"سليمان عويس شاعر الموال والوصايا".. قراءة معمقة في تجربته الشعرية
الغد-عزيزة علي
صدر كتاب بعنوان "سليمان عويس شاعر الموال والوصايا" للدكتور علي الحوامدة، أستاذ الأدب والنقد في جامعة عجلون الوطنية، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية وعن دار تدوين للنشر والتوزيع في عمان.
يقدم الكتاب قراءة معمقة لتجربة الشاعر الأردني الراحل سليمان عويس (1943–2005)، مستعرضًا حياته ومسيرته الفنية، ومحللاً شعره من خلال الموال والوصايا، اللذين عبّرا عن وجدان الناس وهويتهم الثقافية.
ويجمع الكتاب بين التحليل النقدي والتوثيق التاريخي، مسلطًا الضوء على نشأة عويس، ارتباطه بالأرض والوطن، تجلياته الوطنية والقومية، وأساليبه الفنية واللغوية التي جعلت من شعره صوتًا شعبيًا خالدًا في الذاكرة الأردنية والعربية، مقدمًا للقارئ فرصة لفهم هذا الإرث الثقافي الغني، بأسلوب علمي وجذاب.
وكتب أستاذ الأدب والنقد في جامعة جرش الدكتور جودي فارس البطاينة تقديمًا للكتاب، أشار فيه إلى أن الحوامدة يقدم قراءة معمقة في تجربة الشاعر سليمان عويس (1943–2005)، ذلك الصوت الشعبي الذي حمل وجدان الناس وذاكرتهم، وصاغ من الموال والوصايا عالمًا مفعمًا بالحكمة والحنين والأصالة. ومن خلال لغة رصينة ومنهجية دقيقة، يفتح المؤلف نافذة على تجربة شاعر رسّخ اسمه في الذاكرة الشعبية، معبرًا عن حياة الناس وأحلامهم وتحدياتهم، ومؤكدًا حضور الموال والوصايا بوصفهما فنًا شعريًا أصيلًا.
وأضاف البطاينة أن الكتاب يتميز بجمعه بين الدراسة الأدبية والتحليل الفني والتأريخ الثقافي، إذ يتتبع أبرز محطات حياة عويس، ويحلل عناصر إبداعه، ويضيء الجوانب المعرفية والجمالية في تجربته الشعرية. كما نجح الحوامدة في إعادة الاعتبار لهذا الإرث الشعبي، مقدّمًا إياه للقارئ بلغة جذابة وموضوعية.
وأشار البطاينة، إلى أن هذا العمل لا يكتفي بتقديم شاعر الموال والوصايا، بل يرسم صورة لروح المجتمعين الأردني والعربي في مرحلة حافلة بالتحولات، من خلال شعر يستمد قوته من صدقه وعفويته وقربه من الناس. ويسعى الكتاب إلى إعادة قراءة هذه التجربة، وتحديد سماتها الفنية والفكرية، والكشف عن السياقات الجمالية التي شكلت صوت سليمان عويس، ومكنته من حجز موقع مميز في المشهد الأدبي الأردني.
ويرى البطاينة، أن هذه الدراسة حرصت على الجمع بين التحليل النقدي والتوثيق التاريخي لشعر عويس، بما يتيح مقاربة شاملة لتجربته وسماتها الفنية والإنسانية. وقد ركز الحوامدة على نشأة الشاعر وعلاقته بالأرض والإنسان، وبالوطن بين القرية والمدينة، إضافة إلى تجليات المهمين الوطني والقومي في شعره، وأبعاده الأيديولوجية ورؤيته العربية والإنسانية.
كما تناول الباحث آليات التشكيل الفني في شعره، مستحضراً أثر التراث الديني والتاريخي والثقافي، وأثر البيئة والنشأة والتكوين العروبي في تجربته. فقد وُلد سليمان عويس في منطقة دبين بمحافظة جرش، حيث انعكست ملامح البيئة الريفية على تكوينه الوجداني والفني. ورغم تخصصه في المحاسبة والتأمين في جامعة القاهرة العام 1968، اتجه إلى العمل الثقافي الإعلامي؛ فعمل في التلفزيون الأردني مذيعاً ومحرراً ثم محاسباً، قبل أن يتفرغ للكتابة ويؤسس حضوره في المشهد الثقافي الأردني.
وأشار البطاينة، إلى أن عويس شغل منصب مدير تحرير مجلة وسام الصادرة عن وزارة الثقافة، ثم أسس مجلة المهد وتولى رئاسة تحريرها. وقد ساهم هذا المسار المهني المتنوع، إلى جانب حسه الإبداعي المرهف، في ترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز كتاب الموال والوصايا؛ وهو اللون الذي عبر من خلاله عن الوجدان الشعبي وملامح الحياة اليومية، مستندًا إلى صدق الكلمة وبساطة التعبير وعمق التجربة الإنسانية.
وأكد البطاينة أن الكتاب يعيد قراءة هذه التجربة، محددًا سماتها الفنية والفكرية، وكاشفًا السياقات الجمالية التي شكلت صوت سليمان عويس ومنحته تميزه في المشهد الأدبي الأردني. وقد جمعت الدراسة بين التحليل النقدي والتوثيق التاريخي، لتقديم مقاربة شاملة لتجربة هذا الشاعر المتفرد.
كما أشار، إلى تميز أسلوب المؤلف بقدرته على تحليل النصوص في ضوء ظروف إنتاجها وربطها بتحولات الثقافة، مما يجعل أعماله مرجعا مهما للباحثين والمهتمين بالشأن الأدبي. ويأتي هذا الكتاب ضمن جهوده الرامية إلى صون التراث الشعبي وإبراز قيمته الفنية والإنسانية.
وخلص البطاينة، إلى أن الدكتور علي الحوامدة باحث وناقد أردني يُعنى بالدراسات الأدبية والنقد الثقافي، قدم مؤلفات وأبحاثًا تجمع بين المنهج العلمي والرؤية الجمالية، وعُرف باهتمامه بتوثيق الإبداع الشعبي وإبراز رموزه، إلى جانب مشاركاته الفاعلة في الندوات والمحافل الثقافية، ومساهمته في قراءة الظواهر الأدبية في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية.
من جانبه، قال الدكتور حوامدة "إن هدف هذه الدراسة هو التعريف بشعر الشاعر سليمان عويس، متتبعًا تفاصيل حياته منذ نشأته في بيئة أردنية ساهمت في تشكيل وعيه وتجربته". ويعد عويس، من الأسماء البارزة في الساحة الثقافية الأردنية والعربية.
وأوضح المؤلف أن عويس تميز بموهبة لافتة في إلقاء الشعر؛ إذ غدت حنجرته رمزًا للحنين والتراث الأردني، واستطاع بصوته القوي المشبع بالعاطفة أن يجذب الجماهير، حتى أصبح صوتًا شعبيًا يردد الناس قصائده ومواويله.
وتتناول الدراسة أثر تجاربه الشخصية والوطنية في نصوصه، وتبرز توظيفه اللغة الشعرية للتعبير عن مشاعره وأفكاره، فضلًا عن ملامح أسلوبه، من حيث استخدام الرموز والتشبيهات والإيقاع الموسيقي، مع تحليل نماذج مختارة من شعره.
وبين حوامدة أن سليمان عويس يُعد من الشعراء الذين تركوا بصمة واضحة في الفضاءين الثقافيين الأردني والعربي؛ فحين كان ينشد، كان الأردنيون يرددون خلفه المواويل والقصائد. ويجسد في أدائه الصوت الأردني عمومًا، والصوت الجبلي الفلاحي المرتبط بالأرض وحياة الريف على نحو خاص، إذ تغنى ببساطة العيش ومخزون البيت الريفي من القيم والمروءة في مواجهة الشدائد.
كما ناضل عويس بقصيدته من أجل الفقراء والمعوزين، مستعيدًا روح شعر الصعاليك الذين عبروا عن آلام مجتمعاتهم. ورغم معاناته المادية، ظل وفيًا لوطنه، مدفوعًا بكبرياء أخلاقه وبعد نظره، فعبر عن هموم الناس وآمالهم، وجعل شعره منبرًا لطموحاتهم.
ويرى المؤلف، أن قراءة تجربة سليمان عويس تقتضي النظر إليها من زاويتين أساسيتين: الأولى ارتباطه العميق بالأرض التي وُلد فيها وعاش في كنف طبيعتها، والثانية نظرته إلى وطنه وأبنائه وحمله الهمّ القومي العربي.
فقد كان عويس مشبعًا بثقافة وطنية وقومية؛ إذ تخرج في إحدى الجامعات المصرية، وشهد هناك حرب حزيران العام 1967، كما عايش تحولات الأردن وتغنى بها. وتجلى عشقه للأرض في صوره الشعرية المستمدة من بيئته الأولى، بين أشجار البلوط والسنديان، وصولًا إلى فضاءات الصحراء ونباتاتها، حيث اتخذ من المكان رمزًا للهوية والانتماء.
واستلهم عويس من تجربة مصطفى وهبي التل (عرار)، فبدت في شعره أصداء واضحة من روحه الوطنية وفلسفته المرتبطة بالأرض والإنسان. لذلك امتلأت قصائده بعاطفة وطنية متقدة، وجاء مواله الشعبي قريبًا من الناس، يتردد في البيوت والسهول والجبال، حتى غدا جزءًا من الذاكرة الثقافية الأردنية.
ويقول في إحدى وصاياه:
"أوصيك لا تنده على عمك إذا بتجوع.. أو تنتخي خالك إذا قلبك صبح موجوع
ازرع بإيدك قمحتك واحصدها بذراعك.. عهد المودة للأسف ولّى ومالوش رجوع".
أما عن منهج الدراسة، فيوضح الحوامدة أنه اعتمد المنهج الوصفي التحليلي، القائم على قراءة شعر عويس وتحليله فنيًا ودلاليًا، من دون الاكتفاء بسرد النصوص واستخلاص سماتها العامة، بل بتفكيكها والتعليق عليها ومناقشة تقنياتها، وصولًا إلى صورة متكاملة عن تجربته الشعرية وأدواته الفنية في إيصال الفكرة إلى المتلقي.