حوكمة الإعلام الرقميّ: قراءة في نظام تنظيم الإعلام الرقميّ وآفاقه المستقبليّة*د. سيف الجنيدي
الراي
نشر ديوان التشريع والرأي عبر موقعه الالكترونيّ الرسميّ بتاريخ 15 كانون الثاني الحالي مسوّدة نظام تنظيم الإعلام الرقميّ، وأتاح الديوان التعليق على مسوّدة القانون لمدة 15 يوماً من تاريخ النشر.
ماذا يعني هذا من منظور أصول التشريع؟
تحقيق التواصل بين التشريع والمجتمع؛ الذي يعتبر الأساس لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، وربط العمل التشريعي بالمجتمع لإيجاد حواضن ثقافيّة لضمان تطبيق القانون وفعاليته، وتحقيق الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وتوفير إطار مرجعي للتحليل الديمقراطي للتشريعات.
تحمل مسودة النظام أحكاماً قانونيّةً تحتاج إلى وقفة تأملٍ من منظور دستوريّ وحقوقيّ، بالإضافة إلى البُعد الاقتصاديّ والتنمويّ لأحكامه المقترحة، تُعنى بمهن المستقبل على وجه الخصوص.
في البُعد الدستوري والحقوقي، يُعدّ الفضاء الرقمي الآمن حقًا من حقوق الأفراد، يترتب على الدولة واجب تنظيمه بوصفه امتدادًا للحيّز العام، الذي يُعدّ ملكية عامة تخضع لتنظيم اجتماعي وقانوني يوازن بين الحريات الفردية والمصلحة العامة. وبهذا الإطار، مثّلت مسودّة النظام المقترح مرآةً لقانون المطبوعات والنشر، وقانون الإعلام المرئيّ والمسموع، من حيث عدم المساس بالضمانات المقررة بموجب هذين القانونيين؛ فلم تستحدث مسوّدة النظام عقوبات جزائية، ولم تمسّ بالضمانات الأساسية بموجب هذين القانونين، وأبقت ضمناً على الاختصاص القضائي للغرف القضائية المتخصصة في قضايا المطبوعات والنشر.
تضمّنت مسوّدة مشروع النظام نصًا يكرّس حماية حقوق الملكية الفكرية، من خلال حظر استعمال المحتوى الإعلامي العائد للغير إلا ضمن ضوابط واضحة، في مقدمتها اشتراط الحصول على موافقة مسبقة، والالتزام بالإشارة الصريحة إلى المصدر، بما يعزّز احترام الحقوق الفكرية ويحدّ من الاعتداء عليها في الفضاء الرقمي.
قنّنت مسوّدة مشروع النظام استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام الرقمي، إدراكًا لما يترتب على هذه التقنيات من آثار قانونية ومجتمعية متزايدة، وبما يضمن توظيفها بشكل مسؤول ومتوافق مع مبادئ حقوق الإنسان. فقد أكدت المسوّدة على وجوب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي تحقيقًا لمبدأ الشفافية، وحظرت أي مساس بالخصوصية، بما في ذلك استعمال البيانات الشخصية بطرق غير مشروعة. كما قيّدت الاستخدامات التي من شأنها إنتاج محتوى إعلامي زائف أو مضلل أو تحريضي أو ينطوي على خطاب كراهية، تعزيزًا لحماية السلم المجتمعي والثقة العامة، وهو ما يجد أساسه بالتشريعات الناظمة أيضاً. ويكتسب هذا التنظيم أهمية خاصة لكونه ينسجم مع التزامات الأردن الدولية الحالية والمستقبلية، ويؤسس لإطار قانوني استباقي يواكب التطور التقني ويحمي الفضاء الرقمي من الانتهاكات دون الإخلال بحرية التعبير.
وفي البُعد الاقتصاديّ والتنمويّ، تعكس مُسوّدة مشروع النظام توجّهًا واضحًا نحو دعم الاقتصاد الرقميّ وتمكين الشباب، إذ تضمّنت (19) رخصة قطاعيّة مخصّصة لقطاعات ناشئة، وفي مقدمتها صُنّاع المحتوى الرقمي. وقد أسهم هذا التنظيم في معالجة أوضاعهم القانونية عبر إخراجهم من دائرة العمل غير المنظّم إلى إطار قانوني معترف به، يكفل لهم حقوقًا واضحة ويحدّد التزاماتهم. وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن الغالبية العظمى من العاملين في هذا القطاع ينشطون خارج نطاق العاصمة، وعلى امتداد محافظات المملكة، الأمر الذي يجعل من النظام أداة تنموية لا تقتصر آثارها على التنظيم القانوني فحسب، بل تمتد إلى تعزيز العدالة التنموية، وتمكين الشباب من إنشاء كيانات قانونية منظّمة، والمساهمة الفاعلة في التنمية الاقتصادية المحلية والمستدامة.
لا يستحدث مقترح النظام أطرًا تنظيمية موازية أو خارجة عن الإطار القانوني القائم بموجب التشريعات النافذة، وإنما يقتصر أثره على توسيع نطاق الشمول التنظيمي، دون المساس بالضمانات الدستورية والقانونية المقرّرة. وبالتالي، يمثّل حوكمةً لقطاع الإعلام الرقميّ. إنّ رهن دستورية الحق ببقائه خارج إطار التنظيم القانوني يتنافى مع مفهوم دولة الحق وسيادة القانون!