عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Feb-2026

منتدون يناقشون "غسان كنفاني.. جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية"

 الغد-عزيزة علي

 نظمت لجنة النقد الأدبي في رابطة الكتاب الأردنيين ندوة حول كتاب الدكتور محمد عبد القادر "غسان كنفاني: جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية". لتسلط الضوء على شخصية غسان كنفاني الفكرية والإبداعية، وفحص عبقريته من خلال أعماله الأدبية المختلفة، بدءًا من الصحافة والرواية والقصة القصيرة، وصولا إلى المسرح والفن التشكيلي.
 
 
وناقشت الندوة التي أدارها الشاعر رامي ياسين، وشارك فيها المؤلف والدكتورة أماني أبو العنين. المنهجية التي اتبعها المؤلف في دراسة كنفاني، مركزة على الجوانب الذاتية والنفسية والسياسية للشهيد الكاتب، وكيفية ارتباط إبداعه بالتجربة الفلسطينية، إضافة إلى إبراز أثر شهادات أدباء وصحفيين عرفوه عن قرب على تكوين صورة متكاملة لعبقريته.
قالت أماني أبو العنين "إن كتاب الدكتور محمد عبد القادر عن غسان كنفاني يمثل نموذجًا متكاملًا للنقد الأدبي العربي الحديث، إذ يزاوج بين الدقّة الصحفية والعمق الأكاديمي، ويعتمد منهجًا توثيقيًا- تحليليًا يجمع بين المعطيات الكمية والتحليل النوعي، بما يضمن الموضوعية والشفافية من دون الوقوع في جفاف الإحصاء".
يعتمد عبد القادر على الأرقام والتواريخ بوصفها أدوات تأسيس علمي، لكنه لا يكتفي بها، بل يربطها بالسياقين الشخصي والسياسي، محوّلًا الوصف الكمي إلى تحليل سببي يفسر الظواهر الأدبية ويكشف خلفياتها. مبينة أن أهمية الكتاب تكمن في سعيه للإجابة على السؤال "لماذا غسان كنفاني؟" عبر تتبع جذور عبقريته ومسار إبداعه، مع الإشارة إلى إهدائه لزوجته آني هوفر كنفاني كرمز إنساني للانتماء.
وأوضحت أن الإطار النظري للكتاب يتناول مفهوم العبقرية إشكاليًا معرفيًا، مميزًا بين العبقرية الفطرية والمكتسبة، وموضحًا الفروق بين التصور العربي القديم المرتبط بالإلهام والجن، والتصور الغربي الحديث المرتبط بالتفرّد أو الجنون، مع إبراز استمرارية هذا المفهوم في الوعي الجمعي.
وتناولت أبو العنين ملامح النبوغ عند كنفاني منذ الطفولة، بما في ذلك التعدد اللغوي، الثقة بالنفس، النزعة إلى التمرد، والقدرة على حل المشكلات، إضافة إلى موهبته الفنية المبكرة في الرسم والحكي، واعتبرت ذلك مؤشرًا لعبقرية متعددة الوسائط تجمع الحس الجمالي والتعبير المتنوع. كما أبرزت تشكل وعيه السياسي مبكرًا، والنكبة كصدمة تأسيسية مولّدة للإبداع، ما أعاد تعريف العبقرية كظاهرة سياقية تحول المعاناة إلى فن، وتحقق التكامل بين الذاتي والجماعي، والمحلي والعالمي.
وأشارت أبو العنين إلى اعتماد الكتاب مقاربة فينومينولوجية لدراسة الإبداع في تجلياته المختلفة، حيث يظهر كنفاني كصحفي منتج، وروائي جسّد مأساة اللاجئ الفلسطيني في "رجال في الشمس"، وقاص إنساني الحساسية في "كعك على الرصيف"، حيث تتداخل العاطفة بالأخلاق التربوية، ويرتقي النثر أحيانًا إلى مستوى الشعر.
وتناول المؤلف كنفاني ككاتب مسرحي رمزي يفجّر الصراع الداخلي في أعمال مثل "الباب"، وكفنان تشكيلي قدم رسومًا تعبيرية واقعية، أبرزها لوحة "بطاقة الإعاشة"، التي شكلت نقدا بصريًا صادمًا للواقع الاستعماري، وكشفت عن وعي عميق بالنكبة وآثارها، مؤكدة أن الإبداع عند كنفاني كان فعل مقاومة ورفضا للمس بالكرامة الإنسانية.
قالت الدكتورة أماني أبو العنين "إن الكتاب يقوم على تعدد منهجي متكامل في مقاربته لعبقرية غسان كنفاني. يعتمد أولًا منهج السيرة الذاتية النفسي، حيث يتتبع تطور شخصية كنفاني عبر مراحل حياته من الطفولة في يافا، إلى النضج المبكر في دمشق، ثم التكوين الفكري في الكويت، وصولًا إلى التفجّر الإبداعي في بيروت".
وتقوم أطروحته المركزية على أن عبقرية كنفاني ليست موهبة فطرية فقط، بل مشروع وجودي تحول فيه من الذات الفردية إلى الجماعة، وجعل من فلسطين موضوع حياته وإبداعه. لافتة إلى أن المؤلف يرى الكتابة فعلَ مقاومة وجودية ضد الموت والنسيان، مستندًا إلى يوميات كنفاني التي تكشف صراعًا وجوديًا غذى إبداعه.
ويعتمد في ذلك التحليل النفسي الوجودي لا الفرويدي التقليدي، محللًا قلق الموت المبكر الناتج عن المرض، وصدمات النكبة والتهجير، وما ولده ذلك من سباق محموم مع الزمن في الإنتاج الإبداعي. كما يفسر تعددية مجالات إبداع كنفاني بوصفها ضرورة تعبيرية فرضها تعقيد التجربة الفلسطينية.
من جانبه، قال المؤلف الدكتور محمد عبد القادر "إن دراسة عبقرية غسان كنفاني شكلت هدفًا رئيسيًا من أهداف هذا الكتاب، والدافع الأساس لإنجازه، إذ رأى أن معظم ما يُكتب عن المبدعين غالبًا ما ينصرف إلى منجزاتهم الإبداعية، في حين نادرًا ما يلتفت إلى القوة الذهنية والخيالية التي صاغت تلك المنجزات".
ورأى المؤلف، أن قيمة هذا الكتاب تكمن في أنه يغوص في شخصية غسان كنفاني، وعقله وخياله، قبل أن ينتقل إلى جوانب من إبداعاته، بهدف إضاءة عبقريته استنادًا إلى منجزه الأدبي أساسًا، وإلى سمات أخرى من شخصيته. كما يستأنس الكتاب بعدد من الشهادات التي قدمها أدباء ومناضلون ومفكرون وصحفيون عرفوه عن قرب، أو عرفوه أديًبا وصحفيًا أكثر مما عرفوه على الصعيد الشخصي. وتساهم هذه الشهادات في تدعيم صورة غسان كعبقري، وتكشف مساحات مهمة من شخصيته وسلوكه وقيمه وأفكاره، وتقدم بعدًا معرفيًا إنسانيًا يضيف إلى ما هو معروف عنه في مراحل حياته المختلفة، تلك الحياة القصيرة.
من المؤكد أن سمة التعدد كانت أولى السمات التي لفتت أنظار من عرفوا غسان عن قرب، إذ إنه في يوم واحد كان يكتب الأخبار الرئيسية في الجريدة، والافتتاحية في الصفحة الأولى، ومقالًا أو تعليقًا في القسم الثقافي بالصفحات الداخلية، إضافة إلى جزء من رواية، وقصة قصيرة، وجزء من دراسة فكرية. ويبدو أن هذا كله لم يكن كافيًا، ولذلك كان لا ينام قبل أن يكتب أيضًا في جرائد أو مجلات أخرى بأسماء مستعارة.
وقال عبد القادر "إن هذا الكتاب جاء في بابين: الأول يهدف إلى إضاءة الجانب الذاتي في شخصية غسان، وقدراته الذهنية، وسماته الإنسانية، وصورته في أذهان من عرفوه أو تأثروا به. والثاني: اهتم بإظهار عبقرية غسان كنفاني في تجلياتها الإبداعية المتنوعة وغير المعتادة. وقد بدأ الكتاب بسؤال في البداية واختتم بسؤال في الخاتمة، بدلاً من المقدمة والخلاصات، لتحديد الأهداف والرؤية بشكل أوضح".
وأشار عبد القادر، إلى المنهج العلمي الذي التزم به في الكتاب، مع التأكيد  أن ذلك لا يعني التزامًا صارمًا يعادل البحث العلمي الدقيق، فهو يرى أن هذا العمل ينبع أساسًا من حب وتقدير لحالة وطنية وثقافية عبقرية اسمها غسان كنفاني. ولا يخفي أن شيئًا من عاطفة المحب يتخلل ثنايا الكتاب، فمن ذا الذي يستطيع كبح جماح مشاعره، عندما يتعلق الأمر بغسان كنفاني؟
واختتم عبد القادر الكتاب يقدم صورة شاملة أو شبه شاملة عن غسان كنفاني في مختلف جوانب حياته وعبقريته وإبداعه في ميادين متعددة. ويرى المؤلف أن اطلاع الأجيال الفلسطينية والعربية الشابة على النموذج الاستثنائي الذي يمثله غسان كنفاني ودوره في المسيرة النضالية والإبداعية للشعب الفلسطيني، هو هدف رئيسي من أهداف هذا الكتاب، بل إن ربط الأجيال العربية الشابة بإبداعه يمثل أحد أغراضه الجوهرية.