الغد
حين بدأت الحرب الروسية الأوكرانية، ضج الغرب جزعا على الضحايا "البيض" الذين يسقطون، بينما فتحت دول أوروبا ذراعيها وحدودها للاجئين الشقر ذوي العيون الملونة، ولم يتوانوا عن التصريح بـ"أنهم يشبهوننا"، في مقارنة صريحة بملايين اللاجئين الذين كانوا يطرقون باب القارة العجوز من العالم العربي وأفريقيا وآسيا.
في تلك اللحظة، لم يكن اللاجئ مجرد إنسان يفر من الموت، بل أصبح، في الوعي الغربي، صورة ثقافية تقاس بدرجة القرب من النموذج الأوروبي. كما لم تعد الحدود الجغرافية وحدها هي ما يفتح أو يغلق، بل الحدود الرمزية أيضا، من خلال فهرسة أولئك اللاجئين ضمن "الحياة الجديرة بالحزن".
هذه المفارقة هي تعبير مكثف عن بنية أعمق، يمكن قراءتها من خلال مفهوم "انتقائية الحداد"، أو ما تصفه جوديث بتلر بـ"الحياة القابلة للحداد". الفكرة، في جوهرها، لا تتعلق بالموت ذاته، بل بالقيمة التي تمنح للحياة قبل موتها، فليس كل موت يعامل بوصفه خسارة، وليس كل إنسان يمنح، مسبقا، حق أن يحزن عليه.
بتلر، التي تقدم نفسها على أنها يهودية مناهضة للصهيونية وناقدة للسياسة الإسرائيلية، تبين أن القابلية للحداد ليست معطى إنسانيا بديهيا، بل يتم إنتاجها عبر إطارات خطابية ومؤسساتية تحدد أي حياة يعترف بها كخسارة، وأي موت يمرر بوصفه ضرورة أو عرضا جانبيا.
بتلر تذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ تفكك الوهم القائل بأن الحداد فعل إنساني تلقائي، لتبين أنه ممارسة تنتجها اللغة، وتعيد تشكيلها المؤسسات، وتقوم بتوزيعها السلطة. إن ما يبدو استجابة عاطفية بريئة، هو في حقيقته نتيجة بنية خطابية تحدد من يرى، ومن يسمع، ومن يعترف بموته بوصفه مأساة، فيما تنزع هذه القابلية عن أرواح أخرى، فيصبح موتها عاديا، أو مبررا، أو قابلا للتطبيع.
الفارق بين المثالين هو الفارق بين الأخلاق بوصفها مبدأ، والأخلاق بوصفها ممارسة مشروطة. حين يقتل إنسان، يمكن أن يدرج موته ضمن سردية إنسانية تستدعي التعاطف والمساءلة، أو يعاد تعريفه داخل خطاب أمني أو سياسي يفرغ هذا الموت من معناه.
الفكرة تتساوق مع مفهوم الأطر المحددة لما يمكن رؤيته وما يمكن قوله، وما يعد معقولا أو غير معقول في الفضاء العام. هذا الإطار لا يصف الواقع فحسب، بل ينتجه أخلاقيا بتعريف من هو الضحية، ومن هو المهدد، وكذلك ما الذي يعد دفاعا عن النفس، وما الذي يعد عنفا.
ترتبط هذه الفكرة بمفهوم آخر لدى بتلر، هو "الهشاشة". فالبشر، جميعهم، قابلون للأذى، لكن الاعتراف بهذه الهشاشة ليس متساويا، فهناك من يعترف بقابليتهم للكسر، فتتم حمايتهم وتستدعى من أجلهم القوانين، بينما آخرون يتم إنكار هشاشتهم، فيصبح من المتاح استباحتهم دون أن يعد ذلك انتهاكا أخلاقيا صارخا، ليتحول الحداد إلى فعل سياسي، بغياب القدرة على كسر الأطر وإعادة إدخال هذه الأرواح إلى مجال الإنسانية المعترف بها.
في هذا المستوى، تبرز اللغة بوصفها أداة مركزية في إعادة توزيع الحداد، فليس من قبيل الصدفة أن يوصف القتل أحيانا بـ"عملية دقيقة"، أو "حدث أمني"، أو "تحييد"، فهي ليست مجرد تسميات تقنية، بل آليات لإعادة تعريف الموت وإفراغه من شحنته الأخلاقية، ليصبح قابلا للمرور دون مساءلة.
الإعلام، بدوره، لا يقف خارج هذه العملية، بل يشكل أحد أهم أدواتها. فاختيار الصورة، وزاوية الالتقاط، وتسلسل الأخبار، هي قرارات تحدد ما الذي يرى، وما الذي يهمل. هناك ضحايا تروى قصصهم بأسمائهم ووجوههم وحياتهم اليومية، فتستعاد إنسانيتهم كاملة، فيما آخرون يعرضون في لقطات سريعة، بلا سياق ولا أسماء ولا ذاكرة، وكأنهم مجرد خلفية لخبر عابر.
أما المؤسسة الدولية، التي يفترض بها أن تقف على مسافة واحدة من الجميع، فتتحول، في كثير من الأحيان، إلى جزء من هذه البنية. الحياد الذي تعلنه لا يكون دائما تعبيرا عن عدالة، بل قد يصبح، في سياق لا تتساوى فيه الأرواح، شكلا من أشكال الانحياز الصامت. حين تعلق القرارات، أو تفرغ من مضمونها، أو تستبدل ببيانات قلق لا تترجم إلى فعل، فإن ما يحدث يكون إعادة إنتاج لهرمية الحداد نفسها.
من منظور بتلر، لا يكون الحياد فضيلة حين يمارس في سياق لا تتساوى فيه القابلية للحداد، فحين تعامل حياة ما بوصفها أقل استعجالا أخلاقيا، يصبح الحياد انحيازا بنيويا صارخا.