الراي -
يشهد هذا العصر تغيراً غير مسبوق في مفهوم العمل، ومع تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات على التكيف، لم يعد الخوف من البطالة مجرد توقع، بل هو احتمال واقعي يتشكل في بنية الاقتصاد والسياسة، واختفاء الوظائف التقليدية لا يعني فقط فقدان الدخل بل تغير مكانة الإنسان ودوره في المجتمع.
ويتخذ ازدياد عدد العاطلين عن العمل بفعل الذكاء الاصطناعي صورة تدرجية لكنها حادة في تأثيرها، ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تضم 38 دولة ومن أبرزها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية والأقيانوسية، تشكل الوظائف المعرضة لمخاطر عالية من الأتمتة نحو 28% من إجمالي الوظائف، وفي الاقتصادات المتقدمة قد يتعرض نحو 60% من الوظائف لتأثير الذكاء الاصطناعي، وهو ما سيؤدي إلى إعادة توزيع للعمالة بين القادرين وغير القادرين على التكيف مع تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة.
التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي سيجبر العاملين والموظفين على التكيف مع المتغيرات ومواكبة سوق العمل المتطور، ولن يكون هذا الأمر سهلاً، فإعادة التكيف مع السوق سريع التطور تتطلب قدرة واسقراراً مالياً ووقتاً لا يتوفر للجميع، ومن يفشل في محاولات التكيف ومواكبة سوق العمل سيتحول تدريجياً من منتج إلى مستهلك مدعوم.
ومع توسع هذه الحالة سيصبح المجتمع أمام انقسام جديد، ليس بين عامل وغير عامل، بل بين قابل للتحديث والتكيف وغير قابل، وهو ما ينتج شعوراً جماعياً بالعجز وفقدان المكان الاجتماعي.
ووفق الدراسات، فإن الإنسان دون عمل يفقد جزءاً مركزياً من تعريفه لذاته، فعندما يفقد الفرد مهنته وعمله يواجه صعوبة في العثور على قيمة ذاتية مستقلة عن العمل، ما يدفع البعض إلى الانسحاب الكامل من المجتمع والانطواء والعزلة والشعور بأنهم عبء على المجتمع، وهذا السلوك الذي تحركه الحالة النفسية للأفراد غير العاملين سيصنع مع الوقت مزاجاً عاماً مختلفاً تتغير فيه صورة الإنسان عن نفسه وصورة المجتمع عن أفراده.
تفاقم حالة البطالة أو اللاعمل في المرحلة المقبلة في جميع الدول، وتحديداً الدول المتقدمة تقنياً، بسبب الذكاء الاصطناعي، لا تعتبر مسألة اقتصادية فحسب، بل تتحول تدريجيا إلى عامل توتير سياسي واجتماعي، فالشعور المستمر بعدم الإنتاجية والعجز المالي لا ينعكس فقط على قدرة الفرد على تلبية احتياجاته الأساسية، بل يمتد ليقيد حركته الاجتماعية.
ومع تراكم هذه الضغوط، سينشأ لدى مواطني تلك الدول إحساس متزايد بالمظلومية، ويتبلور تصور بأن مؤسسات تلك الدول هي المسؤولة عن تردي الأوضاع، باعتبارها الجهة المسؤولة عن توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، وهو ما يؤثر على قدرة تلك الدول في السيطرة على غير العاملين عبر رسائلها، ويجعل هذا الأمر تحديا للمؤسسات، وفرصة لجهات ومنظمات مختلفة قد ترى في صعوبة سيطرة الدول على مواطنيها غير العاملين فرصة لتوجييهم نحو اهداف مختلفة.
وتزداد تعقيدات المشهد عندما يشكل غير العاملين كتلة اجتماعية واسعة لها نظرتها الخاصة تجاه المؤسسات الرسمية في دولهم، إذ يتحول هذا المزاج إلى وعي جماعي يحمل تلك الدول مسؤولية التغيير، وفي حال تشكل حالة غضب جماعي منظمة أو شبه منظمة، فإن ذلك يخلق بيئة سياسية أكثر هشاشة ويصعب على المؤسسات إجراء أي عمليات إصلاح دون الاصطدام بتوقعات مجتمعية عالية وضغوط اجتماعية متصاعدة.
ندرة الفرص تجعل المجتمعات أكثر حدية لأن كل وظيفة تتحول إلى معركة مكاسب ولكنها مكاسب صفرية فعلياً، ومع الشعور المتزايد بأن السوق مغلق أمام الأغلبية، تتصاعد الشعبوية السياسية والعداء للطبقات المهنية والتقنية القادرة على إيجاد وظائف وعمل، ويصبح الاحتجاج والعنف خياراً اجتماعياً مفهوماً أكثر من الصمت، لأن كلفة المخاطرة تصبح أقل من كلفة الانتظار، وهو ما سيخلق انقسامات هائلة بين المدن والأطراف في الدول الأكثر تقدماً وتأثراً بالذكاء الاصطناعي، وبين المتعلمين والعمال، وبين الطبقات الاقتصادية باختلافها، فتصبح الدولة بشكلها ودورها الحالي معرضة للخطر، في مواجهة نماذج جديدة لم يتم اختبارها بعد للسيطرة على جموع الأشخاص المتزايدة من العاطلين عن العمل، وفي صراع محتدم بين الإنسان والآلة والبرمجيات سيتم حسم مسألة من يسيطر في حرب ليست بالقصيرة وغير واضحة النتائج.