الدستور
مرّ أمس اليوم العالمي لحرية الصحافة متخفيا، وكأن أحدا لم ينتبه، أو كأن أحدا لم يعد يعنيه أن ينتبه أصلا. لا ضجيج، لا احتفاء، لا وعد بالتغيير أو حتى بالتقييم والمراجعة. ذلك اليوم غدا مناسبة بروتوكولية غريبة لا تحتفل بالمهنة بقدر ما تفضح هشاشتها.
في ذلك اليوم رُفعت في دول العالم الشعارات ذاتها: الحق في الوصول إلى المعلومة، حماية الصحافيين، حرية التعبير. لكن الواقع يكشف مشهدا مغايرا: حرية مسحوقة، صحافة منهكة، وصحافيون تائهون بين الرقابة، والمجهول، والخوارزميات المقيدة.
الصحافة التي كانت ترج القارب وتقلق السلطة، وتربك الروايات، وتعيد ترتيب الأسئلة، صارت تتدرب على الصمت الانتقائي وتتقنه بحرفية. الحرفة غدت درسا في البقاء لا في التصدي لتقدم الحقيقة مهما كان الثمن. كيف تكتب دون أن تُقصى وتستبعد؟ كيف تسأل دون أن تغضب المسؤول والممول أو أن تخدش ذوق المنصة؟
الصحفي المطلوب اليوم هو ظل بلا روح، لا يشك ولا يطالب بشيء ولا يفكر بشيء، بل يجتر العبارات والكلاشيهات المرضي عنها. والأهم أن عليه اقناع أو بالأحرى إرضاء جمهور يستهلك الأخبار كما يستهلك النكات ووصفات الطبخ، ويقاوم سوقا يتسابق (يتهاوى) فيها الجميع على التفاهة وإليها.
في بعض الزوايا المنسية، لا تزال تدرّس قيم الصحافة: الانحياز للحقيقة، النزاهة، الشغف، والأهم التحقق. لكن بعض غرف التحرير تحولت إلى فراغات رقمية، بلا جدل، بلا معلمين. صحافة الويب المعقّمة تنتج محتوى بلا قلب، والذكاء الاصطناعي ينسخ بغباء دون أن يطرح سؤالا يرجُّ القارب، ويمتحن المعنى ويستنبط الحقائق.
كانت الصحافة تكتب بالحبر والحياة. والآن تكتب للتسويق والبرباغندا والاستعراض. انكمشت المادة الجادة، وتفوق المحتوى المعلب، وتحول الصحافي من راوٍ للحقيقة إلى ترس في ماكينة تدور حول نفسها.
ومع ذلك، لا تزال هناك محاولات عنيدة صامدة. أقلام تكتب رغم القيود، وضمائر لا تقولب، وقلوب تؤمن أن الصمت ليس حيادا، بل خيانة. في زمن يضيق فيه الهامش وتضيع فيه الحقيقة، يصبح كل سطر مقاومة، وكل كلمة موقفا أخلاقيا.
ربما لم نعد نملك صحافة حرة في عالمنا المكبل، لكننا نملك من يكتب، كما لو أن الحرية ممكنة. ولربما ذلك وحده كافٍ ليوقظ الأسئلة من سباتها.
وهنا لا يواجهنا سؤال، أين حرية الصحافة؟ بل سؤال، هل ما زلنا حقا نملك جرأة الحنين إليها، والنضال من أجلها؟ لا أعرف.