عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Jan-2019

المترجمون العرب صنعوا أكثر بكثير من مجرد حفظ الفلسفة اليونانية

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 
بيتر أدامسون – (ذا ويك) 4/11/2018 
في العصور القديمة في أوروبا، كتب الفلاسفة في جزئهم الأكبر باللغة اليونانية. وحتى بعد الفتح الروماني للبحر الأبيض المتوسط وزوال الوثنية، ظلت الفلسفة ترتبط ارتباطا وثيقاً بالثقافة الهلينية. وكان كبار المفكرين في العالم الروماني، مثل شيشرون وسينيكا، غارقين عميقاً في الثقافة اليونانية؛ بل إن شيشرون ذهب إلى أثينا من أجل تكريم موطن أبطاله من الفلاسفة. ومن الملفت أن الإمبراطور ماركوس أوريليوس ذهب إلى حد كتابة مؤلفه “تأملات” باللغة اليونانية. وقد حاول شيشرون، ثم بوثيوس لاحقاً، تأسيس تراث فلسفي باللغة اللاتينية. لكن معظم الفكر اليوناني ظل متاحاً في بواكير العصور الوسطى متاحاً جزئياً فقط باللاتينية وبشكل غير مباشر.
في الأماكن الأخرى، كان الوضع أفضل. وفي الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، استطاع البيزنطيون الناطقون باليونانية مواصلة قراءة أفلاطون وأرسطو من النصوص الأصلية. وتمتع الفلاسفة في العالم الإسلامي بدرجة غير عادية من الوصول إلى التراث الفكري الهليني. وفي بغداد القرن العاشر الميلادي، كان لدى القراء باللغة العربية تقريباً وصول إلى أرسطو بنفس الدرجة التي يتمتع بها قراء الإنجليزية اليوم.
كان ذلك بفضل حركة ترجمة جيدة التمويل خلال حقبة الخلافة العباسية، والتي بدأت في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي. وبرعاية من أعلى المستويات، حتى من الخليفة وعائلته، سعت هذه الحركة إلى استيراد الفلسفة والعلوم اليونانية إلى الثقافة الإسلامية. وكانت لدى إمبراطوريتها الموارد اللازمة لتفعل ذلك، -ليس مالياً فحسب، وإنما ثقافياً أيضاً. ومنذ أواخر العصور القديمة وحتى صعود الإسلام، عاشت اليونانية كلغة للنشاط الفكري بين المسيحيين، خاصة في سورية. وهكذا، عندما قرر الأرستقراطيون المسلمون أن تُترجم الفلسفة والعلوم اليونانية إلى العربية، نظروا إلى المسيحيين. وفي بعض الأحيان، ربما كان العمل اليوناني يُترجم أولاً إلى السريانية، ثم بعد ذلك فقط إلى العربية. وكان ذلك تحدياً كبيراً. فاليونانية ليست لغة سامية، ولذلك كانوا ينتقلون من مجموعة لغوية إلى أخرى: على نحو أشبه بترجمة الفنلندية إلى الإنجليزية منه من ترجمة اللاتينية إلى الإنجليزية. ولم تكن هناك، في البداية، مصطلحات متاحة للتعبير عن الأفكار الفلسفية في العربية. 
ما الذي دفع الطبقة السياسية للمجتمع العباسي إلى دعم هذا المسعى الهائل والشاق؟ أحد التفسيرات هو بلا شك تحقيق الفائدة الكبيرة للمجموعة العلمية: كان للنصوص الرئيسية في حقول مثل الهندسة والطب تطبيق عملي واضح. لكن هذا لا يخبرنا عن السبب في الدفع السخي للمترجمين لترجمة كتاب أرسطو “ما وراء الطبيعة” أو “الميتافيزيقا “Metaphysics، أو كتاب أفلوطين “التاسوعات” Enneads إلى العربية. وقد اقترحت البحوث التي أجراها باحثون بارزون في حركة الترجمة من اليونانية إلى العربية، وخاصة ديمتري غوتاس في عمله “الفكر اليوناني، الثقافة العربية” (1998)، أن الدوافع كانت في الحقيقة سياسية إلى حد كبير؛ لقد أراد الخلفاء تأسيس هيمنتهم الثقافية الخاصة في المنافسة مع الثقافة الفارسية، وكذلك مع البيزنطيين المجاورين. وأراد العباسيون أن يظهروا أنهم يستطيعون أن يحملوا الثقافة الهلينية بشكل أفضل من البيزنطيين الناطقين باليونانية، في جهلهم، كما كان حالهم، بسبب اللاهوتيات اللاعقلانية.
كما رأى المفكرون المسلمون أيضاً موارد في النصوص اليونانية تخدم في الدفاع عن دينهم نفسه وتحقيق فهم أفضل له. وكان من أوائل الذين اعتنقوا هذه الإمكانية الكندي، الذي يُصنف تقليدياً بأنه أول فيلسوف يكتب بالعربية (توفي حول العام 870 بعد الميلاد). وبوصفه مسلماً موسراً انتقل إلى دوائر البلاط، أشرف الكندي على نشاط المفكرين المسيحيين الذين كانوا يستطيعون ترجمة اليونانية إلى العربية. وكانت النتائج مختلطة. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تكون نسخة هذه الدائرة من كتاب أرسطو “الميتافيزيقا” غير مفهومة في بعض الأحيان (حتى نكون منصفين، يستطيع المرء قول الشيء نفسه عن النسخة اليونانية من “الميتافيزيقا” أيضاً)، في حين أن “ترجمتهم” لكتابات أفلوطين عادة مما اتخذت شكل إعادة صياغة حرة، مع مادة جديدة مضافة.
وهذا مثال درامي بشكل خاص على خاصية وسمت الترجمات من اليونانية إلى العربية بشكل أعم –بل وربما كل الترجمات الفلسفية. وسوف يعرف أولئك الذين اشتغلوا بترجمة الفلسفة من لغة أجنبية أنك تحتاج، لمحاولة ذلك، إلى فهم عميق لما تقرؤه. وعلى الطريق، يجب أن تتخذ خيارات صعبة حيال كيفية ترجمة النص في اللغة المصدر إلى اللغة الهدف، وسوف يكون القارئ (الذي ربما لا يعرف، أو لا يستطيع الوصول إلى النسخة الأصلية) تحت رحمة قرارات المترجم.
إليكم المثال المفضل لدي. يستخدم أرسطو الكلمة اليونانية eidos التي تعني كلاً من “شكل” –كما في “الجواهر تتكون من شكل ومادة- و”أجناس” كما في “الإنسان نوع ينتمي إلى جنس الثديات”. لكن هناك في العربية، كما في الإنجليزية، كلمتان مختلفتان لترجمة هذه المفردة (form، صورة، وspecies، نوع). ونتيجة لذلك، كان على المترجمين العرب أن يقرروا، في كل مرة واجهوا فيها كلمة eidos، أياً من هذين المفهومين هو الذي كان في ذهن أرسطو –في بعض الأحيان كان ذلك واضحاً، لكنه لم يكن كذلك في أحيان أخرى. ومع ذلك، يذهب نصّ أفلوطين العربي أبعد كثيرا من مثل هذه القرارات حول المصطلح. إنه يجري تدخلات درامية في النص، والتي تساعد في خلق الصلة بين تعاليم أفلوطين وبين اللاهوت التوحيدي، ويعيد صياغة الفكرة الأفلاطونية عن المبدأ الأول السامي والبسيط كليّة باعتباره “الخالق” في الأديان الإبراهيمية.
ماذا كان دور الكندي نفسه في كل هذا؟ لسنا متأكدين تماماً، في الحقيقة. ويبدو واضحاً أنه لم يصنع أي ترجمة هو نفسه، بل إنه ربما لم يكن يعرف الكثير من اليونانية. لكنّ التاريخ يسجل أنه “صحح” أفلوطين العربي، وهو ما قد يكون قد تضمن إضافة أفكاره الخاصة إلى النص. ومن الواضح أن الكندي والمتعاونين معه فكروا بأن الترجمة “الصحيحة” ستكون واحدة تنقل الحقيقة، وليس مجرد ترجمة تنطوي على إخلاص للنص الأصلي.
لكن الكندي لم يكن قانعاً بذلك، فكتب أيضاً سلسلة من الأعمال المستقلة، عادة في شكل رسائل، إلى رعاته الذين منهم الخليفة نفسه. وقد أوضحت تلك الرسائل أهمية وقوة الأفكار الإغريقية، وكيف أن هذه الأفكار يمكن أن تتفاوض مع مشاغل إسلام القرن التاسع. وهكذا، كان الكندي أشبه برجل علاقات عامة للفكر الهليني. وهو ما لا يعني القول بأنه تبع بخنوع أسلافه القدماء الذين كتبوا باليونانية؛ بل على العكس من ذلك، تكمن أصالة دائرة الكندي في تبنيها للأفكار الهلينية وتكيفها معها. وعندما حاول الكندي أن يؤسس تماثلاً بين المبدأ الأول عند أرسطو وأفلوطين وبين الله في القرآن، كان الطريق إلى ذلك قد تهيأ بالترجمات التي تعامل ذلك المبدأ على أنه “خالق”. وقد عرف الكندي ما نميل إلى نسيانه اليوم: أن ترجمة الأعمال الفلسفية يمكن أن تكون طريقة قوية لصناعة الفلسفة.
 
*أستاذ الفلسفة في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ. وهو مؤلف العديد من الكتب، منها “أفلوطين العربي” (2002)؛ و”المفكرون العظام في القرون الوسطى: الكندي” (2007)؛ و”الفلسفة في العالم الإسلامي” (2016)؛ وهو يستضيف برنامجاً عن تاريخ الفلسفة. كتابه “الفلسفة في العالم الإسلامي” قيد الصدور الآن عن مطبعة جامعة أوكسفورد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Arabic translators did far more than just preserve Greek philosophy
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات