بين الحرية والمسؤولية.. كيف نناقش التشريعات الوطنية؟*د.نهلا عبدالقادر المومني
الغد
في إطار الحديث والجدل الدائر حول مشروع نظام تنظيم الاعلام الرقمي لا بد من التأكيد ابتداء على أن النقاشات المستمرة حوله ما هي إلا دليل دائم على ان حرية التعبير والاعلام تشكل إحدى المكونات الاساسية للدولة الأردنية التي سعت لترسيخها من خلال اعتبارها ضمانة من ضمانات تأسيس الدولة، الى جانب طائفة واسعة من حقوق الانسان التي كرسها الدستور الأردني.
الوثائق اللاحقة جميعها أكدت على هذه الحرية، فالميثاق الوطني الأردني الذي وضع في عام 1990 كان يتحدث ليس فقط عن حرية التعبير والإعلام بل عن الحق في الحصول عن المعلومات وانسيابيتها وأول قانون يوضع للحق في الحصول على المعلومات في المنطقة العربية كان أردنيا.
تشير الأرقام الرسمية الى أن عدد مظاهر الحق في التجمع السلمي والمتمثلة في الاعتصامات والتوقف عن العمل والوقفات التضامنية والمهرجانات الخطابية والتجمعات والاحتجاجات بلغ (3812) عام 2024، في حين بلغ عدد المسيرات (378) في العام ذاته أي ما مجموعه (4,190) فعالية، ارقام كهذه في دولة صغيرة مثل الأردن خلال عام واحد تقول نوعيا ان الأردن لم يكن يوما الا ممكنا لهذه الحرية التي تعد بالنتيجة احدى أهم مظاهر الحق في حرية التعبير.
اذا، لم يكن الأردن يوما طارئا على حقوق الانسان وعلى حرية التعبير والإعلام تحديدا، بل كان ساعسا نحوها، مُصدرا لتجربة وطنية غنية، متقبلة لكل الآراء والأطياف والجماعات لتصبح اقليميا تجربة يشار لها بالبنان.
هذه الحقائق يتوجب أن تكون الدليل والهادي في أي نقاش حول أي تشريع وطني يتعلق بالحريات العامة، بما في ذلك نظام تنظيم الإعلام الرقمي، بعيدا عن لغة الاتهام او التشكيك في النوايا؛ فالأردن الذي قام بتحديث للمنظومة السياسية افرزت تعديلات دستورية جوهرية وتغيير جذري على قانوني الانتخاب والاحزاب السياسية، والأردن الذي يضع استقلال القضاء وتحديثه اولوية وطنية، يدرك تماما اهمية حرية التعبير والإعلام كركيزة تقوم علها منظومة التحديث قاطبة.
في مقال سابق بعنوان «كيف تبنى الدول؟» أشرت خلاله إلى أن النقاش وتعدد الآراء أمر مهم جدا للوصول الى حالة من التوافق، والمضي قدمًا في بناء الدول وتقدمها وترسيخ ثوابتها يعتمد على الحوار؛ فالحوار وحده القادر على إزالة العقبات ووضع الثوابت والتعامل مع الاختلاف بكافة أشكاله واطيافه.
ولكن يبقى السؤال أي نوع من الحوار الذي من شأنه بناء الدول؟ لا يوجد أيّ مجال للشك بأنّه الحوار البناء فقط، ذلك الذي تتقابل فيه الآراء وصولًا للحقيقة والقواسم المشتركة، أقول تتقابل الآراء ولا تتصادم، وتلتقي الفكرة بالفكرة مع بقاء حسن الظن والنية دون اتهامات واحكام وافتراضات مسبقة.
فمن المنطق والصحي أن يكون هناك اختلاف في الآراء، ولكن ليس من لغة المنطق أو الحوار ان يكون التشكيك بالنوايا هو سيد الموقف والافتراضات المسبقة هي التي تحكم المشهد وغض الطرف عن أي تطورات او نقاط ايجابية والتركيز على نقاط بعينها فقط قد تؤدي الى تصدير صورة مضللة عن واقع الحريات في الأردن كما حدث سابقا في قانون الجرائم الالكترونية.
لا أتحدث اليوم عن مضامين أي تشريعات؛ فمن خلال الحوار التشريعات جميعا قابلة للتطوير وللتعديل، بقدر ما أجد أنّ الحوار القائم الذي نسعى من خلاله للمضي في بناء وترسيخ هذا الوطن يحتاج إلى لغة لا تقوم على الاتهام والتشكيك وكأن هناك طرفين متناقضين لا يجمعهما وحدة الحال والمصير وحب هذا الوطن؛ الدولة تجتهد في تعديل التشريعات او وضعها انطلاقا من موقع المسؤولية ولا يتصور أن يتم الحكم على نواياها أو القاء الاحكام جُزافًا، وما يستدعيه مثل هذا الاختلاف هو الوصول الى ثوابت مشتركة والانطلاق منها ونحوها نحو تحقيق مصلحة هذا الوطن .