عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Nov-2019

الشفاعة بين المرويات وآيات القرآن - د. محمد الفقيه
 
الدستور- أنا كمسلم ينبغي أن أنطلق في تشكيل معتقداتي وأفكاري من كتاب الله تعالى، لأن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الحقيقة المطلقة التي لا يتطرق إليها الشك مطلقا، وقد أخبرنا الحق عز وجل أن كتابه العزيز بيانا لكل شيء فقال تعالى : ...وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ / النحل (89).
إن مفهوم الشفاعة من المفاهيم التي اعتراها الكثير من الضبابية والغبش وعدم الوضوح ؛ وذلك بسبب أن مصدر المعرفة حول هذه القضية العقائدية غالبا هو المرويات سواء كانت صحيحة السند أو غير ذلك، وبسبب الإعراض عن كتاب الله في جعله المصدر الرئيس في الكشف عن حقيقة الشفاعة .
سأتناول في طرحي لموضوع الشفاعة بعض المرويات الحديثية وعرضها على كتاب الله للوقوف على مدى الاتفاق والافتراق فيما بينها على النحو التالي :
أولا : الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح، قال صلى الله عليه وسلم : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.
فالحديث كما هو واضح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيشفع لأصحاب الكبائر يوم القيامة، وأصحاب الكبائر هم القتلة والسحرة والزناة وقطاع الطرق، وشاربوا الخمر والعاقون لوالديهم وما الى ذلك من أصحاب الكبائر، وإن لم يتوبوا طالما أنهم دخلوا في حضيرة الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله .
لنضع هذا الحديث في ميزان القرآن لنرى مدى توافقه وانسجامه مع كتاب الله الذي هو تبيان لكل شيء .
1- لنرى ماذا يقول الله تعالى في محكم التنزيل، قال تعالى : إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا / النساء (31) .
فالآية تدل دلالة واضحة على أن اجتناب الكبائر هو شرط لا بد منه لتكفير السيئات، حيث لا سبيل آخر لمغفرة الله إلا اجتناب الكبائر .
2- قال تعالى : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى 31 الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ  النجم (32) .
فالآية الكريمة تقرر ميزانا عادل للجزاء وهو العمل، ولا سبيل للجزاء إلا العمل، وتقرر بشكل جلي أن السبيل الى الحسنى وهي الجنة هو اجتناب الكبائر.
3- وهناك الكثير من الآيات الدالة بشكل صريح على أن ارتكاب الكبائر يؤدي الى الخلود في نار جهنم، ومن هذه الآيات ما يلي :
- قال تعالى : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا / النساء (93)
- وقال تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ / البقرة (275).
وبعد استعراض الآيات القرآنية التي تتناول أصحاب الكبائر والتي تبين مصيرهم المحتوم وهو الخلود في جهنم، وبين الحديث الذي يقول : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، لنضعهما في كفتي الميزان ونرى مدى التوافق والتوازن بينهما .
فكما هو واضح أن الحديث يتعارض ويتصادم مع آيات القرآن الكريم بشكل واضح وجلي.
ومما يؤسف له وكأن الحديث فيه دعوى لاقتراف واجتراح الكبائر وكأنه لن ينال الشفاعة إلا من ارتكب هذه الكبائر، والحديث فيه دعوة للتكاسل والتواكل والاستخفاف بارتكاب الكبائر ؛ لأن هذه الكبائر ستغفر بالشفاعة.
علما بأن الله تعالى بين بشكل واضح بأن الظالمين ليس لهم شفيع يطاع ولم يقل الكافرين، فقال تعالى : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ / غافر (18).
وقال تعالى : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ الزمر /(19).
فالقول أن المسلم إذا ارتكب الكبائر والخطايا وإذا اجترح السيئات يمكن غفرانها وتجاوزها من خلال الشفاعة فهذا مخالف لمنطق العقل والدين، فالمسلم وبعد أن عرف الحق وعرف طريقه وبعد أن عرف الله؛ فعقوبته أشد من عقوبة من لم يعرف الله،ولم يعرف الإسلام، ولم يعرف طريق الإستقامة، لذلك تأمل خطاب الله لرسوله قال تعالى : وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74)إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا. الإسراء (75).
إذا من يخالف أوامر الله بعد أن عرفها واستيقنتها نفسه يستحق العذاب المضاعف عند الله، هذا هو المبدأ الإلهي الذي يقرره القرآن الكريم، وليس ما تقرره الروايات والتي تفتح الطريق مشرعة لممارسة المنكرات وتفتح لهم نافذة في نهاية النفق من خلال رواية منسوبة الى الرسول صلى الله عليه وسلم : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ).
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات