عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2026

"غاب بلا شريعة"* غازي العريضي
المدن -
بعد اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي مادورو، ونقله إلى نيويورك، أعلن الرئيس ترامب: "فنزويلا ستسلّم ما بين 30 و 50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة. سيباع هذا النفط بسعر السوق وسأتحكم انا بصفتي رئيساً لأميركا بهذه الأموال لضمان استخدامها لمصلحة شعب فنزويلا وأميركا، وسفن التخزين ستنقل النفط مباشرة إلى أرصفة التفريغ"! وهدّد كولومبيا ورئيسها بمصير مشابه. ردّ الرئيس الكولومبي غوستاف بييترو بأنه سيعود إلى حمل السلاح دفاعاً عن بلاده وسيادتها! 
سلّمت الرئاسة لنائبة مادورو فطلب ترامب أن تلبي طلباته وأن يكون تعاملها مختلفاً عن تعامل سلفها الذي بات مصيره واضحاً أمام الجميع! ثم اطلقت تهديدات باتجاه كوبا، لكن ترامب قال: "لن نقوم بعملية مماثلة لعملية فنزويلا. النظام الكوبي ضعيف وسيسقط من تلقاء ذاته". رسائل الرغبة بالسيطرة والهمينة على عدد من الدول تذهب في كل اتجاه وصولاً إلى غرينلاند الدانماركية، ترامب يريدها بأي ثمن وأي طريقة، هي منطقة استراتيجية مهمة غنية بنت فيها أميركا قاعدة عسكرية كبيرة. لكن ترامب لا يريد فقط القاعدة. يريد كل الجزيرة. يريد مواردها. 400 مليون طن من المعادن الأرضية النادرة الضرورية للتكنولوجيا الحديثة والهواتف الذكية ومحركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والأسلحة. يريد بذلك منافسة الصين بالسيطرة على المعادن النادرة أينما وجدت. هي حرب اقتصادية مستقبلية صناعية مالية استعمارية. وموقع غرينلاند على المحيط الشمالي والمحيط الأطلنطي مهم. وثمة تحسب لانحباس حراري قد يؤدي إلى ذوبان الجليد وبالتالي فتح ممرات مائية جديدة في القطب الشمالي ولذا ثمة تسابق أميركي – صيني – روسي وترامب لن يقبل بغير السيطرة الأميركية بالتأكيد، ولذلك قال: "سنتولى أمر غرينلاند باللين أو بالشدة".
ضرب الرجل ضربته وبدأت ماكينته السياسية والإعلامية بالترويج للمرحلة المقبلة: "القرار لنا. نحن أسياد العالم". لم تكن ردات فعل مهمة في وجهه بمستوى ما فعله. بل ثمة نوع من التسليم بأن هذا الرجل قد يفاجئ العالم في أي وقت وموقع بعمل ما مماثل. لذلك غيّرت الرئيسة الفنزويلية الجديدة موقفها، تطالب بإعادة الرئيس نظرياً وهو بين أيدي قضاة ترامب ومصيره معروف. انتهى مادورو. وبالتالي هي تريد علاقات جيدة مع أميركا وقد رحب الرئيس الأميركي بذلك. الرئيس الكولومبي وضع تهديداته بحمل السلاح جانباً وقال: "قلت ذلك لأنه كان يهدّد باعتقالي. اتصلت به والمكالمة كانت جيدة". واستبق ذلك بقول معبّر: "ان التحالف مع الصين وروسيا لم يثبت أنه مجد"! أبدى ترامب ارتياحه وأعلن: "فنزويلا لا تعرف كيف تجري الانتخابات حالياً. تحتاج إلى إعادة بنائها. وهذا سيستغرق بعض الوقت. سنبقى هناك حتى نعيد الأمور إلى نصابها. وعصابات المخدرات تدير المكسيك اليوم". في رسالة واضحة للدولة الجارة التي يريد إخضاعها وبنى سوراً حولها ويريد طرد المهاجرين منها ومن دول أخرى والتخلص منهم على الأرض الأميركية .
نائب الرئيس جي دي فانس قال: "نريد ضمان تنفيذ حكومة فنزويلا ما نطلبه منها. وعلى قادة أوروبا أن يأخذوا ما يعلنه ترامب بشأن غرينلاند على محمل الجد. ان العملية في فنزويلا ستجعل بلدنا أقوى وأعظم وترامب يعزّز الجيش الأميركي". بدوره أعلن ترامب: "سنتولى أمر غرينلاند باللين أو بالقوة". "فنزويلا قدمت لنا 30 مليون برميل نفط – يعني نفذت ما أراده – والشعب الأميركي سيحصل على اسعار طاقة منخفضة بسبب نفط فنزويلا. والشركات الأميركية ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا. ستنفق 100 مليار دولار لإعادة البنية التحتية النفطية. أميركا بنت منشآت الطاقة هناك وهم سرقوا أموالنا وسنستعيد ما أخذ منا في قطاع النفط الفنزويلي وشركات النفط ستتعامل مباشرة مع اميركا وليس مع فنزويلا"! "الأمور تسير على ما يرام مع من يقود فنزويلا اليوم ونحن نستعيد أموالنا النفطية منها الآن"!
اللافت هنا هو أن ترامب ينفذ ما خطط له كيسنجر عام 75 بعد حرب تشرين في منطقتنا واستخدام الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز سلاح النفط في وجههم، وكانت طوابير السيارات تملأ شوارع الولايات المتحدة كلها. يومها قتلوا الملك في ديوانه ليكون عبرة لمن يعتبر. أعلنوا أن النفط ليس ملك القابعين عليه. هو ملك الشعوب والحضارة. سلعة عالمية تدار عالمياً. عقدوا اتفاقات نفطية بأسعار متدنية ولآجال طويلة وذهبوا إلى استخراج النفط الصخري كي لا تتكرّر معهم أي تجرية مماثلة لاحقاً. وقال كيسنجر: "سنعيد أولئك البدو إلى خيامهم الأولى وسنستعيد كل دولار دفعته الشعوب والحضارة. لقد بدأ المال يعود إلى خزائنه الأولى"! وأشرنا إلى ذلك في كتابنا: "لبنان الثمن الكبير للدور الصغير" بتاريخ 4/1/1995.
يبدو اليوم أن هذه السياسة تمثل رؤية استراتيجية متكاملة تنفذ بأسلوب ترامبي ويُدار العالم وكأننا في غاب بلا شريعة، الساحات والمساحات والفضاءات والواحات والثروات متاهات لأصحابها الحقيقيين وملكيات لأسياد الغاب المتجاوزين كل الشرائع والشرعيات والأنظمة والدساتير والأصول والقوانين والكارثة الكبرى تنتظر منطقتنا العربية ..
أذكّر دائماً بما قاله الكبير كمال جنبلاط في توصيفه لوضع لبنان في مرحلة معينة: "إننا نعيش في شريعة الغاب .أخشى ما أخشاه أن نصبح في غاب بلا شريعة، ساعتئذ يتهدّد الكيان".
يبدو أن العالم أصبح في هذه الحال وأن كيانات كثيرة مهدّدة!