الغد-عزيزة علي
صدر عن "الآن ناشرون وموزعون" كتاب للدكتور زياد صالح الزعبي بعنوان "في حب الحب: نصوص في الحب العذري من الشرق والغرب: دراسة ونصوص"، يقدم فيه مقاربة فكرية وجمالية لظاهرة الحب العذري بوصفها تجربة إنسانية عابرة للثقافات والأزمنة.
ويتتبع الكتاب تمثلات هذا الحب في النص الديني، والأسطورة، والشعر العربي والغربي، والأدب الشعبي، مركزا على أثر الجمال في النفس لا على وصفه الحسي. ومن خلال قراءات ونصوص مختارة، يكشف المؤلف كيف يتحول الجمال إلى قوة آسرة قد تبلغ حد التعطيل أو الفناء، في تصور يلامس أبعادا روحية وصوفية تتجاوز المعنى الغريزي للحب إلى أفق إنساني أوسع.
في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: هل يمكن تعريف الحب تعريفا جامعا يتوافق مع تصورات البشر، أم أن لكل إنسان فهمه الخاص له؟ ويشير إلى أن بعضهم يرى الحب اتصالا وجوديا بين كائنين يهدف إلى حفظ النوع البشري من الانقراض، بوصفه فعلا غريزيا محركا للإنسان منذ نشأته على الأرض. وقد أسهم هذا الدافع في استمرار الوجود الإنساني وتكاثره عبر التاريخ.
ويرى الزعبي أن هذا الفعل، رغم طابعه الغريزي، اكتسب بعدا اجتماعيا وثقافيا رسخته المجتمعات وعدّته قيمة كبرى للفرد والجماعة. كما يلفت إلى أن تأثيره يختلف باختلاف المراحل العمرية؛ ففي بعض المراحل تهيمن الغرائز على الإنسان، بينما يتحرر منها في مراحل لاحقة، إما بفعل الإشباع أو التقدم في السن، فيغدو أكثر حكمة وأقل اندفاعا. ويضيف الزعبي أن ثمة نوعا آخر من الحب يقف في مقابل الحب الغريزي، هو الحب العذري؛ وهو حب يتحرر، في جوهره، من الأبعاد الجسدية والإيروتيكية، ويتمحور حول فكرة "الحب للحب"، إنه تصور روحاني وفكري يتجاوز الرغبة في الإشباع أو الامتلاك الجسدي، ويقوم على صفاء العلاقة ونقائها.
وقد تجلت هذه الظاهرة، بحسب المؤلف، بوضوح في التراث الأدبي العربي، حيث ارتبط الحب العذري بانعدام الاتصال الجسدي بين المحبين، ثم تعمق حضوره في تيار التصوف وتجلياته المتعددة في الثقافة العربية. كما امتد أثره إلى ثقافات إسلامية أخرى تأثرت بالعناصر العربية الدينية والأدبية والفلسفية، فظهر في الأدب الفارسي لدى شعراء، مثل نظامي كنجوي و"عبد الرحمن جامي"، ثم في الآداب التركية والأوردية والملايوية.
ويرى الزعبي أن هذا اللون من الحب لم يقتصر على الشرق، بل يمكن تتبعه في الآداب الأوروبية، ولا سيما في شعر التروبادور، وحركة المينزانغ في ألمانيا، وغيرهما. موضحا أن النصوص الواردة في الكتاب لا تهدف إلى تقديم دراسة استقصائية أكاديمية شاملة لظاهرة الحب العذري، بل تسعى إلى عرض نماذج وصور متنوعة لها، بدءا من الثقافة العربية وأدبها، وصولا إلى نماذج مختارة من ثقافات أخرى.
ولهذا الغرض، يضم الكتاب نصوصا للمؤلف نفسه، من بينها جزء من دراسة تتناول الأثر العربي في الغنائيات الألمانية، إلى جانب نصوص ذات طابع ورؤية شخصية. كما أُلحقت بالكتاب مختارات من التراث العربي وبعض الآداب الأوروبية، تسهم في توضيح القضايا المطروحة حول الحب العذري.
ومن بين هذه النصوص دراسة للباحث دينيس دي روجمون من كتابه "الحب والغرب"، وقد جمعت هذه المواد في ملحق خاص يتيح للقارئ الاطلاع على نصوص مختصرة ومنتقاة، تساعد على تكوين تصور أوسع عن الظاهرة في سياقات متعددة؛ بعضها يناقش فكرة الحب ونظرية المشاكلة وجذورها الفلسفية، وبعضها يتناول العلاقة بين النظر والحب، فيما يعالجها آخرون من منظور ديني صوفي.
وبعنوان "الجمال معطلا"، يبين الدكتور الزعبي أن القرآن الكريم لا يصف جمال النبي يوسف وصفا حسيا مباشرا، بل يركز على أثر هذا الجمال في النفوس. ففي مشهد النسوة اللاتي لُمن امرأة العزيز، يكتفي النص بالفعل "رأينه"، ليصور التأثير الساحق للرؤية؛ إذ أدت المشاهدة وحدها إلى تعطل الإحساس بالألم، فقطعن أيديهن بدل الفاكهة، في تعبير قرآني مدهش: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. وهكذا يتجلى الجمال من خلال أثره لا من خلال وصفه.
ويشير المؤلف إلى أنه في الأساطير اليونانية، شكل اختطاف هيلين من إسبارطة إلى طروادة شرارة حرب طروادة التي دامت سنوات طويلة وأودت بحياة الآلاف. وتروي الحكايات أن شيوخ طروادة اجتمعوا للنظر في إنهاء الحرب، فلما رأوا هيلين وأبصروا جمالها هتفوا بأنها تستحق أن يُحارب من أجلها. كانت تلك الصيحة تعبيرا عن أثر الجمال حين يتجاوز حدود اللغة، فيأسر النفوس ويدفع إلى التضحية حتى الموت.
وفي النصوص الشعرية يتكرر هذا المعنى؛ فالرؤية البصرية للجمال وحدها تُصوَّر قوة قادرة على شلّ الإرادة وتعطيل الفعل، بل ودفع الإنسان إلى الفناء. إن التركيز لا يكون على وصف الجمال ذاته، بل على أثره "الأسطوري"، الذي يحوله من مصدر متعة إلى قوة ساحقة تعطل الإدراك والحس معا. ومن يعاين هذا الجمال يقع في أسره، مسلّما نفسه لسطوته، في تجربة تلامس معنى الفناء الذي سعى المتصوفة إلى بلوغه بقواهم الروحية.
يروي الزعبي أنه في صباه كان يسمع في أعراس القرية مقاطع من أغنية شعبية تقول: "مرت ما مرت... ولما أنها مرت الأرض اخضرت، ومطرح قدمها نبت ليمونا". وقد حيّرته الصورة آنذاك؛ كيف تخضرّ الأرض وينبت الليمون تحت قدمي امرأة؟ ثم أدرك لاحقا أن الغناء الشعبي لا يصف الجمال، بل يعبر عن أثره؛ فمرور المرأة الجميلة يتحول شعريا إلى حدث كوني تستجيب له الطبيعة ذاتها، في صورة تتجاوز البعد الحسي إلى طاقة رمزية مدهشة.
ويستحضر المؤلف أيضا صورا شعبية أخرى تشبّه جدائل المرأة بالأفاعي السوداء في أرض خلاء، في تعبير فني عنيف يبرز الجمال بوصفه قوة آسرة ومخيفة في آن. وهذه الصور، كما يرى، تجد نظائر لها في الأدب العالمي؛ إذ يقول الشاعر راينر ماريا ريلكه "إن الجمال ليس سوى بداية الرعب"، في إشارة إلى أثره العميق الذي يلامس حدود الفناء.
ويؤكد الزعبي أن النصوص التي اختارها -من الدين والأسطورة والشعر العالمي والأدب الشعبي– تنشغل بأثر الجمال لا بوصفه الحسي. فهي تتجاوز فكرة الجمال المشبع أو الحب الغريزي، لتتجه نحو حب مُصعَّد يلامس الجليل ويبعث الدهشة والألم المؤدي إلى الفناء، كما في قصة يوسف أو في بعض القصائد الغربية. وهكذا تلتقي هذه النصوص، على اختلاف مصادرها، في رؤية تجعل من الجمال قوة معطِّلة للإدراك والحس، تقود إلى الاستلاب أو الفناء في حضرته.