عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Jun-2026

ترامب يحطم وهم "الغرب"

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
أميتاف أشاريا - (فورين بوليسي) 2026/6/12
ثمة شيء غير مألوف دخل إلى لغة السياسة الخارجية الأميركية. في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، أفسحت لغة الإستراتيجية المجال أمام لغة حضاراتية أكثر حدّة: تحذيرات من "انمحاء حضاري" في أوروبا، واستدعاءات لإرث "يهودي-مسيحي" يُقال إنه أصبح تحت الحصار، وتهديدات لإيران بتدمير الحضارة الإيرانية. وليس هذا مجرد خطاب عابر أو عرضي؛ إنها مؤشرات إلى انعطافة مقصودة نحو ما يمكن تسميته بـ"الحضارتية الإمبريالية" imperial civilizationalism -بمعنى توظيف الهوية الحضارية كأداة لتبرير انتهاج سياسة خارجية شعبوية عدوانية.
 
 
أصبح مفهوم "الدولة-الحضارة" أحد أبرز الأدوات الخطابية التي يعتمدها القادة الشعبويون في عصرنا. وخلال العقد الماضي، لجأ القادة في الصين والهند وروسيا وتركيا وغيرها إلى توظيف الهوية الحضارية لبناء التماسك الوطني، وإبراز التميز الثقافي، وتبرير طموحات السلطة الداخلية والسياسة الخارجية.
في الصين، يستحضر الرئيس شي جينبينغ فكرة الصين بوصفها أقدم حضارة متواصلة في العالم. وخلال زيارة إلى "المدينة المحرمة" في بكين في العام 2017، قال لترامب إنه على الرغم من أن "مصر أقدم قليلاً"، فإن الصين هي "الحضارة الوحيدة المتواصلة" على مر العصور. ويستند رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى خطاب إحياء الحضارة الهندوسية، بينما يروّج الرئيس فلاديمير بوتين لهوية أوراسية-روسية متميزة متجذرة في المسيحية الأرثوذكسية. ويستدعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الإرثين العثماني والإسلامي. ويعمد كل واحد من هؤلاء القادة إلى انتقاء عناصر من سجل تاريخي انتقائي مليء بالتناقضات الداخلية لصياغة أسطورة سياسية قابلة للتوظيف والتعبئة عن الاستمرارية الحضارية.
والآن انضم إليهم ترامب بالكامل. لكن نسخته من هذا التوجه تختلف في جوانب مهمة. بينما يؤكد الآخرون تمايزهم عن الغرب، يزعم ترامب أنه يدافع عنه. وقد طرح في خطابه الذي ألقاه في وارسو، بولندا، في العام 2017 ما وصفه بأنه "السؤال الجوهري لعصرنا"، وهو ما إذا كان "الغرب يمتلك الإرادة للبقاء". كما حذرت إستراتيجية الأمن القومي لإدارته للعام 2025 من "انمحاء حضاري" تشهده أروبا نتيجة للهجرة وتآكل الهويات الوطنية، وتنبأت بأن أوروبا تخاطر بأن تصبح "غير قابلة للتعرف عليها خلال عشرين عاماً أو أقل".
وقدّم نائب الرئيس، جيه. دي. فانس، الصيغة الأكثر حدّة لهذا الطرح خلال "مؤتمر ميونخ للأمن"، حين حذّر من أن أكبر تهديد تواجهه الحضارة الغربية يأتي "من الداخل"؛ من تساهل الأوروبيين مع الهجرة، وابتعادهم عن الأرثوذكسية الدينية، وفرضهم قيوداً على حرية التعبير. ثم عاد لاحقاً ليتحدث صراحة عن "انتحار حضاري" أوروبي.
ربما يجادل البعض بأن الولايات المتحدة في عهد ترامب لا تندرج بالكامل ضمن فئة "الدولة-الحضارة" بالمعنى الذي تنطبق فيه التسمية على الصين أو الهند أو روسيا. ففي نهاية المطاف، تستند هذه الحالات إلى ادعاءات بوجود استمرارية حضارية ضاربة في القدم، تعود إلى ما قبل العصر الحديث وتتجاوز الدولة القومية نفسها. لكن الهوية الأميركية، في المقابل، تشكّلت تاريخياً حول فكرة الاستثنائية القومية، والنزعة الليبرالية الكونية، والأسس المدنية أكثر مما شكلتها الأسس العرقية أو الحضارية، مع سجل طويل من استيعاب المهاجرين بصورة أكثر انفتاحاً من معظم دول الاستيطان الغربية الأخرى.
ومع ذلك، تظل حضارتية ترامب أكثر تأثيراً وخطورة، خاصة وأنها مدعومة بقوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية لم تتجاوزها أي دولة أخرى حتى الآن. وهي ليست مجرد قومية دفاعية متخفية في لغة حضارية.
في بعض الجوانب، تُذكِّر نسخة ترامب بروما القديمة. كانت روما في مرحلتها الإمبريالية في حقيقتها نوعاً من "دولة-حضارة" بطريقة ما: كياناً سياسياً كان يرى نفسه حاملاً لحضارة متفوقة، ويبرر توسعه بلغة حضارية. وكانت المقارنات الحديثة بين الولايات المتحدة وروما متداولة منذ زمن طويل في الأدبيات الشعبية والأكاديمية على السواء. لكن خطاب ترامب يتقاطع مع النمط الروماني المتأخر أكثر مما يتقاطع مع النمط المبكر -حضارة تؤكد استثنائيتها بطريقة دفاعية، من موقع شعور بالتراجع والانحدار المتصوّرين، وليس من موقع الصعود الواثق.
وهذا التشابه كاشف ومقلق في آن: فقد جاءت بعض أكثر التأكيدات صخباً على الشرعية الحضارية، سواء في روما الجمهورية أو الإمبريالية، خلال فترات الصراع والتدهور، حين لجأت النخب الحاكمة إلى الخطاب الحضاري الشعبوي لكي تتمسك بالسلطة. وفي العام 284 للميلاد، على سبيل المثال، جعل الإمبراطور ديوكلتيانوس نفسه دكتاتوراً متمتعاً بشرعية مقدسة وتفويض إلهي -حتى أنه ألزم كبار المسؤولين بالسجود أمامه. وأصبح تمجيد الحضارة، بكل ما يرافقه من طقوس ومظاهر احتفالية، ضرورةً لتمجيد الحاكم نفسه.
لكن الفكرة الأعمق هي أن جميع ادعاءات "الدولة-الحضارة" –الأميركية والصينية والهندية والروسية– ليست سوى أساطير، بالمعنى التحليلي للكلمة: مجرد بنى سياسية مصطنعة، وانتقائية تاريخياً، ومتناقضة داخلياً. والحضارات بطبيعتها متنوعة، وهجينة، ومحل نزاع دائم. ولم تكن أي حضارة حية نقية عرقياً أو ثقافياً. فقد استوعبت الحضارة الصينية تأثيرات بوذية ومنغولية ومنشورية. وامتزجت الحضارة الهندية بعناصر أسترو-آسيوية وهارابية (حضارة وادي السند) وجاينية وبوذية وهندو-أوروبية وفارسية وإسلامية، منتجةً طبقات متراكبة لا تنسجم دائماً بسهولة مع أي سردية هندوسية جامعة. وتنسج الحضارة الروسية بدورها على خيوط تتداخل فيها التأثيرات التترية والبيزنطية والأوروبية. وفي كل واحدة من هذه الحالات، لا يكون الادعاء بوجود هوية حضارية واحدة متماسكة وقابلة للدفاع عنها وصفاً للواقع بقدر ما يكون أداة من أدوات السلطة.
وليس ما يجمع ترامب ونارينديرا مودي وشي جينبينغ وفلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان نوعاً من الإرث الحضاري الحقيقي. إن ما يجمعهم هو منطق سياسي واحد مشترك: تعبئة الهوية الثقافية لصرف الانتباه عن أوجه القصور المؤسسية، وتعزيز السلطة الداخلية، وإبراز التميز في عالم متعدد الأقطاب لم تعد فيه اليقينيات الأيديولوجية التي سادت خلال الحرب الباردة هي التي تنظّم التنافس الدولي.
تتمثل المفارقة الأعمق في حضارتية ترامب في أنه بينما يزعم الدفاع عن الحضارة الغربية، فعل لتفكيك التحالف الغربي أكثر مما فعل أي خصم خارجي. ولم يكن هذا التصدع مدفوعاً بخلافات سياسية بقدر ما دفعته أيضاً استفزازات ذات طابع حضاري. عندما أخبر جيه. دي. فانس القادة الأوروبيين بأن التهديد الأكبر الذي يواجههم يأتي من الداخل -من تساهلهم الثقافي والتزاماتهم الإنسانوية- فإنه لم يكن يتفاوض مع حلفاء، وإنما كان يحاضر فيهم ويوبخهم على ما عدّه قصورهم الحضاري الخاص.
هذا هو الوجه المعكوس لحضارتية ترامب: إنها تدّعي الدفاع عن "الغرب" والإعلاء من شأنه، لكنها تعرّفه بطريقة ضيقة جداً وعدوانية جداً إلى حد يجعل معظم الدول الغربية الفعلية لا تعود مؤهلة للانضواء ضمنها.
لم يعد "الغرب" كما يطرحه ترامب وفانس مجتمع الديمقراطيات الليبرالية العبر- أطلسية، وإنما هو تكوين ثقافي شعبوي قومي مخصوص –مسيحي، معرَّف إثنياً، ومتشكك إزاء التعددية. وهو تعريف يستبعد على وجه التحديد المؤسسات والقيم التي منحت الغرب بعد الحرب العالمية الثانية مضمونه العملي: التزامات الدفاع المشترك التي جسدها "حلف الناتو"؛ ومعمار الاتحاد الأوروبي القائم على تعدد الأطراف؛ والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان.
ليس ثمة حدث يجسد حضارتية ترامب بوضوح ووفرة أكثر مما فعل العدوان العسكري على إيران. فقد صاغ وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، العملية وأطّرها بلغة لاهوتية صريحة، وتحدث عن "خط متصل ومباشر يمتد من الأناجيل المسيحية في العهدين القديم والجديد إلى تطور الحضارة الغربية". وهدد ترامب بتدمير "الحضارة الإيرانية بأكملها" وإعادة إيران إلى "العصور الحجرية". ويمثل هذا أكثر أشكال الخطاب الحضاري تطرفاً في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية.
وكان رد الفعل الأوروبي مدهشاً. منعت فرنسا الطائرات الإسرائيلية من نقل الأسلحة عبر مجالها الجوي خلال الحرب على إيران. ورفضت إيطاليا منح إذن اللحظات الأخيرة للقاذفات الأميركية بالهبوط في جزيرة صقلية. كما منعت إسبانيا الولايات المتحدة من استخدام قواعدها ومجالها الجوي. وأشارت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى بكين في كانون الثاني (يناير)، بعد سنوات من جمود العلاقات الصينية-الكندية، إلى أن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة لم يعودوا مستعدين لإخضاع مصالحهم لمطالب واشنطن.
ثمة مفارقة إضافية في التأطير الحضاري الذي اعتمدته إدارة ترامب لهجومها على إيران. كانت الإدارة تنتهك كل متطلبات عقيدة "الحرب العادلة" في المسيحية، كما أوضح البابا ليو نفسه. لم تستند الحرب إلى "قضية عادلة"؛ ولم يكن هناك تهديد إيراني وشيك للقوات الأميركية؛ كما أن الصراع لم يستوفِ مبدأ "الملاذ الأخير" لأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران كانت ما تزال جارية. والأكثر من ذلك أن الهدف المعلن المتمثل في تغيير النظام وتدمير حضارة بأكملها لا يمكن التوفيق بينه وبين مبدأ "التناسب" أو مع غاية استعادة السلام.
وفقاً للمعيار اللاهوتي الذي طرحه هيغسيث نفسه، فإن الهجوم على إيران يفشل في اختبار الحضارة الذي يزعم اعتناقه والدفاع عنه. واللغة الحضارية هنا لا تعمل كإطار أخلاقي، بل كبديل يحل محله -كوسيلة لتحويل حرب اختيارية إلى ما يشبه حملة صليبية، وإخفاء غياب المبررات المشروعة وراء عظمة صراع يُقدَّم بوصفه صراعاً ممتداً عبر القرون.
كانت النتيجة الأكثر أهمية على الإطلاق لحضارتية ترامب الإمبريالية هي تنامي ما يمكن تسميته التعددية المتداخلة متعددة الطبقات في النظام العالمي؛ ليس مجرد تعددية قطبية بين عدد محدود من القوى الكبرى، وإنما بنية أكثر تعقيداً تمارس فيها القوى المتوسطة والمنظمات الإقليمية والجهات الفاعلة غير الحكومية والمؤسسات المتداخلة أدواراً يُعتد بها في مجالات مختلفة.
إذا كان ثمة جانب إيجابي في كل ذلك، فإنه قد يكون نهاية قسمة "الغرب-مقابل-البقية". لقد تم اختراع تصوراتنا عن "الغرب" و"البقية" حديثاً، والتي تعكس انقساماً مصطنعاً تسبب في قدر كبير من انعدام الثقة والصراعات. وسوف يعني إنهاء هذا الانقسام بناء أشكال من التعاون التي تتجاوز القسمة.
وهو ما شرع في التحقُّق فعلياً. ثمة الاتفاق التجاري بين الهند والاتحاد الأوروبي، الذي وصفته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين بأنه "أم جميع الاتفاقات التجارية"، الذي يجتاز حدود هذه القسمة بين الغرب والبقية. كما تعمل الهند بسرعة على توسيع علاقاتها التجارية مع "رابطة الدول الآسيوية" واليابان والمملكة المتحدة. وقد أنشأ اتفاق الاتحاد الأوروبي مع "السوق الجنوبية المشتركة" سوقاً تضم نحو 700 مليون نسمة من دون مشاركة الولايات المتحدة. كما تضم "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة في آسيا والمحيط الهادئ" حلفاء للولايات المتحدة، مثل كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا، ولكن من دون الولايات المتحدة نفسها أيضاً. وفي الوقت نفسه يزداد استخدام اليوان في تسوية معاملات الطاقة -حتى أن "بنك دويتشه" وصف الصراع مع إيران بأنه قد يكون "محفزاً لتآكل هيمنة البترودولار".
ليست هذه تشكيلات مناهضة لأميركا ولّدها نفور غريزي من الولايات المتحدة كدولة. إنها تجسيد لما سبق لي أن أسميته تعاون "العالم - ناقص - واحد": شكل من العمل المؤثر متعدد الأطراف يمضي قُدُماً على الرغم من غياب قوة كبرى واحدة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مشاركة أميركية مستقبلية.
 
*أميتاف أشاريا Amitav Acharya: عالم سياسة وعلاقات دولية هندي-كندي، يُعد من أبرز الباحثين في حقل النظام الدولي والدراسات غير الغربية للعلاقات الدولية. يشغل منصب أستاذ متميز في العلاقات الدولية بـ"مدرسة الجامعة الأميركية للخدمة الدولية" في واشنطن. عمل سابقاً في عدد من الجامعات والمؤسسات البحثية في كندا وأستراليا وسنغافورة، من بينها جامعة يورك في تورونتو والجامعة الوطنية في سنغافورة. يكتب عن العالم متعدد المراكز وانتقاد مركزية الغرب في نظرية العلاقات الدولية، وهو من أبرز منظّري مفهوم "النظام العالمي ما بعد الغربي"، و"العالم غير الغربي" في الفكر السياسي المعاصر. من أبرز مؤلفاته كتب "نهاية النظام العالمي الأميركي" The End of American World Order و"النظام العالمي الذي كان وسيكون" The Once and Future World Order، حيث يناقش تحولات القوة العالمية وصعود الأطر الحضارية غير الغربية في تشكيل النظام الدولي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Trump Is Shattering the Illusion of the West