عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Mar-2019

الحجاب يقي من القمل

 درج-ليال حسن

زكمت أنفي رائحة الكاز التي تضوّعت بها غرفة نومي، واستثارت حكّةً خفيفةً في فروةِ رأسي اضطّربت لها بعض ثنايا الذاكرة. “كاز؟”، ردّاً على سؤالي أجابت مهى زميلتي في السّكن: “القمل وفد إلى رأسي منذ شهر، اضطررت على إثره إلى قصّ شعري وتعويمه بالكاز بشكلٍ دوريّ، كنت في مهمّةٍ خيريّة والتقط رأسي قملةً من إحدى الطفلات”، تحسّست شعري وابتلعت ريقاً مالحاً متخيّلةً مصيراً محتملاً يوماً ما، وبعد ملاحظتها اضطرابي عقّبت مهى: “وما بالكِ خائفة؟ كيف ستلتقطين قملاً وأنتِ محجّبة؟”.
 
فعلاً، فالحجاب يحكم إغلاق كلِّ منفذٍ قد يسرِّب النور أو القمل إلى الشّعر، لا شكّ في أنّه واقٍ فعّال ضدّ صنف الحشراتِ هذا، وفي أحايين أكثر يقي من حشراتٍ تنخر القلب لا بصيلاتِ الشّعر. وإذا كان نوع الوقايةِ الأوّل أصيلاً، فإنّ النّوع الثاني دخيل تستحدثه حالة استثنائيّة في البرزخ الفاصل بين دواخل الفتاة والمحيط الخارجي.
 
نتحدّث هنا عن محجّبة، تحوّل حجابها إلى درعٍ تتّقي بها شرّ الرّجم الاجتماعيّ، وتحتمي بها، كمن فوّض أمانه إلى خاطفيه. ونتفحّص بالبنانِ هنا طلاقاً خلعيّاً من دون خلع، أشبه بهوّة، فوّهة، تبتلع حيّز الأنا وتقذف حمماً، وواو جماعات على امتداد اللاوعي والوعي.
 
أنا هنا، أنا خانةٌ أيضاً، أنا ملمحٌ من ملامحِ هذه القضيّة، أنا المحجّبة التي لم تظفر حتّى السّاعة بملامسةِ أفقِ حجابها، أنا المحجّبة من دونِ حجاب، أنا الّلامحجّبة بحجاب
عند أيّ نقاشٍ يحتدم حول الحجاب، تُستحضر غالباً امرأتان، الأولى محجّبة والأخرى لا. المحجّبة أيضاً امرأتان، واحدة تساق إلى ساح الأضواء كبطلةٍ مقاتلة، تمخر عباب الحياة بغطاءِ رأسها، وثانية تغمرها الأضواء نفسها، ولكن في معرضِ التنديد بالتمييز ضدّها ووصم الفاعلين بالعنصرية وعداء الحريات الشخصية. أمّا غير المحجّبة فهي غير محجّبة وحسب.
 
لكنّ النسيجينِ أعلاه يبتلعانِ بين طيّتيهما طبقاتِ قماش، نسيجاً ثالثاً، يحتجب عن كلِّ ضوء، لأنّه ببساطة لا يستطيع أن يقول علناً، أنا هنا، أنا خانةٌ أيضاً، أنا ملمحٌ من ملامحِ هذه القضيّة، أنا المحجّبة التي لم تظفر حتّى السّاعة بملامسةِ أفقِ حجابها، أنا المحجّبة من دونِ حجاب، أنا الّلامحجّبة بحجاب، أنا منهنّ، من المرتهنات لسلاسل اجتماعيّة ثقافيّة بمقوّيات ومغذياتٍ دينيّة تربط غطاء الرّأس بوابلٍ من القيم، وتربط خلعه بالخروج عن سكّتها بالمفهوم الاجتماعيّ.
 
وأمّا من لا يرجمون، فهم في أحسن الأحوال يرمون الحجارة على مواطئ قدمي الفتاة، وينصحونها بالتريّث وتوقيع تسوياتٍ مع المجتمع، وانتظار رجل حياتها، ليكون غطاءها الاجتماعيّ الذي سيحلّ مكان غطاء الرأس. وفي أحسن الأحوال، يوصم الصراع مع الحجاب بالترفِ الفكريّ، الكمالي، الثانوي، الهامشي، طبعاً، أليستِ الاقتحامات الجماعية اليوميّة لمخدعِ الفتاة بغرض تثبيت غطاءِ رأسها ميكرو تفصيل في حياتها؟ أليست دماء الأنا المشروخة بين عالمين أصغر من أن ترى في منظارِ مجتمعها؟
 
دماءٌ تختضّ في الصّدر والجمجمة في تلك اللحظة وفي كلّ لحظة موازية، عندما أحثّ الخطى في الشّارع نادهةً لذرّات الهواء أن تعالي، فتتكثّف أسفل رقبتي، وتلتحم بشعري، وأفقد الإحساس بكليهما، بكُلّي، وأخطف نظرةً إلى زجاج إحدى المحلّات التجاريّة، لكنّي لا ألمح زوبعةً من خيوط سوداء، بل قطعةَ قماشٍ عريضة تصدّ ذرّات الهواء الغازِية، وأُحدّثُني: “أنتِ مخلوقٌ خرقَ الطبيعة، خيالٌ ثلاثيُّ الأبعاد؟ كيف؟ أنت إمّا مجنونة أو مُعذَّبة !”
 
لطالما استضاف مخيالي دوائر نقاشٍ تنتهي بتوصيات من قبيل إعادة توزيع “القدسيّة”، أي أن تمسي الحريّة هي المقدّسة وليس الحجاب، حريّة ارتدائه وحرية خلعه. لكن في تلك اللحظة بالتحديد فقست بيوض الشك في رأسي، عندما طردت احتمال الإصابة بالقمل، فربما آخر عزاء، أنّ الحجاب يقي من القمل.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات