عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-May-2019

الحشود الأمريكية والتحدي الإيراني.. مسرحية مكررة أم مقدمة حقيقية لحرب شاملة؟ - د.محمد العمر
 
تشهد المنطقة خلال الفترة الأخيرة ارتفاعا ملحوظا لمستوى التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. وعلى الرغم من أن العلاقة الإيرانية الأمريكية، العلنية على الأقل، اتسمت بالتوتر شبه الدائم منذ وصول الخميني للسلطة عام 1979، إلا أن شكل العلاقة اتخذ منحا تصاعديا شاقوليا مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة عام 2017.
فساكن البيت الأبيض الجديد لم يدخر جهدا في التضييق على إيران مستخدما وسائل القوة الاقتصادية والمالية الناعمة للولايات المتحدة والمتمثلة غالبا بفرض عقوبات اقتصادية قاسية وغير مسبوقة. هذه العقوبات استهدفت العديد من مجالات الاقتصاد الإيراني الحيوية وعلى رأسها قطاع الطاقة، مما تسبب في إحداث خلل واضح الاثار على الوضع المالي والاقتصادي لإيران. أضف إلى ذلك قرار ترامب التاريخي عام 2018 بالتخلي عن الاتفاق النووي مع إيران والذي وصف وقتها كأحد أعمدة الاستقرار الهش أصلا في منطقة الشرق الأوسط.
 
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: في ظل الخطوات التصعيدية والتحشيد العسكري الأمريكي، هل تتجه المنطقة فعلا لفخ حرب مفتوحة إيرانية أمريكية؟ حسنا، الإجابة على هذا السؤال تحتاج منا أن نضع الأمور في سياقها المحدد والواضح من حيث بيان طبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية. في الحقيقة، وعلى الرغم من المواقف العدائية المعلنة بين طهران وواشنطن، إلا أن كثيرا من الأحداث والوثائق المسربة أثبتت بأن العلاقات خلف الكواليس مختلفة بشكل يكاد يكون جذريا عما هي عليه في العلن.
 
انهار العراق وتم احتلاله وتخريبه وتحويله إلى دولة فاشلة عام 2003، ومن ثم تسليمه إلى إيران على طبق من ذهب عام 2010. الهدف من تسليم العراق لإيران هو تمكين عود الثقاب من الاقتراب أكثر وأكثر من قلب العالم السني وتهيئتها لدورها المقبل فلو عدنا مثلا إلى بدايات وصول الإسلاميين للسلطة في إيران عام 1979، فقد أثبتت العديد من الوثائق الأمريكية التي تم الكشف عنها منتصف العام 2016 بأن "الخميني" كان قد أرسل عدة رسائل من منفاه في باريس إلى إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
فحوى هذه الرسائل تشير إلى التزام الخميني بإقامة علاقات ودية مع الأمريكيين، وتعهده بعدم قطع النفط عن الغرب مقابل تدخل الولايات المتحدة لدى قادة الجيش الإيراني الموالين للشاه لتحييدهم من أجل تسهيل وصول الخميني للسلطة، وهذا ما حصل بالفعل. فالإدارة الأمريكية أشرفت بشكل مباشر عن طريق الجنرال الأمريكي "روبرت هويسر" نائب القائد العام لحلف شمال الأطلسي على تحييد كبار قادة الجيش الإيراني الموالين للشاه ومن ثم الإشراف على إخراج الشاه وعائلته من إيران إلى منفاه منتصف كانون الثاني عام 1979، ومن ثم إعطاء الضوء الأخضر للخميني للاتجاه إلى طهران، حيث أقلته طائرة فرنسية ليتسلم زمام السلطة في إيران 
 
هذا يعني بأن الولايات المتحدة خاصة والدول الغربية على العموم راضية، بل ومساهمة بشكل عملي في تسهيل وصول الإسلاميين للسلطة في إيران منذ العام 1979. لكن السؤال هو لماذا؟ وما هي مصلحة الولايات المتحدة من إيصال الإسلاميين للسلطة بدلا من حليفهم الشاه؟ العديد من التحليلات تناولت هذا الموضوع، ولعل أقربها للمنطق يتعلق بخشية الولايات المتحدة من وصول اليساريين للسلطة وما قد يترتب على ذلك من تحالفهم مع الاتحاد السوفييتي. على الرغم من قبولنا بالمنطق الذي يقوم عليه هذا التحليل، إلا أن لدينا رايا آخر..
 
نرى أن إيصال الإسلاميين "الشيعة" إلى سدة الحكم في إيران إنما كان يهدف لتنفيذ خطة طويلة الأمد هدفها تفتيت المنطقة من خلال وضع عود الثقاب الإيراني إلى جانب المحصول السني المتهالك والمتفتت والمشرذم الذي حان موعد حصاده، إن صح التعبير. استنادا لذلك، فإن الاتيان بنظام لديه آمال وطموحات توسعية إلى إيران سيكون كافيا بقوة دفعه الذاتية ليشعل المنطقة الجاهزة أصلا للاشتعال. وحتى نكون واضحين أكثر، فإننا لا نعتقد بأن إيران تشكل نظاما عميلا للولايات المتحدة الأمريكية كما يحلو للبعض أن يصفه. والأصح القول بأن النظام في إيران هو نظام فاقد للبصيرة الاستراتيجية لديه آمال وطموحات توسعية مجنونة تستغلها الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ خططها في المنطقة ليقوم بها بدافع ذاتي أو في أحسن الأحوال مع قليل من الدفع والتحريض.
 
الكلام أعلاه ليس كلاما اعتباطيا أو نظرية آتية من الفراغ. فالأحداث التي تتابعت على المنطقة منذ وصول الإسلاميين للسلطة في إيران وحتى يومنا الحاضر تدفع بهذه النظرية حتى تلامس حدود اليقين. فبعد عدة شهور فقط من وصول الخميني للسلطة تم إشعال أول حريق في المنطقة والمتمثل بالحرب الإيرانية العراقية. كانت هذه الحرب ذاتية الدفع من جانب إيران نظرا لحاجة الخميني للسيطرة على المراقد الشيعية المقدسة في نجف والكربلاء ليعزز من سلطته الدينية. أما من الجانب العراقي، فقد تم إيصال صدام حسين للسلطة أيضا في ذلك الوقت بالذات وتنحيه الرئيس أحمد حسن البكر الرافض لفكرة المواجهة مع إيران. وبالفعل اشتعلت النار وبقيت مشتعلة ثمان سنوات عجاف تغذيها الأسلحة الأمريكية التي كانت تمد العراق علنا وتمد إيران سرا حتى تطول الحرب وتستنزف ما يمكن استنزافه من قوة العراق وإيران وهذا ما حصل بالفعل.
 
النقطة المهمة التي نود الإشارة إليها هنا هي أن العراق، المفترض بأنه مدعوم من أقوى قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، لم يحقق أي تقدم مهم في حربه ضد طهران. هذا يؤكد مرة أخرى بأن التخلص من إيران لم يكن هدفا للولايات المتحدة. انهار العراق وتم احتلاله وتخريبه وتحويله إلى دولة فاشلة عام 2003، ومن ثم تسليمه إلى إيران على طبق من ذهب عام 2010. الهدف من تسليم العراق لإيران هو تمكين عود الثقاب من الاقتراب أكثر وأكثر من قلب العالم السني وتهيئتها لدورها المقبل. نعود ونؤكد هنا اعتقادنا بأن إيران لم تكن تتصرف كدولة عميلة أو وظيفية، لكنها فقدانها للبصيرة الاستراتيجية لا يمكنها من رؤية السبب وراء تغاضي الولايات المتحدة الأمريكية عن تمددها في المنطقة، فهذا التمدد سيرسم في نهاية المطاف نهايتها هي نفسها بعد أن يكون قد احرق المنطقة بمجملها.
 
مع بداية الربيع العربي وما تلاه من أحداث خاصة في سوريا واليمن، اقترب عود الثقاب الإيراني أكثر من قلب العالم السني مدفوعا بدافعه الذاتي في التوسع والسيطرة. دور الولايات المتحدة الأمريكية هنا لم يكن أكثر من الوقوف والمشاهدة من بعيد. لن ندخل هنا في تفاصيل الحرائق المدمرة التي سببها عود الثقاب الإيراني في سوريا وكذلك في اليمن، دون أن ننسى بالتأكيد الدور المفضوح لبعض الأنظمة الوظيفية العربية في آلت إليه الأمور. اليوم، لا يتورع الإيرانيون في التباهي بسيطرتهم على عدة عواصم عربية، من دمشق إلى بغداد وبيروت وصنعاء. لكن ماذا بعد؟
 
اليوم قد وصلت إيران لطاقتها القصوى في التمدد وهي لم تعد مستعدة لمزيد من المعارك. هذا لا يعني أن طموحها التوسعي قد خبى أو انطفأ، ولكن إيران تفضل التروي حاليا لتنهي الملفات التي بين يديها حاليا خاصة في سوريا واليمن وتستعد مستقبلا لمعاركها القادمة. لكن ما يخطط للمنطقة لا يحتمل كثيرا من التأجيل.. لا يمكن الانتظار حتى تلملم إيران نفسها وتستعيد قوتها من وتأخذ مبادرتها من جديد بدافعها الذاتي.. لذلك فلا بد أخذ المبادرة وإطلاق شرارة خارجية تشعل المنطقة الجاهزة أصلا للاشتعال، ومن ثم تركها بعد ذلك تأكل بعضها بعضا كما حصل في العراق وكما يحص اليوم في سوريا وفي اليمن.
 
إن التحشيد الأمريكي يهدف برأينا للتغرير بدول الخليج وخاصة السعودية والإمارات لإطلاق الشرارة الأولى. بعد ذلك لن تكون الولايات المتحدة طرفا رئيسا في الصراع وستتراجع إلى الخطوط الخلفية لحماية ما يمكن حمايته من امدادات الطاقة تاركة المعركة لأصحابها ومكتفية بدور الداعم "المنافق" لدول الخليج أسوة بما فعلته مع صدام. هذه الحرب لن تشتعل إلا إذا انخرطت فيها دول الخليج منذ البداية.
أما نهايتها إن اشتعلت لا قدر الله فستكون تفتت منطقة الخليج السنية من جهة واستنزاف إيران تماما من جهة أخرى تمهيدا لتفتيتها هي نفسها في مرحلة لاحقة. خلاصة القول، إن قمة السذاجة تكون في مجرد التفكير في إمكانية انخراط الولايات المتحدة في حرب مباشرة ومفتوحة مع إيران. فإيران تمثل عود الثقاب الأكثر فاعلية والذي استخدمته الولايات المتحدة لحرق المنطقة وتنفيذ مخططاتها فيها.. فكيف لنا أن نتخيل إمكانية إطفاء عود الثقاب هذا قبل أن يكمل مهمته!؟
 
الجزيرة 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات