الغد-عزيزة علي
يقدم كتاب "جدل الغنائية والدرامية: دراسات وقراءات في الشعر الفلسطيني الحديث" لأستاذ الأدب والنقد في جامعة فيلادلفيا، د. محمد عبيد الله، دراسة موسعة ومتعددة الأبعاد للشعر الفلسطيني الحديث والشعبي.
ويستعرض الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون"، تجارب شعرية لأجيال مختلفة، من الرواد إلى الشعراء المعاصرين، مثل محمود درويش، فدوى طوقان، علي فودة، نوح إبراهيم، وعز الدين المناصرة، إلى جانب التركيز على الشعر الشعبي المغنى وقوالبه التقليدية، مثل العتابا، الميجنا، والدلعونا.
ويناقش المؤلف دور الشعر الفلسطيني في التعبير عن الهوية الوطنية والمقاومة، وتوثيق الأحداث التاريخية، وتعزيز الوعي الجمعي. كما يستعرض كيف وظف الشعراء الشعبيون والفنانون هذه الأشكال لإيصال رسائل الثورة والصمود، مع التركيز على جدلية الغنائية والدرامية في القصيدة وأثر الموروث الشعري والغنائي في تطور الشعر المعاصر.
يشتمل الكتاب على دراسات وقراءات مختارة في الشعر الفلسطيني الحديث، تتناول تجارب شعرية تنتمي إلى أجيال مختلفة، من بينها محمود درويش، علي فودة، معين بسيسو، عز الدين المناصرة، وليد سيف، هارون هاشم رشيد، فدوى طوقان، محمد إبراهيم لافي، ونجوان درويش، إضافة إلى التوقف عند ظاهرة الشعر الشعبي ودوره في المقاومة وحماية الذاكرة الوطنية.
ويشير عبيد الله، في مقدمته، إلى أن الكتاب يجمع دراسات وقراءات كتبها في مراحل زمنية متباينة، لتتكامل فيما بينها، معبرا عن اهتمامه المبكر والمستمر بالشعر منذ نشأته في مخيم الكرامة، مرورا بدراسته الجامعية، ووصولا إلى عمله في مجال التعليم، رغم انشغاله جزئيا بالنثر والسرد العربي.
ويؤكد أن الشعر الفلسطيني شكل حضورا دائما في تجربته الثقافية، مع اهتمام خاص بتجربة محمود درويش، إذ كتب عنها باستمرار وأصدر كتابا مستقلا حول قصائده العام 2021، كما يخصص في هذا الكتاب فصلين لتسليط الضوء على تجربته الشعرية ومنهجه في قراءتها.
يستعرض المؤلف تجربته مع الشاعر عز الدين المناصرة، مؤكدا فرادة تجربته وعمق معارفه التي أضفت على شعره طابعا مميزا. ويشير إلى نحو عشرين عاما من النقاش والحوار حول الشعر الفلسطيني جمعته بالمناصرة، مع تسجيل اختلافه النقدي معه أحيانا، ولا سيما في مقاربته لتجربة محمود درويش، وذلك على الرغم من تقديره العالي لشاعريته، وقد استمر هذا التباين حتى وفاتهما.
خصص الكاتب دراسة موسعة للشاعر الشهيد علي فودة، تعد من أشمل القراءات لأعماله، ونشرت ضمن ملف في مجلة "الشعراء" العام 2003، بالتزامن مع صدور أعماله الكاملة، مع الإشارة إلى إسهامات رشاد أبو شاور وعز الدين المناصرة في جمع ونشر تراث فودة، بما في ذلك قصائد مخطوطة سبقت نشرها في دواوينه.
يضم الكتاب قراءات متجددة لأعمال تعكس تنوع الأجيال الشعرية، من الرواد إلى جيل السبعينيات وصولا إلى الجيل الأحدث الذي أفاد من التجارب السابقة وتطورات الشعر العربي.
تكشف هذه الدراسات تنوع الشعر الفلسطيني وارتباطه بالقضايا الوطنية والجمالية، وإسهامه في تطوير جماليات الشعر العربي عبر عناية خاصة باللغة والصورة والتجديد الفني، رغم التحديات التي واجهها الشعراء. كما يركز الكتاب على جدل الغنائية والدرامية في القصيدة الفلسطينية، موضحا أن التراجيديا الوطنية والاحتلال دفعا الشعر إلى تجاوز الأشكال الغنائية التقليدية نحو صيغ تعبيرية أكثر قدرة على تمثيل المعاناة والثورة والآمال والآلام، بما أسهم في تطوير المضمون والشكل الشعري.
ولا شك أن ثمة تجارب وظواهر شعرية عديدة جديرة بالبحث، غير أن غيابها عن هذا الكتاب يعود إلى طبيعة الاختيار وحدود الجهد الفردي، إذ تمثل هذه القراءات جزءا من المشهد الشعري لا مجمله. ويأمل عبيد الله أن يقدم الكتاب فائدة للقارئ في زمن يشهد تراجعا في تجدد الشعر ونقده، وأن يسهم، ولو بقدر محدود، في إثراء المكتبة الشعرية، مذكرا بمكانة الشعر فلسطينيا وعربيا بوصفه سجلا للوجدان الجمعي والثقافة والحضارة وصراع البقاء، ومؤكدا أن الشعر الفلسطيني المعاصر يواصل التعبير عن الوعي الجمعي وطموحات الشعب الفلسطيني.
يشير عبيد الله إلى أن الشعر الشعبي اضطلع بدور بارز في مسيرة الفلسطينيين، إذ رافق حياتهم اليومية وأحداثهم، مستندا إلى ارتباطه الوثيق بالجماعة وقرب الشاعر الشعبي منها، وتعبيره عن همومها باللهجة المحكية المتداولة في الحياة اليومية.
ويرى أن الشعر الشعبي العربي الفلسطيني يشمل كل كلام منظوم باللهجة الفلسطينية الدارجة، سواء جاء في شكل أغان فرِحة أو حزينة، أو قصائد يلقيها الشعراء الشعبيون، وقد تؤدى أحيانا على أنغام الربابة، بما يبرز اقترانه بالغناء والأداء شبه الغنائي، انسجاما مع طبيعته الشفاهية في الإنتاج والتلقي.
يشير عبيد الله إلى أن أحد الباحثين أحصى ثمانية وثلاثين شاعرا شعبيا ظهروا في القرن العشرين من مختلف مناطق فلسطين والمهجر، مع الإشارة إلى أن هذا العدد يمثل أبرزهم لا جميعهم، إذ يصعب حصر الشعراء الشعبيين لتفرق بيئاتهم واعتمادهم على المشافهة في نقل الشعر. كما أن الحالة الفلسطينية تحمل أسبابا إضافية وراء غياب أسماء بعض الشعراء، تتعلق بالطابع الوطني والسياسي، حيث ينشر بعضهم قصائدهم من دون توقيع لضمان وصول الرسالة وتجنب الرقابة أو التعرض للعقاب، وقد وثقت الوقائع تعرض بعضهم للسجن والملاحقة بسبب أعمالهم.
تعد تجربة الشاعر نوح إبراهيم رائدة في ربط الشعر الشعبي بحركة المقاومة، معبرا عنها بألوان متنوعة من الشعر الوطني والسياسي، وبأساليب جادة وساخرة تهدف إلى مواجهة المحتل وتحفيز الجماهير. وقد وجد الشعراء والمغنون ضالتهم في القوالب التقليدية من حيث الأوزان والألحان، سعوا إلى تجديدها وتكييفها مع الموضوعات والهواجس الوطنية للشعب الفلسطيني، متابعين مسيرته وأحداثه. ومعظم القصائد المغناة اليوم هي ثمرة تعاون بين شعراء ومغنين وملحنين ملتزمين بالقضية الفلسطينية، مع الحفاظ على أصول هذه القوالب التي يقدرها المتخصصون في تاريخ الشعر والغناء في فلسطين.
يرى عبيد الله أن الموروث الشعري والغنائي يشكل ظاهرة فنية متماسكة تؤثر في تطور الشعر الفلسطيني المعاصر، وتتجلى في أعمال شعراء بارزين، مثل محمود درويش، سميح القاسم، عز الدين المناصرة، أحمد دحبور، محمد القيسي، فواز عيد، علي فودة، وليد سيف، توفيق زياد، خالد أبو خالد، مريد البرغوثي، ومحمد حسيب القاضي، وقد تناولها بعض الباحثين بالدراسة والتحليل وما تزال تحظى باهتمامهم.
ويعد الشعر الشعبي والقوالب الغنائية والشعرية مصدر قوة للشعر الفلسطيني، ووسيلة للتعبير عن الهوية والسعي نحو الخصوصية، كما تمثل لحظة محورية من التقاء الشعر الشعبي بالفصيح في التجربة الفلسطينية.
شهدت ستينيات القرن العشرين صعود المقاومة الفلسطينية وتشكل منظمات مختلفة اختلفت فكريا لكنها اتفقت على العمل الثوري لتحرير فلسطين، أبرزها حركة فتح ومن ثم منظمة التحرير الفلسطينية، وقد أسهم الشعر والأدب في التعبير عن ثقافة المقاومة وتعزيز معنويات الفلسطينيين، سواء المقاومين أو العائلات الداعمة.
تناول الشعر الفلسطيني الشعبي، بما في ذلك الشعبي المغنى، قوالب متعددة استخدمت للتعبير عن هموم الشعب الفلسطيني، والحفاظ على عناصر الهوية والمقاومة، وتأريخ الأحداث المؤثرة، وتعزيز الوحدة والأمل في تحرير الوطن وعودة اللاجئين. من أبرز هذه القوالب العتابا والميجنا، أشهر الأغاني الشعبية في فلسطين، خاصة في الريف، حيث كانت تغنى في السهرات والمناسبات الاحتفالية وعلى ألسنة الرعاة والمزارعين والعمال.
أما العتابا فتأتي على البحر الوافر، وتتألف من أربعة أشطر تعتمد على الجناس، مختومة بقافية الباء في الشطر الرابع، مع وجود تنويعات تزيد عدد الأشطر أو تلتزم بحروف محددة بنظام يشبه "لزوم ما لا يلزم".
ومن أبرز أغاني الدلعونا الوطنية التي بقيت متداولة في فلسطين حتى اليوم أغنية "من سجن عكا طلعت جنازة"، التي لم يعرف قائلها بدقة، ويرجح أن الشاعر نوح إبراهيم نظمها في شبابه من دون نسبها لنفسه خوفا من بطش الإنجليز. وتخلد هذه القصيدة حادثة إعدام الشهداء الثلاثة: محمد جمجموم، عطا الزير، وفؤاد حجازي في 17 حزيران (يونيو) 1930، ممجدة أبطالها ومناهضة للمندوب السامي البريطاني. وقد توسع استخدام قالب الدلعونا، الذي نشأ للغزل والحب، ليصبح وسيلة للتعبير الوطني والمقاوم.
ركز الشعر والغناء الشعبي على المقاومة فكرة وعملا، لا سيما في مرحلة صعود حركة المقاومة، حيث رسم صورة مثالية للفدائي الفلسطيني كعنصر أساسي في تحرير الوطن. وتبرز الدلعونا هذه الصورة، مذكرة بالبندقية والأسلحة، ومشيرا إلى دور الفدائيين ودعم النساء للمقاومة، في رسالة تهدف إلى تحفيز المشاركة رغم القيود الاجتماعية في تلك الفترة.
كما رصد الشعر الشعبي الفلسطيني معاناة الشعب الفلسطيني ونضاله منذ الاحتلال العثماني مرورا بالاحتلال البريطاني وصولا للصهيوني، مصورا بطولات المجاهدين، مثل أبو كباري وعبد القادر الحسيني، وموثقا معاناة السجناء والمشردين واللاجئين عبر أشكال شعرية متنوعة.
وخلص المؤلف إلى أن الشعر الشعبي الفلسطيني لعب دورا وطنيا محوريا في توثيق التاريخ، والحفاظ على الهوية، واستنهاض المقاومة، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة إلى وطنه.