عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Jan-2026

أمل الحكومة في غزة أن تفشل الخطة الأميركية

 الغد

هآرتس
عاموس هرئيل
30/1/2026
 
تستند سياسة حكومة إسرائيل في قطاع غزة في الوقت الحالي على أمل واحد وهو أن تنهار في الأشهر القادمة مساعي الولايات المتحدة لفرض واقع أمني وسياسي جديد في القطاع. وعندها ربما يعطي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لمحاولة إعادة احتلال القطاع.
 
 
 هذه المرة يأمل المؤيدون أن يقوم الجيش الإسرائيلي بنزع سلاح حماس بالفعل، ويمهد الطريق لنصر كامل حتى لو تأخر. ولكن نتنياهو لن يقوم بهذه الخطوة إلا إذا كانت تخدم هدفه الرئيس وهو البقاء في الحكم والفوز في الانتخابات.
إعادة جثة آخر المخطوفين، ران غوئيلي، أنهت قضية الاختطاف في هذا الأسبوع، حيث تم العثور على الشرطي غوئيلي، الذي قُتل أثناء الدفاع عن كيبوتس عالوميم في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، في مقبرة جماعية في شرق مدينة غزة بين مئات جثث الفلسطينيين. ومع إزالة آخر عقبة يبدو أن ترامب مصمم على التنفيذ الفعلي للمرحلة الثانية في الاتفاق الذي فرضه على الأطراف في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. ومن المفروض أن تشمل هذه المرحلة البدء في بناء أحياء جديدة في رفح، وبعد ذلك في مناطق أخرى في القطاع، في نصفه الشرقي الذي يخضع حاليا لسيطرة إسرائيل.
في نفس الوقت ستبدأ حكومة التكنوقراط الفلسطينية والهيئات الدولية المكلفة بمساعدتها ومراقبة عملها، بما في ذلك قوة الأمن والاستقرار، بالتحرك. وهناك أمور أخرى مهمة لإسرائيل، من بينها طلبها من حماس نزع سلاحها.
 وتقول الإدارة الأميركية بأنها ستعطي حماس مهلة 100 يوم للاستعداد من أجل ذلك، وإذا لم يتم هذا فستضطر إلى التدخل بنفسها (أو ترك الأمر لإسرائيل). وستحاول حماس التوصل إلى اتفاق لتسليم السلاح الثقيل، بما في ذلك ما بقي من ترسانة الصواريخ الضخمة التي كانت تمتلكها عشية الحرب، وسيدور الخلاف حول التمييز بين المسدسات والرشاشات. قد توافق إسرائيل على حاجة رجال الشرطة المتماهين مع حماس لحمل المسدسات للدفاع عن النفس، لكن بندقية الكلاشينكوف هي سلاح هجومي قادر على إحداث أضرار جسيمة مثلما ثبت في يوم المذبحة.
في الجيش الإسرائيلي أُعِدَّت خطط عملياتية لاحتلال قطاع غزة إذا انهار الاتفاق. مع ذلك، فإن التعليمات الصادرة للجيش هي عدم عرقلة تنفيذها وإثارة غضب الأميركيين. وقد يتصاعد التوتر من جديد حول معبر رفح، الذي تسعى الإدارة الأميركية إلى تسريع فتحه. تشعر إسرائيل بالقلق وتؤكد بشكل خاص على ضرورة السيطرة على دخول البضائع من مصر إلى الطرف الفلسطيني نظرا لوجود طريق تهريب السلاح التي تمر عبر المعبر بمساعدة مصرية منذ الانفصال في 2005. بتوجيهات أميركية، فإن إسرائيل تهتم بأن تدخل إلى القطاع ما يقارب 4200 شاحنة في الأسبوع، تحمل مواد ومساعدات إنسانية. لكن الحاجة الفعلية، يقولون في قسم منسق أعمال الحكومة في المناطق، بصعوبة تصل إلى ربع هذه الكمية. ما زالت الحياة في القطاع بعد وقف إطلاق النار صعبة جدا، لكن مقارنة بأيام الحرب الضارية، فإن نقص الاحتياجات اليومية أقل حدة، وهناك وفرة في بعض أنواع السلع. قلق إسرائيل يتمحور حول الضرائب التي تجبيها حماس والتي تبلغ 15 في المائة على كل شاحنة، أي 10 ملايين شيكل في الشهر. من يتحدث حاليا عن تخلي حماس الكلي عن السيطرة في قطاع غزة مقطوع عن الواقع، وإذا حدث ذلك في المستقبل فسيكون نتيجة تصميم الولايات المتحدة (في هذه الأثناء واشنطن تفضل غض النظر) أو الضغط العسكري الإسرائيلي.
لقد انشغل نتنياهو في هذا الأسبوع بتعزيز روايته البديلة حول مجريات الحرب. لقد سمحت له إعادة جثة غوئيلي بالتركيز على قوله بأنه قد أوفى بوعده بإعادة جميع المخطوفين.
 لقد تجاهل رئيس الحكومة حقيقة أن 85 مخطوفا من بين الـ 250 تمت إعادتهم أمواتا من القطاع، وأن أكثر من نصفهم قتلوا هناك بعد اختطافهم وهم أحياء.
 إن قرار نتنياهو تأجيل المفاوضات حول الصفقات التي امتدت لسنتين تقريبا أودى بحياة المخطوفين حتى لو كانت حماس هي المتسبب الرئيس في هذه المأساة. ومطالبته بالحصول على الفضل في إنجاز إعادة المخطوفين لا تمت بصلة لرفضه تحمل أي مسؤولية ولو ضئيلة عن الكارثة التي وقعت في عهده.
إن بناء واقع بديل انعكس أيضا في الادعاء الملتوي المضلل الذي وجهه هذا الأسبوع للرئيس الأميركي السابق جو بايدن. إن خلفية استحضار بايدن واضحة.
 في مقابلة مع مجلة "إيكونوميست" في الأسبوع الماضي زعم نتنياهو أنه أمر الجيش الإسرائيلي بالامتناع عن القصف الكثيف في قطاع غزة بهدف تقليل الخسائر في أوساط المدنيين. بل إن رئيس الحكومة اعترف بنفسه بقتل جنود من الجيش الإسرائيلي نتيجة هذا القرار.
لكن ما كان يفترض أن يخفف من حدة التوتر في الخارج لم يحصل على القبول لدى القاعدة السياسية في الداخل، التي تعارض بشدة أي ادعاء بشأن استخدام القوة العسكرية. وفي ضوء انتشار تصريحاته للمجلة فقد احتاج رئيس الحكومة إلى حرف الانتباه بسرعة. وهكذا ولد اتهام بأن الجنود قتلوا في الحرب الحالية بسبب نقص الذخيرة، الذي نشأ نتيجة حظر السلاح الذي فرضته إدارة بايدن.
لهذا السبب، أضاف نتنياهو، أنه "عازم على عدم العودة إلى هذا الوضع" وبالتالي، سيعمل على تعزيز قدرة إسرائيل على إنتاج السلاح بشكل مستقل من الآن فصاعدا. وقد تم استدعاء أحد مستشاري بايدن، عاموس هوخشتين، للدفاع عنه، الذي هاجم نتنياهو واتهمه بنكران الجميل وتزوير التاريخ.
هوخشتين محق تماما بشأن نكران الجميل، فهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها نتنياهو بايدن بعد رحيله بينما يمتدح ترامب. في الواقع لقد هب بايدن لنجدة إسرائيل في واحدة من أصعب لحظات تاريخها، بالوقوف إلى جانبها بعد هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) وتهديد حزب الله وإيران بعدم التدخل في الحرب وقراره إرسال أكثر من 15 مليار دولار كمساعدات أمنية إضافية لمساعدة الجيش الإسرائيلي على تجاوز الحرب الإقليمية.
لا تختلف مشاعر بايدن الإيجابية تجاه إسرائيل عن مشاعر ترامب. مع ذلك، صحيح أنه في أيار (مايو) 2024، على خلفية الجدل حول دخول الجيش إلى رفح، فرضت الولايات المتحدة قيودا على نقل السلاح لإسرائيل. وقد تمثلت الخطوة العلنية في وقف شحنات القنابل الدقيقة بوزن طن لسلاح الجو. إضافة إلى ذلك اشتكت المؤسسة الأمنية من تأخير توريد الجرافات ونقص قذائف الدبابات. وقد تمسك نتنياهو بقراره بشأن دخول رفح.
 وكان الأميركيون يأملون أن تقلل القيود المفروضة على توريد السلاح الثقيل من حجم القتل والدمار في المدينة. ربما نجحوا في ذلك – في كل الحالات نتنياهو أوفى بوعده بأن الجيش الإسرائيلي سيكون قادرا على إجلاء جميع السكان الفلسطينيين من منطقة رفح في غضون أيام قبل دخول القوات البرية.
هل تسببت عقوبات بايدن بسقوط المزيد من الجنود القتلى؟ الأمر غير واضح أبدا.
 ففي نهاية المطاف لا يغني القصف الجوي عن الحاجة إلى إرسال القوات البرية كما تبين في قطاع غزة وبعد ذلك في جنوب لبنان. وحتى بعد الدمار الكبير الذي لحق بالمباني في قطاع غزة، فقد اكتشف الجيش الإسرائيلي أن أعضاء حماس كانوا يخرجون من الأنفاق ويختبئون بين الأنقاض لشن هجمات على القوات من هناك.
 إن وصف نتنياهو غير دقيق ومجحف وهو بالتأكيد يشوه الحقيقة لأغراض سياسية. لا يكاد أحد يتطرق إلى الحزن الذي ألم بعائلات الجنود الذين قتلوا في رفح وإلى الشكوك التي ستملأ قلوبهم الآن حول ملابسات استشهاد أولادهم.
في الشبكات الاجتماعية تطورت في السنوات الأخيرة نظرية شبه مؤكدة تفيد بأنه يمكن ظاهريا التنبؤ بتحركات عسكرية أميركية غير معتادة بناء على حجم طلبات البيتزا من المطاعم القريبة من البنتاغون في واشنطن. قد يكون هذا استنتاجا متسرعا، وربما جزءا من عملية تضليل، لكن بالنظر إلى عدد السيارات المتوقفة في المساء هذا الأسبوع في مقر هيئة الأركان العامة في تل أبيب، يبدو أن هناك متسعا من الوقت قبل تنفيذ الهجوم الأمريكي على إيران. فإما أن إسرائيل حذرة من كشف خطط الولايات المتحدة أو أنها ببساطة لا تعرف بعد ما الذي يخطط له ترامب، أو ربما أن ترامب نفسه لا يعرف.
الأمور ظهرت مختلفة في 14 الشهر الحالي، ففي الثامن منه بلغت الاحتجاجات في إيران الذروة وشن النظام حملة دموية لقمع المظاهرات بتوجيه مباشر من الزعيم الأعلى علي خامنئي. في تلك الليلة أطلق عناصر حرس الثورة ومليشيات الباسيج، وكثير منهم كانوا يركبون دراجات نارية، النار مباشرة على الحشود التي خرجت إلى الشوارع للأسبوع الثاني على التوالي في طهران ومدن أخرى. لقد قُتل وأصيب آلاف المواطنين الإيرانيين في تلك الليلة، وبدرجة أقل في الليالي التالية، إلى أن تم قمع المظاهرات (مع ذلك التسريب الذي يشير إلى قتل نحو 30 ألف شخص في المظاهرات لا تدعمه حاليا معلومات استخباراتية موثوقة وتشكك فيه المؤسسة الأمنية).
في الغرب عرفوا بتأخير ما عن حجم المجزرة نظرا لانقطاع إيران شبه التام عن الإنترنت. وبحلول الوقت الذي قرر فيه ترامب شن الهجوم في 14 كانون الثاني (يناير)، كان زخم الاحتجاجات قد خفت بالفعل، الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي في نهاية المطاف إلى التراجع وتأجيل الهجوم. وقد سبق ذلك توصيات من جنرالات أميركيين، ومن نتنياهو أيضا. لقد أيد رئيس الحكومة الهجوم الأمريكي، لكن ليس بالطريقة التي تم التخطيط لها.
 وقد أشار إلى ترامب بأن منظومة اعتراض الصواريخ الأميركية لم تكن قد نشرت بالكامل في الشرق الأوسط، الأمر الذي قد يعرض إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة للإصابة. وأضاف نتنياهو أن خطة الهجوم لم تكن كافية لإسقاط النظام في إيران.
بيان الإلغاء الأميركي وصل إلى إسرائيل في تلك الليلة بعد منتصف الليل بنصف ساعة. لقد فُرغت مواقف السيارات في مقر وزارة الدفاع التي كانت مكتظة تماما. ومنذ ذلك الحين أصبحت كل المنطقة في حالة تأهب. في الأيام الأخيرة نقل الأمريكيون المزيد من منظومات الدفاع إلى الشرق الأوسط، لكن هناك صعوبة أخرى الآن، مثلما أوضح المحلل غريغوري بورو، المتخصص في الشؤون الإيرانية أمس.
 فحسب أقواله اكتملت الاستعدادات الأميركية للهجوم فعليا مع حشد المزيد من القوات الهجومية ووصول القوة البحرية إلى المنطقة، إلا أن الزخم الداخلي في إيران قد فُقد بسبب القمع الوحشي للاحتجاج.