الدستور
لأن منطقتنا ستكون الأكثر تأثرًا في حال اندلاع حرب جديدة في الإقليم، فلا بد من متابعة تطورات ما يحدث، وما قد يحدث في إيران.
فمنذ حرب الـ12 يومًا بين إسرائيل وإيران في 13 يونيو/حزيران 2025، ثم «عملية مطرقة منتصف الليل» الأمريكية ضد ايران، حين ضربت واشنطن فجر 22 حزيران 2025 منشآت نووية إيرانية أساسية (فوردو، نطنز، واصفهان).. وطبول حرب متجددة تقرع بين حين وآخر، وبصور متعددة.
الحرب بين إيران والولايات المتحدة واسرائيل منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتت مباشرة وأكثر وضوحًا من حيث «الحسم» وتغيير المشهد انسجامًا مع تطورات الإقليم في مرحلة ما بعد 7 اكتوبر، والتي اتخذتها إسرائيل والولايات المتحدة، سواء في عهد الرئيس بايدن أو الرئيس ترامب، ذريعة لإعادة رسم المنطقة وتوسع اسرائيل وتمكينها كقوة مهيمنة في الإقليم، انطلاقًا من تراجع أولوية «ملف الشرق الأوسط» لدى الإدارة الأمريكية الحالية، قياسًا بإدارات سابقة، مع الإبقاء على أولوية دعم اسرائيل لتبقى قوة مهيمنة على الإقليم.. ولذلك فإن هناك «استعجالًا» لأسباب عديدة، لا مجال للتوسع بشرحها في هذا المقال، لإسقاط النظام الإيراني سريعًا، نزولًا عند رغبة نتنياهو الشديدة، حيث يمثّل له الانقضاض على النظام الايراني الحالي نصرًا مؤزرًا يصنع منه أسطورة تاريخية لدى اسرائيل، ويمكّنه من الحصول على عفو ينجيه من السجن، ويعزز فرص فوزه في الانتخابات المقبلة، وينهي رعب الملف الايراني في الإقليم، ويجعل من اسرائيل قوة مهيمنة بالكامل على منطقة الشرق الأوسط «الجديد».
قرار «الحرب على إيران» تم اتخاذه بعد 7 أكتوبر بسيناريوهات اسرائيلية وموافقات أمريكية بدأت خطوة بخطوة مع «تحجيم قوة ايران» بالقضاء على وكلائها في المنطقة، بدءًا من حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، واستهداف مناطق القوة الايرانية في سوريا والعراق، وصولًا إلى ضرب إيران في العمق في حزيران 2025، كما أشرت سابقًا.
اليوم هناك فصل جديد من الحرب الإيرانية الاسرائيلية الأمريكية، ربما تم الاتفاق على تفاصيله خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن، ولمحاولة فهم أبعاد وسيناريوهات الحرب «المرتقبة»، أشير إلى النقاط التالية:
1 - الحرب على إيران «قائمة» ونعيشها، والمنتظر اليوم هي «الضربة الأخيرة»، سواء أكانت عسكرية أو سيبرانية أو استخباراتية، وغيرها من الوسائل لتحقيق الغاية.
2 - التساؤلات اليوم حول «الغاية» من توجيه ضربة لايران؟ هل لتغيير النظام تمامًا؟ أم مجرد إضعافه؟ أم تقسيم إيران؟ وكل هدف أو غاية يحتاج لسيناريوهات مختلفة، ووسائل متعددة، منها ما يتردد على الطريقة «الفنزويلية»، ولكن من خلال اغتيال رموز وقيادات مؤثّرة.
3 - الحرب على إيران لها صور متعددة، فالحرب الاستخباراتية متواصلة ولم تتوقف، والحرب الإعلامية تتصاعد، وجميع مبررات توجيه ضربة لإيران جاهزة، فالمجتمع الدولي مهيأ لتلك الضربة، انطلاقًا من هدف (إنساني نبيل يتعلق بإنقاذ المحتجين الايرانيين المشاركين في المظاهرات)!.
4 - ايران اليوم مستعدة لتلقي الضربة، ولكن هل ستتمكن من الردّ؟ والتحليلات تقول أن على أمريكا توجيه ضربة مباشرة تنهي المهمة دون تمكين إيران من الردّ، لأنها إن تمكنت فسيكون حجم الدمار في المنطقة، وربما العالم، كبيرًا.
5 - في حال كان الهدف تقسيم إيران من خلال توجيه ضربات للقوة الايرانية، والمتمثلة تحديدًا بالحرس الثوري وميليشيا الباسيج، فإن ذلك أيضًا ليس سهلًا نظرًا لجغرافية ايران ومساحتها الشاسعة، ولكن قد تلجأ أمريكا «مرحليًا» لهذا السيناريو، لحشر النظام الحالي في العاصمة فقط.
6 - من مخاطر الحرب المتوقعة في أية لحظة أن الأطراف جميعها حشدت ووضعت سيناريوهات متعددة، مما يجعل الإقليم «على كف عفريت» من أية مفاجآت غير محسوبة العواقب، خصوصًا وأن ايران هذه المرّة بالتحديد لم يعد لديها ما تخسره بعد أن فقدت قوتها الإقليمية بإضعاف وكلائها، وقوة دولية، خصوصًا بعد القبض على حليف استراتيجي دولي لها هو الرئيس الفنزويلي مادورو، وتدمير شراكة استراتيجية كانت تمثّل متنفسًا للحصار الاقتصادي عليها.
7 - الورقة القوية التي كانت تهدّد بها إيران هي إغلاق «مضيق هرمز»، وقد ضعفت هذه الورقة كثيرًا بعد أن وضعت امريكا يدها على النفط الفنزويلي، لذلك لم يعد أمام إيران سوى إشعال الإقليم إذا وجدت نفسها «محشورة في الزاوية».
*باختصار:
طبول الحرب قرعت والعالم بانتظار «ساعة الصفر»، وقد لا تخلو من مفاجأة مهما كانت طبيعة السيناريوهات، لكن انعكاسات ما سيحدث لن تتوقف على الأطراف المباشرة فقط، ولا على المراقبين لمصير مصالحهما (الصين وروسيا)، بل نحن سنتأثر أيضًا، وعلى العالم، إن استطاع، أن يتدخل من أجل التهدئة والحلول السلمية.
بقي من الضرورة الإشارة إلى أن إيران تعتبر «قوة عظمى في مجال الطاقة»، وذلك بامتلاكها 10% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم و15% من احتياطيات الغاز.