عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Mar-2019

البخیت: الفشل مصیر أي حل أو صفقة لا تلبي الحقوق الفلسطینیة ومصالح الأردن

  "الكونترول" وموز ّ علب  السجائر الذي وصل سدة الرئاسة یفتح مذكراتھ لـ "الغد"

 
حاوره: د. محمد أبو بكر
عمان ّ –الغد-  في الحوار مع الدكتور معروف البخیت؛ یشدك الحدیث إلى أیام القریة التي ولد وترعرع فیھا (ماحص) العام 1947 ، ّ حیث كان جده من الملاكین الكبار للأراضي الزراعیة، ومعظم أولاده كانوا یعملون بالزراعة كغیرھم من أبناء القریة ومناطق الأردن الریفیة المختلفةّ والده انتقل في وقت سابق للعمل بمطار ماركا حیث كانت قاعدة جویة بریطانیة، مجر ّ با حظھ ّ بالذھاب إلى عمان المدینة، لعل فیھا ما یغنیھ عن العمل الشاق بزراعة وفلاحة الأرض، وربما بتأثیر من أخیھ الكبیر الذي كان یعمل في عمان.
یشتاق (أبو سلیمان) إلى أیام عمان القدیمة، ویبدأ بوصف مناطقھا، والإقامة الأولى في حي المعانیة، وكیف كانت منطقة المحط ّ ة رئة عمان ومركزھا الرئیس؛ فكل مؤسسات الدولة موجودة ھناك، حتى أنھا لم تسلم من وجود السجن الشھیر فیھا، والذي ذاع صیتھ حتى ثمانینیات القرن الماضي عندما تم الخلاص منھ وھدمھ.
في الحوار مع رئیس الحكومة الأسبق؛ أنت أمام شخصیة الفلاح الأردني البسیط الذي یمتاز بالتواضع، ویعود بالذكریات الجمیلة البسیطة إلى تلك الأیام التي كان فیھا الناس یعرفون بعضھم  بعضا، حیث أواصر الأخوة والجیرة الحسنة الطیبة التي نفتقدھا الیوم.
ّ یتذكر البخیت كیف أن والده صارحھ بعدم قدرتھ على تدریسھ بعد انتھاء المرحلة الثانویة لضیق
ذات الید، فاختار الذھاب إلى الكلیة العسكریة.
الدكتور البخیت الحاصل على الدكتوراة من ”كنجز أكادیمي“ بجامعة لندن، انخرط في صفوف القوات المسلحة العام 1964 إلى أن تقاعد منھا العام 1999 ،وخلال السنوات الأخیرة في الجیش شارك بالمفاوضات وأصبح منسقا لعملیة السلام ورئیسا للجنة اللاجئین، وتولّى موقع مدیر الأمن الوطني ومدیر مكتب جلالة الملك، قبل ذلك خدم سفیرا في تركیا وفي إسرائیل، إلى أن اختاره جلالتھ رئیسا للوزراء العام 2005 ،ثم عودتھ ثانیة لتشكیل الحكومة العام 2011. 
لـ“لغد“؛ فتح البخیت قلبھ وعقلھ، لم یضع أي فیتو على أي سؤال، السیجارة لا تترك یده أبدا، وھو الذي كان یقوم بتوزیع السجائر على المحلات التجاریة من على دراجتھ الھوائیة وھو صغیر، حیث یشعر بالفخر تجاه تلك الفترة من عمره، والتي حملت في ثنایاھا تعبا وشقاء، فھوّ لیس من اولئك الذین ولدوا وفي أفواھھم ملاعق من ذھب، فھو ربما لم یعرف الملعقة إلا متأخرا، لأن المناسف لا تؤكل بھا!
وفیما یلي نص الحوار..
ّ لنتحدث أولا دولة الرئیس عن بدایاتك الأولى؛ في القریة ثم الانتقال إلى عمان بعد ذلك، ماذا تقول ذاكرتك؟
ولدت بقریة ماحص المجاورة للفحیص، كانت في السابق قریة صغیرة ھادئة ووادعة، سكانھا یعرفون بعضھم بعضا، عادات وتقالید ھي كعادات كل الأردنیین البسطاء ذلكّ الوقت، الوالد كان یعمل بالزراعة مع ما تحملھ ھذه المھنة من كد وتعب لتوفیر مایلزم من متطلبات البیت طیلة العام، ورغب والدي أن یبدأ مرحلة أخرى من حیاتھ تمثّلت بقراره بالانتقال إلى عمان، حیث التحقت بھ كامل العائلة فیما بعد.
ّ في العاصمة؛ كانت الإقامة الأولى بحي ّ المعانیة، وعندما أتذكر تلك الأیام، كانت منطقة المحطة ھي المكان الأبرز بالعاصمة؛ ففیھا معظم دوائر ومؤسسات الدولة، وأكبر معسكر للجیش، وفیھا الجمرك والمطار العسكري، وكانت إمكانیة العمل متاحة جدا، والناس تتمتع بالطیبة والسھولة في التعامل دون تعقیدات، وتمسكھم بالعادات العربیة الأصیلة التي نشتاق إلیھا.
قام والدي بفتح محل (بقالة) وكان تاجرا بالجملة للسجائر، حیث كنت أقوم بركوب الدراجة الھوائیة وأعمل على توزیع السجائر على المحلات، وأذكر من انواع السجائر (سید، لولو، سبورت ثم كمال)، وعملت أیضا بأعمال كثیرة بما فیھا عامل للباطون.
وبعد ذلك اتفق والدي مع أشقائھ (أعمامي) على التوجھ لعمل آخر، حیث قاموا بالحصول على رخصة لتسییر باصات على خط المحطة الھاشمي، وعملت (كنترولا) علیھا دون مقابل، إضافة إلى أنني كنت أمسك حسابات المحل.
• كیف كان مجتمع المحطة في تلك الأیام، ومن ھم زملاء المرحلة؟
كان مجتمعا متنوعا؛ ھناك الشوام والشركس ومن جاؤوا من فلسطین قبل 1948 وغیرھم، كان مجتمعا متقاربا متحابا، درست الابتدائیة والإعدادیة في المدرسة العلویة في المحطة ثم انتقلت إلى مدرسة رغدان لسنة دراسیة قبل أن التحق بالفرع العلمي بكلیة الحسین، وأنھیت الثانویة العام 1964.
في كل مرحلة دراسیة ھناك زملاء أتذكرھم؛ ففي المدرسة العلویة كان أخي عارف سلیمان البخیت وابن عمي ابراھیم داوود العبادي، وأذكر الدكتور نبیل سمارة والدكتور زھیر غوشة والدكتور حافظ ھاشم عرفة، وفي مدرسة رغدان أذكر المرحوم عوني بلال قائد سلاح الجو فیما بعد، ومنعم زیدان صویص وآخرین، ومن كلیة الحسین دولة نادر الذھبي والفریق الدكتور مناف حجازي، ومن الشخصیات البارزة جمیل الصالح حتّر وعبده نقاوة وعمي الشیخ داود العبادي (والد الدكتور عبد السلام العبادي) والدكتور موفق خزنة كاتبة (طبیب سكة الحدید في ذلك الوقت).
• في المحطة كانت معظم مؤسسات الدولة وكذلك السجن الشھیر، ھل لدیك ما تقولھ عن ذلك
السجن؟
ّ سجن المحطة نال شھرة واسعة إلى أن تم ّ ھدمھ في ثمانینیات القرن الماضي، وأتذكر مدیر السجن الحاج عربي سالم، ومن قبلھ شخص من بیت الساكت؛ وھنا لابد من الإشارة إلى موقف یدعو للاستغراب والضحك؛ حیث كان شاعر الأردن عرار مسجونا في المحطة وتربطھ علاقة وثیقة مع المدیر الساكت، حیث كان الأخیر یصطحب عرار معھ كل مساء خارج السجن یسھران معا ثم یعودان إلیھ وكأن شیئا لم یكن!
• لنتحدث عن دراستك بعد ذلك ودخولك الكلیة العسكریة ومابعدھا؟
والدي رحمھ الله، وبعد انتھاء المرحلة الثانویة، أبلغني بعدم قدرتھ على الإنفاق على دراستي لضیق ذات الید، وبالتالي التحقت بالكلیة العسكریة، وبعدھا استكملت دراسة البكالوریوس بالجامعة الأردنیة تخصص إدارة، وفي كلیة القیادة والأركان كنت من ّ الأوائل، وبالتالي من حقي الذھاب بدورة خارجیة، ولكنھم حرموني إیاھا، فشكوت الأمر للشریف زید بن شاكر القائد العام للقوات المسلحة، شارحا الظلم الذي تعرضت لھ ، وفي تلك الفترة كنت في سلاح الجو، فطلب الشریف زید منّي أن أصبر لبعض الوقت إلى أن ّ عرض علي مساعد قائد سلاح الجو تیسیر زعرور الذھاب لدراسة الماجستیر في الولایات المتحدة.
حصلت على الماجستیر تخصص إدارة بحوث عملیات وتحدیدا حل مشكلات الإدارة بواسطة الریاضیات، ثم رجعت إلى الأردن مدیرا للدراسات في الجیش، ثم طلبني الشریف زید وأعطاني (بروشور) طالبا منّي قراءتھ، وكان عبارة عن برنامج لدراسة  الدكتوراة في كنجز كولیج بجامعة لندن، وتم لي ذلك.
• عملت مع الأمیر الحسن فترة من الوقت؛ كیف تصف العمل بمعیتھ؟ وماذا عن تلك الفترة؟
العمل مع سمو الامیر الحسن متعب وشاق ولكنھ ممتع أیضا، فھو عملي ومیداني ویریدة، وسمو ّ ه مدرسة بحد ذاتھ، وحتى ذھابي للمشاركة في المفاوضات الإنجاز بسرعة وبدقّ العام 1994 كان عن طریق سموه؛ حیث طلب منّي أن أكتب عن مواقف الأردن في مختلف القضایا ذات العلاقة كاللاجئین والقدس والحدود وغیرھا قبل الذھاب للمشاركة ضمن الوفد المفاوض، وبعد تقاعدي من الجیش تسلّمت موقع المنسق العام لمفاوضات السلام، ومستشارا في دائرة المخابرات ورئیسا للجنة اللاجئین.
مت موقعا تم استحداثھ وھو مدیر الأمن الوطني، وبعدھا لم نعد نسمع بھذا المصطلح،
• تسلّ ماذا یعني ھذا الجھاز؟
الأمن الوطني ھو جھاز مركزي ویمكن اعتباره عقل الدولة، ولھ علاقة بتغییر مفاھیم الأمن؛ فالأمن لیس فقط جھاز الشرطة أو المخابرات أو الدرك أو أمن الحدود، فھناك الأمن التعلیمي والأمن الغذائي وأمن التكنولوجیا وغیرھا، أي أنك تتحدث عن الأمن بمفھومھ الشامل، وأحیانا قد تضطر لشراء خدمات لبعض الأشخاص الذین یمكن لھم تقدیم إضافة لعملنا، والكثیر من اجتماعاتنا كانت تعقد برئاسة جلالة الملك، وكنت بالإضافة لھذه الوظیفة مدیرا لمكتب جلالتھ.
ّ ھذا العمل كان متعبا جدا وحملني أعباء كثیرة وكبیرة، والملك كان حریصا جدا علىّ ضرورة التقدم والإنجاز دون تأخیر، فإذا أمر بشيء فلا بد من التنفیذ.
• ھل فوجئت بتعیینك سفیرا في تل أبیب؟ وكیف جرى ذلك؟
كنت أتوقع ذلك؛ ولم أفاجأ أبدا، ولكن المفاجأة أنني كنت على رأس عملي سفیرا في أنقرة، وتم الاتصال بي یوم الخمیس من قبل وزیر الخارجیة الذي طلب مني الحضور إلى عمان فورا لأجل الذھاب إلى تل أبیب یوم الأحد، فاستغربت ھذا الاستعجال، فھل یعقل وخلال 48 ساعة أن أقوم بتجھیز نفسي والذھاب إلى تل أبیب؟! وھذا ما حصل ّ فعلا، وكانت وزارة الخارجیة قد أعدت كل الترتیبات ومنھا أوراق الاعتماد، وبالفعل كنت یوم الاحد في تل أبیب، حیث مكثت في ھذا الموقع أقل من ستة شھور.
ّ • حدثنا عن وجودك في تل أبیب وعلاقاتك مع الساسة الإسرائیلیین، وكذلك مع فلسطینیي الداخل؟
تعاملت مع معظم الشخصیات الإسرائیلیة، حیث كان شارون رئیسا للوزراء ونتنیاھو وزیرا للمالیة وتسیبي لیفني وزیرة للعدل.
كان ھناك أردنیون في السجون الإسرائیلیة ومحكومون بالإعدام، وكنت دائما أقوم بزیارات لھم، وناقشت شارون في موضوع إطلاق سراحھم وطلبت منھ إظھار بادرة حسن نیة تجاه الأردن والعمل على إطلاق سراحھم، وقلت لھ؛ لماذا لا تفرج عنھم وترافقھم إلى عمان؟ بالطبع لم یلتفت شارون لكل ھذه المطالبات، وكنت دائما ما ألتقي مع وزیرة العدل بخصوصھم ، وفي یوم كنت بوزارة العدل قبل حضور لیفني فشاھدتني وقالت لي؛ أنت كل یوم بوجھي؟ ھل تظن أنھ لیس لي عمل غیر ھؤلاء؟ فأجبتھا بأن لیس لي عمل إلا ھؤلاء! نعم لقد حاولت كل جھد ممكن للعمل على الإفراج عنھم، ولكنّ للأسف لم یفرج عنھم إلا ّ في عھد إیھود أولمرت، وكان الاتفاق بقضاء باقي مدة سجنھم (18 شھرا) في الأردن، وفي الحقیقة أمضوا معظمھا في المستشفیات، وتم تأمین فرص عمل لھم، ویقومون بزیارتي أحیانا.
وبخصوص فلسطینیي الداخل؛ فقد ربطتني بھم علاقات وثیقة جدا، سواء النواب العرب في الكنیست أو رؤساء البلدیات والمواطنون وكذلك الشیخ رائد صلاح، وكانت فرصة ذھبیة لي أن أزور كافة أنحاء فلسطین والتعرف على قراھا وبلداتھا من الشمال إلى الجنوب، حتى أنني بعد الانتھاء من دوامي في السفارة كنت أقوم بجولات في كافة المناطق، كان في الذھن بعض الأماكن مثل یالو وعمواس ومعسكر اللطرون والدیر الفرنسي وغیرھا، كل ھذه الأماكن تمت إزالتھا وأصبحت أثرا بعد عین.
• والعلاقة مع السلطة الفلسطینیة كیف تصفھا؟
بصفتي منسقا لعملیة السلام سابقا؛ فقد زرت الرئیس الراحل یاسر عرفات عدة مرات، وكان نظیري بالجانب الفلسطیني الرئیس محمود عباس، الذي كان رئیسا لدائرة اللاجئین، وكان أبو مازن كثیرا ما یفقد أعصابھ، ویمكن القول ھنا أن للرئیس عرفات الفضل الكبیر بنقل موضوع اللاجئین من قضیة إنسانیة إلى قضیة شعب یطالب بحریتھ فبات موضوعا سیاسیا، وما یزال كذلك مستمرا مع الرئیس أبو مازن، ولا شك ھناك تعاطف دولي كبیر مع القضیة الفلسطینیة وحق تقریر المصیر لھذا الشعب رغم كل الظروف السیئة المحیطة.
• وماذا تقول باتفاق أوسلو والذي تم تناولھ كثیرا؛ سواء من حیث الانتقاد أو عدم وجود البدیل؟ كیف قرأت ھذا الاتفاق الذي فاجأ العالم؟
بالطبع قیل الكثیر بھذا الموضوع الخلافي والإشكالي، ولكن علینا أن نتحلّى بالواقعیة عند محاكمتنا لأوسلو، فأبو عمار كان یرید دخول فلسطین بأي شكل من الأشكال وإقامة الدولة، كان یرید مقارعة الإسرائیلیین من داخل فلسطین رغم مساوئ الاحتلال، ولا ننسى أن مجموع الفلسطینیین الذي دخلوا أرض فلسطین یتجاوز الثلاثمائة ألف فلسطیني،
وھذا بحد ذاتھ مالم تكن إسرائیل تتوقعھ، ولكن من سوء حظ القیادة الفلسطینیة مجيء حكومات یمینیة متطرفة أعاقت الاستمرار بتنفیذ الاتفاق .
• یعود الحدیث مجددا الآن عن صفقة القرن؛ ویرى البعض أن الصفقة باتت جاھزة وربما یتم الإعلان عنھا بعد الانتخابات الإسرائیلیة، كیف تعلّق على ذلك؟
كل إجراءات ترامب سواء الاعتراف بالقدس أو نقل السفارة الأمیركیة إلیھا والتوقف عن دعم الأونروا ما ھي إلا حبر على ورق؛ كونھا إجراءات أحادیة فردیة ومخالفة للقرارات الدولیة، ومھما احتوت الصفقة المذكورة على إجراءات لا تلبي تطلعات الفلسطینیین ونیل حقوقھم فمصیرھا الفشل، لأن المعني بموضوع أي مبادرة لحل القضیة ھو الشعب الفلسطیني وكذلك الأردن، ومن ھنا فإنني أدعو للثبات على المواقف، والتماسك الأردني الفلسطیني، وتنسیق العمل والتشاور الدائم بین الجانبین لإفشال أي مخطط مھما كان مصدره ویھدف إلى ضیاع الحقوق، ونحن نعلم بأن الأردن یتّخذ موقفا صلبا وثابتا تجاه القضیة الفلسطینیة.
أي حل قادم سیتم فرضھ ولا یلبي تطلعات الفلسطینیین وحقھم في إقامة الدولة وعاصمتھا القدس وحل كل القضایا العالقة حتما سیفشل، لذلك لا یمكن تجاوز الأردن وفلسطین  لأنھما الأساس بأي حل قادم ومصیرھما واحد ومشترك.
ّ • بصراحة دكتور؛ ھناك تخو ّ فات عند بعض الأردنیین مما ھو قادم وخاصة فیما یتعلق بالھویة الأردنیة في ظل ھذا الغموض المتعلّق بالقضیة الفلسطینیة وما یطرح بین الحین والآخر؟
بصوت عال أقولھا؛ لا خوف على الھویة الأردنیة أبدا، فالفلسطیني ثابت فوق أرضھ، وقد تعلّمت درسا من عجوز (ختیارة) فلسطینیة راقبتھا على إحدى الفضائیات وھي جالسة على آثار بیتھا المدمر إثر غارة إسرائیلیة وھي تقول؛ لقد تعلّمنا الدرس جیدا، لن ّ نغادر بیوتنا حتى لو دمروھا فوق رؤوسنا.
الأردني وحدوي بطبعھ، ومنذ إنشاء الإمارة والحكومات الأردنیة تضم مختلف الجنسیات العربیة، وأول ثلاثة رؤساء للحكومة كانوا من غیر الأردنیین، وأول رئیس حكومة أردني جاء في الخمسینیات.
الأردنیون حریصون كل الحرص على بقاء الشعب الفلسطیني بوطنھ، والأردن ھو الوحید الیوم الذي یقدم كل أشكال الدعم لشقیقھ الفلسطیني حتى یبقى متشبثا بأرضھ ولاّ یغادرھا، وعلینا التأكید بصورة دائمة على تمیز العلاقة بین الطرفین وصولا نحو تحقیق أماني ھذا الشعب بالحریة والخلاص من الاحتلال.
• الإدارة الأمیركیة تعمل على حشد العدید من العواصم ضد إیران باعتبارھا مصدر الخطر على المنطقة، ھل ترى بأن الأردن على استعداد للدخول في حلف معاد لإیران؟
إیران دولة أصیلة بالمنطقة ولیست طارئة كإسرائیل، ولھا أھمیتھا وتأثیرھا، وھذا ینطبق على تركیا أیضا، والأردن دائما ضد أي حلف من ھذا النوع، فسیاستنا قائمة على عدم الدخول بأحلاف أو معاداة أحد، ولذلك أنا أدعو ھنا للحوار مع إیران وتركیا، لأن أي عداء مع الدولتین لن یصب بمصلحتنا أبدا.
• یقال بأنك من المؤمنین بضرورة الانفصال التام عن الضفة الغربیة، وضرورة قوننة فك الإرتباط، ماذا لدیكم دولة الرئیس في ھذا الشأن؟
لنشتغل یاسیدي بوضوح؛ ھناك علاقات وحدویة ممیزة بین الأردن وفلسطین، وفك الارتباط عبارة عن تعلیمات اقتضتھا الظروف، وفصل الوحدة بین الجانبین لا یمكن ان یتم دون موافقة مجلس النواب، وعلاقات الجوار والتاریخ والجغرافیا أدت لھذه العلاقة الممیزة، وأي صیغة لعلاقات وحدویة قادمة یتم الاتفاق علیھا بین الشعبین بعد إقامة الدولة، لأنني أرى حتمیة قیام الدولة الفلسطینیة، وأنا رجل وحدوي وعلینا الاعتراف بفشل الدولة القطریة كما فشلنا بإقامة الدولة العربیة الواحدة.
• ثمة حدیث حول مخططات لإقامة دولة فلسطینیة في غزة إذا ما فشلت إدارة ترامب في توجھاتھا؟
مصیرھا سیكون الفشل، والشعب الفلسطیني لا یمكن لھ القبول بذلك أبدا، ولا أعتقد بأن الإدارة الأمیركیة ستكون بھذا التفكیر الضحل.
• أنت من الرؤساء القلائل الذین جاؤوا لموقع الرئاسة دون أن یتسلّم منصبا وزاریا في أي حكومة، كیف جرى تكلیفك بتشكیل الوزارة؟
عندما كنت مدیرا للأمن الوطني ومدیرا لمكتب جلالة الملك كنت قریبا من جلالتھ، ویبدو أنھ أراد أن یعرفني عن قرب، وبالتأكید كانت لدى جلالتھ كامل المعلومات عنّي، وھو یعلم أنني من اولئك الذین یحبون التحدي، فقد كنت من الأوائل بكل الدورات العسكریة التي شاركت فیھا، والملك دائما ینظر إلى كل الجوانب دون استثناء، فاتصل بي وكلّفنيّ بتشكیلھا في المرة الأولى العام 2005 ،بعد تفجیر الفنادق في عمان في 9 تشرین الثاني(نوفمبر) 2005 .
وفي الثانیة 2011؛ عندما تم الاتصال بي اعتقدت بأنني عائد لوزارة الأمن الوطني، ّ وفوجئت بطلب جلالتھ تكلیفي مرة أخرى بتشكیل الحكومة، فخاطبت جلالة الملك مازحا..
لنا تجربة سابقة غیر مریحة.. یاسیدي بلاش نخسر، فضحك وقال: ألم تقل لي سابقا بأنك جندي في الاحتیاط وتحت الطلب؟ حینھا وافقت على ذلك وأبدیت جاھزیتي.
في عھد حكومتكم الثانیة كان الحراك الشعبي قد بدأ في الأردن، كیف تنظر إلى تلك المرحلة، وھل التقیت مع حراكیین خلالھا؟
تم تكلیفي بالاول من شباط(فبرایر) 2011 والحراك كان ببدایاتھ، وفي 14 من ذات الشھر استقال الرئیس حسني مبارك فارتفع سقف مطالب الحراك، وكنت أراقبھ وأتابعھ جیدا، یمكن تفھم بعض المطالب والعمل على حل ما ھو متاح، ولكن بعضھا یحتاج  ھ لا بد من الالتقاء بھؤلاء، فھم جزء من ھذا الشعب ّ لموازنة الولایات المتحدة، ثم رأیت أنّ ولدیھم مطالب ویرفعون شعارات تدعو للإصلاح ومحاربة الفساد، وجمیعنا مع كل المطالب المحقّة والمشروعة، ولذلك التقیت مع الكثیرین منھم، مثل حراك ذیبان والسلط وسوف وساكب والطفیلة وغیرھم، كنت استمع لمطالبھم بكل احترام، ولذلك أدعو دائما للاتصال الوجاھي معھم لأھمیتھ.
ّ ومن ھنا فإنني أشدد على ضرورة لقاء الحكومات مع أي جھات حراكیة وعدم الإھمال، المھم عدم تجاوز الخطوط الحمراء، فھذا الوطن للجمیع دون استثناء وواجبنا حمایتھ والدفاع عنھ.
• ثمة مشكلة نعاني منھا مع مختلف الوزراء؛ كل وزیر یأتي یحاول أن یبدأ من جدید، وھو غیر مستعد للبناء على ما سبق، ألا ترى بأن مثل ھذه التصرفات تعیق العمل وتجعلنا ندور بحلقة مفرغة؟
سأعطي مثالا على ذلك؛ في العام 2007 ّ قمنا بتكلیف مجموعة خیرة من الأساتذة الجامعیین لمناقشة واقع التعلیم ومشكلاتھ ووضع التصورات وما إلى ذلك للعمل على حل ّ ھذه المشكلة من أصحاب الاختصاص، وبالفعل التقى ھؤلاء وأعدوا تقریرا مفصلا، وكان ّ وزیر التربیة والتعلیم ذلك الوقت الدكتور خالد طوقان، ثم استقالت الوزارة وجاء وزیر جدید للتربیة، ومن الیوم الأول قالھا بأنھ سیقوم بعمل استراتیجیة جدیدة للوزارة، علما بأن الوزیر الجدید حضر الاجتماعات للمجموعة سابقة الذكر.
للأسف كل ذلك یعیق العمل واستمراریتھ، والأصل أن نبني على الإنجاز لا أن نبدأ من جدید.
• لننتقل لموضوع مختلف وھو العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمین، ھل تعتقد بأن الإجراءات الحكومیة تجاھھم كانت صائبة؟
لا شك ھناك احترام متبادل بیننا وبین جماعة الإخوان المسلمین، فأداؤھم بمجلس النواب رصین، ولكن ما حدث في السابق یتعلق بتجاوزات في جمعیة المركز الإسلامي الخیریة،ّ وذھبت المسألة إلى القضاء، فھو الفیصل بذلك، أما فیما یتعلق بالإجراءات الأخیرة وحالة ّ الشرذمة فھذا أمر یخصھم. الجماعة لا یمكن تجاھلھا أو الانتقاص من وجودھا في الشارع وشعبیتھا، ولذلك مثل ھذه الأمور یجب التعاطي معھا بعقلانیة، وأسلوب الحوار ھو الذي یوصلنا للنتائج التي نتوخاھا والتي من شأنھا عدم الزج بنا إلى أتون صراعات لا نریدھا .
• ھناك من یدعو لضرورة إعادة النظر بتشكیل مجلس الأعیان، ھل أنت مع ذلك؟ وكیف ترى مستقبل الحكومة البرلمانیة؟
ّ الأردن لا یتحمل قفزات، ومن المبكر الحدیث عن ذلك، حتى عندما یجري الحدیث عن الحكومة البرلمانیة فأنا أقولھا بصراحة؛ بأننا نحتاج لثلاثین عاما أخرى حتى نصل لھذا الطموح، وبالتأكید ھذا الكلام قد یشكل إحباطا عند البعض، خاصة اولئك الذین یدعون لإعطاء الأحزاب نسبة أو كوتا بقانون الانتخابات، وبالطبع ھذا غیر دستوري أبدا، ویحتاج لتعدیلات دستوریة اولا.
• ھذا یقودنا لسؤال فیما یتعلق بالقوانین الناظمة للحیاة السیاسیة؛ كالانتخابات والأحزاب وغیرھا، والمجتمع الأردني طیلة ثلاثین عاما بات حقلا للتجارب عندما یتعلق الأمر بالقوانین المذكورة، إلى متى الاستمرار على ھذه الحال؟
لنعترف أن الرؤیة الكاملة الشاملة غائبة تماما، نحن للأسف لا نعرف إلى أین نرید أن نصل، في العام 2006 تحدثت بمحاضرة لي حول التحدیات المستقبلیة، وقلت بأننا نحتاج لما لا یقل عن عشرین سنة قادمة للوصول لمرحلة تداول السلطة، ومشروع التنمیةّ ل مرحلة تحول حاسمة بالتاریخ السیاسي المعاصر للأردن، یھدف إلى السیاسیة یمثّ
الانتقال بالنظام السیاسي والاجتماعي من الأنماط التقلیدیة القائمة منذ عقود طویلة بالدولة لنظام معاصر ومختلف.
ھذا یتطلّب تھیئة البیئة السیاسیة والاجتماعیة وتأسیس ثقافة سیاسیة وتحضیر المجتمع ومؤسساتھ المدنیة وتطویر التشریعات الضروریة.
وعندما نتحدث عن استراتیجیة التنمیة السیاسیة یجب أن تقودنا بالنھایة لحكومة سیاسیة تعمل وفق الدستور ولا تمتلك أي حصانة، وتخضع للمراقبة والمحاسبة، ونظام برلماني یعكس تمثیلا واقعیا للمجتمع یمارس دوره بمعزل عن التأثیرات الخارجیة، ونظام قضاء مستقل ومؤسسات مجتمع مدني منسجمة مع النظام السیاسي للدولة.
• بصراحة دولة الرئیس؛ ھل الحكومة في الأردن صاحبة ولایة حقیقیة؟ أم ان ھناك تأثیرات تحد من ھذه الولایة؟ وكما قال أحد السیاسیین بأن منصب رئیس الوزراء فقد ھیبتھ؟
الولایة تعتمد بصورة كبیرة على شخصیة رئیس الوزراء الذي من حقّھ عدم السماح لأي ّ كان التدخ ّ ل بعملھ، فعندما شكلت الحكومة لم یتدخل أحد باختیاراتي أبدا، قد تأتي بعض التوصیات والملاحظات من جھات أمنیة، ولكن بالنھایة الرئیس ھو صاحب القرار، من حقھ أن یقبل بھا أو یرفضھا، وسبق أن رفضت الكثیر من التوصیات بعدم تعیین بعض الأشخاص.
• من ھو رئیس الحكومة القادم باعتقادك؟
من الصعب التكھن بذلك، وأعتقد بأن اختیار جلالة الملك للرئیس القادم سیكون عملا ّ صعبا ھذه المرة، فنحن بمرحلة یمكن القول أنھا الأكثر حساسیة وبالغة الدقّة.
• من ھو المسؤول الذي لفت انتباھك على مدى تاریخ الأردن الحدیث؟
ّ الإدارة الأردنیة تمیزت بالعطاء والحكمة والإخلاص، ونحن ننحني إجلالا لكل الآباء المؤسسین وخاصة الملك المؤسس الذي بنى ھذه الدولة مدماكا مدماكا من لا شيء، ورغم ّشح الموارد إلا أنھ زرع ثقافة الأمل، وكان بعض رؤساء الحكومات قادرین على البذل ّ والعطاء ومنھم المرحوم توفیق أبو الھدى الذي شكل 12 حكومة في عھد الملوك الثلاثة؛ الملك المؤسس والملك طلال والملك حسین ، وكان زاھدا ، وھناك رموز بالإدارة الأردنیة امتازوا بالنزاھة والعفّة والمحافظة على المال العام.
• ھل من موقف طریف یمكن ان تتحدث عنھ وأنت في موقع الرئاسة؟
عندما كنت رئیسا للحكومة وأنا بطریقي من الزرقاء باتجاه عمان، طلبت من السائق الانحراف باتجاه طبربور، حیث كنت أرغب بزیارة منزل لشخص أعرفھ قدیما یدعى أبو إبراھیم، رحمھ الله، وعندما وصلنا تفاجأ من في البیت من زیارة رئیس الوزراء، فأبلغتھم ّ بأن ھذا المنزل شاركت في (صب الباطون) لھ وأنا صغیر وكانت یومیتي 25 قرشا.
ّ كنت أرغب بشكره على كرمھ بأن ضاعف الأجر لي ذلك الیوم كھدیة، ولكنني حزنت عندما علمت أنھ انتقل إلى رحمة الله منذ مدة طویلة.
• أمنیتك دولة أبو سلیمان!
الأمنیة الكبیرة ھي حل القضیة الفلسطینیة وإقامة الدولة المستقلة؛ لأن من شأن ذلك أن ینھي مشكلات المنطقة وننطلق نحو البناء الحقیقي.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات