واشنطن أن تواصل التدخل لأن ذلك يتعلق بالمصالح الأميركية، مع أن هذه المصالح نفسها كانت قائمة في العمق على الخطيئة الأصلية المتمثلة في ضمّ الفلبين. وبعبارة أخرى، كان التدخّل هو ما دفع ماكينلي -وخلفاءه من بعده- إلى التشدد. ولم تنل الفلبين استقلالها إلا في العام 1946.
يتعيّن على ترامب الآن أن يحدّد ما الذي سيفعله تالياً. كما فعل الفلبينيون في البداية في العام 1898، رحّب كثير من الفنزويليين بإزاحة زعيمٍ قمعي. لكنّ الترحيب بالتغيير لا يعني بالضرورة الترحيب بتولّي الولايات المتحدة زمام الأمور. كان إميليو أغوينالدو، ربما أبرز قائد فلبيني في العام 1898، مبتهجًا بانتصار ماكينلي على الإسبان. ولكن، لسوء الحظ، لم يكن لأي فلبيني رأي في ما أعقب ذلك. فقد أثار قرار ماكينلي بضمّ الفلبين تمرّدًا على بُعد آلاف الأميال، وأدّى إلى أطول حربٍ خارجية خاضتها الولايات المتحدة حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وانتصرت القوات الأميركية، وإنما بكلفة هائلة على الصعيدين المادي والأخلاقي. كما قُتل مئات الآلاف من الفلبينيين في الحرب الفلبينية-الأميركية، معظمهم بسبب المرض والمجاعة، بما في ذلك داخل معسكرات اعتقال أميركية. ويقترب هذا العدد من عدد المدنيين الذين قُتلوا جرّاء القنابل الذرّية الأميركية التي أُلقيت على هيروشيما وناغازاكي.
ربما تبدو فكرة "إدارة فنزويلا" التي تتولاها وزارة الدفاع أو وزارة الخارجية أو البيت الأبيض منطقية لبعض المسؤولين في الإدارة -أو على الأقل لشخصٍ واحدٍ فيها. غير أن التدخّل السافر في الخارج ينطوي على خطر أن يوقع -ليس هذه الإدارة وحدها، بل الإدارات المقبلة أيضًا، في فخّ الاعتقاد بأن الأحداث داخل فنزويلا ومحيطها هي أكثر أهمية للمصالح الأميركية مما هي عليه في الواقع. ومع محاولة إدارة ترامب الإشراف على فنزويلا، ستبدأ أحداث لم تكن لتهمّ الولايات المتحدة سابقًا بالظهور وكأنها بالغة الأهمية. وإذا ما أدّى الدور الأميركي في فنزويلا إلى تحفيز شكلٍ من أشكال التمرّد أو المعارضة الصاخبة، فسينخرط الرئيس في مسارات قد تُفضي إلى اضطرابٍ ومآسٍ.
كما جادل عالم السياسة كاليب بوميروي مؤخرًا في مجلة "فورين أفيرز"، فإن الدول كلما ازدادت قوة، فإنها كثيرًا ما تشعر بمزيد من انعدام الأمن. عندما ضمّت الولايات المتحدة الفلبين، قادت زيادة القوة إلى إحساسٍ متنامٍ بالهشاشة. وكما اعترف روزفلت لويليام هوارد تافت في العام 1907: "تشكل الفلبين كعب أخيل لدينا". وإذا ما بدأ ترامب بإدارة فنزويلا، فلن يجد فنزويلا عصيّة على السيطرة فحسب؛ بل سيجد هو -والذين يأتون بعده- أن التخلي عنها وتركها لشأنها هو أمرٌ مستحيل.
*أرووب موخارجي Aroop Mukharji: باحث وأكاديمي أميركي متخصص في تاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة والعلاقات الدولية، حاصل على الدكتوراه في السياسات العامة من كلية كينيدي بجامعة هارفارد، حيث كان زميل إرنست ماي وتركّزت أبحاثه على سياسات الرؤساء الأميركيين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. شغل بين العامين 2022 و2024 منصب مستشار أول للأمن الاقتصادي والوطني لنائب وزير التجارة الأميركي، وأسهم في صياغة استراتيجية الأمن القومي للتجارة، ويعمل حاليًا أستاذًا مساعدًا في شؤون الأمن القومي بكلية الحرب البحرية الأميركية. نُشرت كتاباته في منصات أكاديمية وإعلامية بارزة مثل International Security وWar on the Rocks. يُعرف بمزجه المنهجي بين البحث التاريخي والتحليل السياسي لفهم تطور صناعة القرار في السياسة الخارجية الأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The New Imperial Age: Trump, Venezuela, and a Century-Old Vision of American Power
هامش:
(1) "مَعارض سميثسونيان" Smithsonian exhibits: هي أكبر مجمّع بحثي ومتحفي في العالم، أُسِّست في الولايات المتحدة في العام 1846 بموجب وصية العالم البريطاني جيمس سميثسون، وتهدف إلى "زيادة ونشر المعرفة". تضمّ عشرات المتاحف والمعارض ومراكز الأبحاث والمكتبات وحدائق الحيوان، معظمها في واشنطن العاصمة، وتعمل في مجالات العلوم والتاريخ والثقافة والفنون، وهي مؤسسة تعليمية عامة ذات طابع اتحادي.