عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Apr-2026

أمجد ناصر: طريق الشعر والنثر والسفر

 الغد-موفق ملكاوي

 ليس من السهل قراءة كتاب عن شاعر من دون الوقوع في فخّين متقابلين؛ فإما أن يتحول النص إلى احتفاء، أو أن ينزلق إلى تفكيك تقني بارد يفصل التجربة عن روحها. هذا الكتاب يحاول أن يسير بين هذين الحدّين، لكنه، يقدّم مادة تستدعي قراءة أعمق لا تستجوب ما كتبه أمجد ناصر، بل كيف أصبح ما كتبه ممكناً.
 
 
الكتاب صدر حديثا عن مؤسسة عبد الحميد شومان توثيقا لندوة متخصصة أقيمت صيف العام 2025، وشارك فيها كل من صبحي حديد، زياد الزعبي، جمال مقابلة، مها العتوم، فخري صالح، ليث الرواجفة، ليديا راشد، فاطمة المحيسن، حسين جلعاد، يحيى القيسي، أماني سليمان، عماد الضمور، لينداء عبيد، نداء مشعل، نوري الجراح، غسان زقطان، ليلى النعيمات، بسمة النسور، بثينة البلخي، وفاء جعبور، ومفلح العدوان، بينما قدم له الناقد محمد عبيد الله.
ورغم غلبة صفة الشاعر على أمجد ناصر، إلا أن الكتاب لا يقدمه بوصفه شاعراً فحسب، بل مساراً طويلا من التجارب والتشكل، ما يفتح إشكالية أساسية حول إمكانية قراءة مسار ما بوصفه وحدة متماسكة، أم أنه سلسلة من الانقطاعات التي نحاول لاحقاً أن نمنحها شكلاً منسجماً.
يخصص الكتاب حيزا واسعا لاستعادة البدايات: الطفولة، المكان الأول، والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها أمجد ناصر، وهي ليست خلفية محايدة، بل عناصر فاعلة في تشكيل الحساسية الشعرية، لا بوصفها مجرد ذكرى، بل "مادة أولى" للكتابة، ومرجع دائم يعود إليه الشاعر في إعادة تشكيل العالم.
ينتمي أمجد ناصر إلى فضاء حدودي؛ جغرافي وثقافي في آن واحد، حيث تتداخل الهويات وتتشكل في حالة من السيولة. هذه البيئة الحدودية، أسهمت في إنتاج وعي مبكر بالاختلاف والقلق والهشاشة التي تصاحب كل انتماء. لذلك، فسؤال الهوية لا يظهر بوصفه شعاراً، بل تجربة معاشة.
كما يتوقف الكتاب عند التحولات المبكرة في حياة الشاعر، خصوصا عند انتقاله من بيئة إلى أخرى، وما رافق ذلك من شعور بالاقتلاع وإعادة التكوين. هذا الشعور سيصبح لاحقاً أحد المحركات الأساسية في مشروعه الشعري.
الكتاب الذي يراهن على السيرة بوصفها مفتاحاً للفهم، من خلال البيئات العديدة التي اختبرها أمجد، كلها تُستعاد بوصفها عناصر تفسيرية تطرح سؤال ما إذا كانت السيرة نفسها تفسّر الكتابة فعلاً، أم أنها تمنح وهم التفسير، ولا تغدو أكثر من استدلالات على رحلة طويلة من التشكل ساهمت فيها المدن بقدر ما ساهمت فيها رغبة الكاتب أن يصنع فرقا في تقليد الكتابة العربية.
ورغم ارتباط تجربة أمجد ناصر بسياقات سياسية واضحة، لكن الحضور السياسي في النصوص ليس مباشراً، فالسياسة تظهر في الخلفية، كجزء من التجربة، لا كموضوع صريح، ما يجعل نصوصه بعيدة عن الخطابة، وقريبة من التجربة الإنسانية. 
منذ بداياته لم يعمد أمجد إلى تقديم مواقف سياسية مباشرة، وإنما حالات إنسانية تعكس أثر السياسة في الحياة اليومية.
يقدم الكتاب تحليلا لتجربة أمجد ناصر الشعرية، خصوصاً في علاقتها بما يُعرف بـ"قصيدة النثر"، ليقدّم هذا التحول بوصفه خيارا جماليا، وأيضا استجابة عميقة لتحولات في الوعي واللغة، فهو لم ينتقل إلى قصيدة النثر من باب التجريب الشكلي، بل من باب البحث عن لغة أكثر قدرة على احتواء التجربة المعاصرة، ويتضح ذلك من خلال الكشف عن أن قصيدته لا تقوم على الإيقاع التقليدي، بل على إيقاع داخلي، وعلى بنية مفتوحة تسمح بتداخل السردي والشعري.
 تجربته الشعرية تمثل محاولة لتجاوز الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية، فتتداخل القصيدة مع السرد، ويتحول النص إلى مساحة حرة للكتابة، وهي سمة تجعل نصوصه أقرب إلى "نصوص مركبة" لا يمكن تصنيفها بسهولة. الشعر، في كثير من الأحيان، لا ينشأ من التجربة كما هي، بل من المسافة التي تفصلنا عنها، وما يلفت في تجربة أمجد ناصر، كما يعرضها الكتاب، أنه لم يكن شاعراً يبحث عن موضوع، بقدر ما يبحث عن شكل يحتمل هذا الموضوع، وانتقاله إلى قصيدة النثر لم يكن من منطلق "الموضة" التي فرضت نفسها عليه وعلى أبناء جيله، بل لضرورة ارتأت أن اللغة التقليدية بإيقاعها المغلق، لم تعد قادرة على احتواء تجربة مفتوحة على المنفى والتعدد والقلق.
لكن هذا الأمر يطرح مسألة الإخلاص أو القطيعة على بساط البحث، وأعني بها إن كان هذا الانتقال قطيعة حقيقية مع الأشكال السابقة، أم إعادة إنتاج لها بلغة أخرى. قصيدة النثر، في كثير من تجاربها العربية، لم تكن دائماً تحررا، بل أحيانا كانت مجرد تخففا من القيود، ولكن بدون بناء بديل حقيقي. الكتاب يضع أمجد ناصر في سياق قصيدة النثر العربية، ويشير إلى إسهامه في ترسيخها، ما يفتح الباب على قراءات مستقبلية تبحث في إن كان تأثيره في الشكل، أم في الحساسية التي يحملها هذا الشكل، وهل ما يميز نصوصه هو كونها قصائد نثر، أم كونها نصوصا تمتلك وعيا مختلفا بالعالم.
قيمة أمجد ناصر تكمن في هذا الوعي، لا في الشكل، فهو شاعر لم يتعامل مع اللغة بوصفها أداة، بل تجربة قائمة بذاتها، فاللغة عنده لا تنقل العالم كما تراه العين، وإنما تعيد تشكيله وفقا لرؤية خاصة، وهذا بالذات ما يجعل نصوصه تقاوم القراءة السريعة، وتفرض إيقاعها الخاص على القارئ.
السفر، كما يقدّمه الكتاب، يبدو وكأنه أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذه التجربة، فهو لا يقرأ بوصفه حركة في المكان، بل تحوّلاً في الرؤية. المدن التي مرّ بها الشاعر تظهر كجغرافيا، وأيضا كطبقات من تداخلات المعنى. بيروت، مثلاً، لا تُستعاد بوصفها مدينة عاش فيها، بل لحظة انفتاح ثقافي، ومرحلة انتقال من هامش إلى مركز . لكن المركز نفسه، في تجربة أمجد ناصر، لم يكن ثابتاً، بل ظلّ يتحرك معه، ما يجعل فكرة "الوصول" فكرة إشكالية، إن لم تكن وهماً.
الكتاب يقدّم المنفى بوصفه تجربة تأسيسية، وقد تعيننا القراءة النقدية في الذهاب إلى أبعد من هذا المعنى، فالمنفى في تجربة أمجد ليس مجرد فقدان للمكان، بل هو فقدان لليقين، ما يجعل الكتابة محاولة لتعويض هذا الفقد من خلال إعادة تخيّله.
واحدة من أهم الإشكاليات التي يثيرها الكتاب، وإن لم يصرّح بها بشكل مباشر، هي العلاقة بين الذاكرة والكتابة. الذاكرة في نصوص أمجد ناصر ليست أرشيفاً، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل، ما يعني أن ما نقرأه ليس استعادة للماضي بقدر ما هو إنتاج جديد له.
الكتاب ينجح في الإشارة إلى التداخل بين الشعر والنثر في تجربة أمجد ناصر. النثر عنده ليس بديلاً عن الشعر، بل امتداد له، فهو يكتب المقالة كما يكتب القصيدة، ويكتب اليوميات كما يكتب النص الشعري، بحيث تتداخل الحدود بين هذه الأشكال، فيظهر التداخل بوصفه علاقة تكامل لا تناقض فيها. في نصوصه النثرية، يظهر الحس الشعري بوضوح، سواء في اللغة أو في البناء أو في الرؤية. في المقابل، تحمل قصائده أبعاداً سردية واضحة، تجعلها أقرب إلى حكايات مكثفة.
هذا التداخل يعكس تحوّلاً في مفهوم الكتابة نفسها، حيث لم تعد مقيدة بنوع أدبي محدد، بل أصبحت مساحة مفتوحة للتجريب، وفي بعض نصوص أمجد ناصر، يمكن أن نشعر أن هذا التداخل يمنح الكتابة حرية أكبر، لكنه في نصوص أخرى قد يجعلها معلّقة بين شكلين، من دون أن تستقر في أي منهما، وهذه منطقة حساسة في أي كتابة تجريبية.
لغة أمجد ناصر، تتعدى وسيلة التعبير، لتكون موضوعا للكتابة. أمجد يشتغل على اللغة بكل ما فيها من مكونات تشمل المفردات والإيقاع والبنية، وكذلك العلاقة بين الجملة وما تحمله من معنى. واللافت أن هذه اللغة لا تسعى إلى الزخرفة، بل إلى الكشف، كما أنها تتجنب المباشرة، وتعتمد على الإيحاء والتلميح.
كتاب "طريق الشعر والنثر والسفر" يحمل، أحياناً، نزعة توثيقية، إلا أنه يقدم أمجد ناصر بوصفه تجربة إنسانية تتشكل في تقاطع الشعر مع الحياة والتحولات والبحث عن المعنى، ومسار القلق الذي يرافق كل محاولة لفهم العالم.