مع اقتراب نفاد الهدنة.. ما فرص الاتفاق بين واشنطن وطهران؟
الغد-محمد الكيالي
مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة بين واشنطن وطهران، يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن تحقيق اختراق جديد في المفاوضات خلال الأيام القليلة المقبلة؟
وفي الآونة الأخيرة، يبدو المشهد معقداً؛ إذ إن الفجوة بين مواقف الطرفين ما تزال واسعة، وكل طرف يتمسك بسقوف عالية من المطالب والخطوط الحمر، مما يجعل فرص التوصل إلى تسوية شاملة في وقت قصير أمراً بالغ الصعوبة.
وجاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض حصار بحري على إيران ليضيف بعدا جديدا للأزمة، حيث يعكس توجها نحو تشديد الضغط على طهران ويعيد إلى الأذهان سيناريوهات مشابهة لما حدث مع العراق في تسعينيات القرن الماضي.
ويحمل هذا الخيار، وإن بدا بديلا عن المواجهة العسكرية المباشرة، في طياته مخاطر كبيرة خاصة مع قدرة إيران على الرد عبر أوراق ضغط إستراتيجية، أبرزها تشديد الحصار على مضيق هرمز الذي يشكل شريانا أساسيا للتجارة العالمية.
الهدنة تحت التهديد
وتعليقا على ذلك، أكد المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي الدكتور منذر الحوارات، أن فرص تحقيق اختراق جوهري في المفاوضات الجارية تبدو محدودة للغاية قبل انتهاء الأسبوع الحالي.
وأشار الحوارات إلى أن ما يمكن التوصل إليه لا يتجاوز تفاهمات جزئية أو ترتيبات مؤقتة، بينما يظل الاتفاق الشامل بعيد المنال.
وأوضح أن الجولة الأخيرة من المحادثات التي استمرت أكثر من 21 ساعة، انتهت من دون اتفاق، حيث غادر الطرفان وسط خلافات عميقة حول القضايا الجوهرية.
ورغم ذلك، أُبقيت بعض اللجان الفنية في حالة انعقاد ما يعكس أن القطيعة الكاملة لم تحدث بعد، وأن إمكانية التوصل إلى تفاهم محدود ما تزال قائمة.
ولفت الحوارات إلى أن واشنطن ركزت في المفاوضات على الملف النووي الإيراني، فيما دفعت طهران باتجاه إدراج مضيق هرمز ضمن جدول التفاوض لتحقيق مكاسب إضافية.
وأضاف، إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوضحت أن واشنطن ماضية في فتح المضيق بالقوة إذا لزم الأمر، وهو ما اعتبره نقطة خلاف أساسية، حيث تطالب إيران بثمن سياسي واقتصادي وضمانات مقابل أي تهدئة، فضلا عن ربطها بملفات إقليمية أخرى.
وبيّن الحوارات أن الموقف الأميركي يتسم بروح "المنتصر"، بينما ترفض طهران فكرة الاستسلام السياسي ما يجعل شروطها في أقصى حدودها.
واعتبر أن أي تفاهم محتمل لن يكون اتفاق سلام، بل مجرد هدنة هشة أو تخفيف للضغوط في مضيق هرمز، وربما فتح قناة جانبية لمتابعة الحوار.
وأضاف، إن مؤشرات الفشل تبدو أقوى من فرص النجاح، خاصة بعد إعلان ترامب بنفسه أن المفاوضات لم تحقق نتائج، إلى جانب حديثه عن فرض قيود على صادرات النفط الإيراني على غرار ما جرى في فنزويلا، وهو ما يغلق أبواب النقاش أمام حلول شاملة.
وشدد على أن السيناريو الأكثر ترجيحا خلال الأيام المقبلة يتمثل إما في اختراق محدود يمنع انهيار الهدنة، أو استمرار حالة الجمود مع بقاء التهدئة هشة حتى اللحظة الأخيرة، مؤكدا أن العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة ليست خيارا مفضلا لأي من الطرفين بسبب تكلفتها الباهظة على واشنطن وطهران معا، وإن كانت الاحتمالات قائمة بقوة.
تعويم الاتفاق
بدوره، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات، أن الفجوة بين المواقف الأميركية والإيرانية ما تزال واسعة، ما يجعل من الصعب الوصول إلى اتفاق سريع أو تسوية شاملة.
وبيّن شنيكات أن بعض الأطراف كانت تراهن على تنازلات سريعة لكن الواقع أثبت أن المواقف المعلنة ليست مجرد شعارات إعلامية، بل تعكس خلافات جوهرية يصعب تجاوزها.
وأشار إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في "تعويم الاتفاق" أي إبقاء الوضع في حالة لا حرب ولا سلم لفترة مؤقتة، ريثما تستكمل الولايات المتحدة استعداداتها العسكرية وتجهيز قواتها بالعتاد.
وأضاف، إن هذا الاحتمال يعزز من فرص اندلاع عملية عسكرية لاحقة، خاصة في ظل الضغوط الإسرائيلية المتزايدة لدفع واشنطن نحو استئناف المواجهة، حيث تعتبر جولة الاحتلال أن الهدف النهائي هو إسقاط النظام الإيراني.
وبيّن شنيكات أن ترامب يلوّح بخيار الحصار البحري على إيران كبديل عن الحرب المباشرة على غرار ما حدث مع العراق سابقا، غير أن هذا الخيار يواجه تحديات معقدة، أبرزها إمكانية حصول طهران على دعم من روسية والصين عبر قنوات بديلة.
وفي المقابل، تمتلك إيران أوراق ضغط قوية، أبرزها السيطرة على مضيق هرمز الذي يشكل شريانا حيويا للتجارة العالمية، ما يجعل أي مواجهة هناك مكلفة للطرفين.
وأضاف، إن الخيارات المتاحة أمام واشنطن تبدو محدودة؛ إما القبول بتسوية تأخذ في الاعتبار المطالب الإيرانية المرتبطة بالمضيق، أو فرض حصار بحري خانق قد يقود في النهاية إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وأكد أن التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة، بما في ذلك تكثيف نقل العتاد عبر الطائرات، تعكس استعدادات لجولة جديدة من التصعيد.
واعتبر شنيكات أن الموقف الصهيوني يظل عاملا ضاغطا، حيث تدفع تل أبيب علنا نحو الخيار العسكري وهو ما ينعكس حتى في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الذي يطالب بتوجيه ضربات قاسية لإيران، الأمر الذي يعزز من احتمالية أن تكون العملية العسكرية الخيار الأكثر ترجيحا في المرحلة المقبلة.
غياب الحسم العسكري
من جانبه، تحدث الباحث والمحلل السياسي عصمت منصور عن أن فرص تحقيق اختراق سريع في المفاوضات تبدو شبه معدومة، موضحا أن غياب الحسم العسكري على الأرض انعكس بشكل مباشر على مسار المحادثات.
وقال منصور إن كلا الطرفين دخل المفاوضات بسقف توقعات مختلف تماما عن الآخر، ما جعل الفجوة بينهما كبيرة وصعبة التجاوز.
وأكد أن ما جرى حتى الآن لا يتعدى محاولة استنفاد الخيار الدبلوماسي وجسّ النبض، لكنه استبعد أن يؤدي ذلك إلى نتائج ملموسة في المدى القريب، مشيرا إلى أن لكل طرف أزماته الداخلية وخطوطه الحمر التي يصعب التنازل عنها.
وبيّن أن الخيارات المطروحة حاليا تتراوح بين العودة إلى التصعيد العسكري، كما يدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يرى أن الجيش بحاجة لثلاثة أسابيع إضافية لاستكمال مهمته، أو المضي في عملية برية طويلة المدى، إلى جانب استمرار حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية عبر استهدافات متواصلة كلما توفرت أهداف استخباراتية أو إستراتيجية، فضلا عن تشديد الحصار والضغط الاقتصادي. وشدد منصور على أن المشهد الحالي يوحي بأن التصعيد يظل خيارا قائما، بينما يبقى الحل الدبلوماسي بعيدا في ظل الهوة العميقة بين المواقف.