الغد
أرميناك توكماجيان* - (مركز كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/1/16
تشعر القيادة في طهران بقلق متزايد إزاء التحديات المتعددة الممتدة من المشرق إلى جنوب القوقاز.
يمر النظام الإيراني حاليًا بأوقات عصيبة. فقد اندلعت احتجاجات في الداخل على نطاق لم تشهده البلاد منذ العام 2022، وتفاقمت بفعل تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لإنقاذ المتظاهرين الذين يتعرضون للاعتداءات على يد النظام. وكانت إدارة ترامب قد أقدمت مؤخرًا على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وهي حادثة تردد صداها في طهران. وقد يتمكن النظام الإيراني من تجاوز تحدياته الداخلية، إلا أن ما يبعث على القلق أكثر هو التحولات الجيوسياسية والمنظومات الأمنية الناشئة في محيطه المباشر، خاصة في شرق وجنوب القوقاز. وقد يكون قلب مسار هذه التحولات أصعب بكثير.
بعد سنوات من اليوم، قد يبدو خريف العام 2023 وكأنه شتاءٌ جيوسياسي لإيران. فإلى الشمال من الجمهورية الإسلامية، أدى استيلاء أذربيجان في أيلول (سبتمبر) 2023 على إقليم ناغورنو-كاراباخ بالكامل، وطرد سكانه الأرمن وقوات حفظ السلام الروسية، إلى إرساء منظومة إقليمية جديدة في منطقة جنوب القوقاز أثارت قلق طهران. وفي غزة، أطلق هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) ديناميات قوضت هيمنة إيران في منطقة الشرق. وزاد الأمور سوءًا لطهران أن هاتَين الساحتَين تشابكتا أكثر فأكثر على مدى العقد الماضي. ولم يكن ذلك نتيجة تنامي النفوذ التركي والروسي في المنطقتَين فحسب، بل أيضًا نتيجة ارتباطهما بالمسعى الإسرائيلي الرامي إلى إضعاف النفوذ الإيراني. وفي الآونة الأخيرة، سعى مفاوضو ترامب، توم برّاك وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى ترسيخ منظومات جديدة في المشرق وجنوب القوقاز، حيث يشكل إضعاف إيران أولوية قصوى.
لطالما امتد نفوذ روسيا وإيران وتركيا عبر الشرق الأوسط وجنوب القوقاز، لكنها أدت أدوارًا أشد حزمًا في كل من المنطقتَين منذ انطلاق شرارة الانتفاضات العربية في فترة 2010-2011، واندلاع حرب كاراباخ الثانية في العام 2020. كما برزت موسكو بوصفها طرفًا رئيسًا في المنظومات الأمنية في المشرق وليبيا، ما شكل تعديًا على مجال نفوذ تركيا. وردت الأخيرة بدورها في كل من ليبيا وسورية وأذربيجان، حيث ساعدت باكو خلال حرب كاراباخ الثانية، وبذلك أدخلت نفسها إلى منطقة كانت تعد لفترة طويلة بمثابة الفناء الخلفي لروسيا وإيران. وعلى النحو نفسه، نجحت إسرائيل، من خلال تزويد أذربيجان بالتكنولوجيا العسكرية في حربها الناجحة ضد انفصاليي كاراباخ وأرمينيا في العام 2020، في كسب حليف استراتيجي على الحدود الإيرانية.
تسببت هذه المتغيرات، ولا سيما توطيد العلاقات بين إسرائيل وأذربيجان، بإزعاج لإيران، إلا أنها لم تشكل تهديدًا وجوديًا لها. لكن الأحداث بدأت تتسارع بشكل كبير في خريف العام 2023، حين أدت التطورات المزلزلة في المشرق عقب هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) إلى رد إسرائيلي أعاد تشكيل الشرق الأوسط. وقوضت المنظومة الأمنية التي نشأت على خلفية هزيمة "حماس" و"حزب الله"، وسقوط الرئيس السوري بشار الأسد، الهيمنة الإيرانية التي كانت قد ترسخت بعد الانتفاضات العربية. واستبدلت إسرائيل "الحزام الناري" الإيراني بحزام من المناطق العازلة بحكم الأمر الواقع في غزة ولبنان وسورية. وفي حرب حزيران (يونيو) 2025، قصفت إسرائيل إيران بشكل مباشر، وهي ما تزال تعمل ضد مصالح طهران في شتى أرجاء المنطقة.
إذا كانت إسرائيل هي الأداة الصلبة المباشرة التي تُجرى من خلالها هذه التحولات، فإن الولايات المتحدة هي عرّاب المنظومة الناشئة. والواقع أن واشنطن لطالما اضطلعت بدور أساسي في المشرق. ولكن مع ترسيخ روسيا وإيران حضورهما في سورية بعد العام 2016، غالبًا ما تصرف الأميركيون كأطراف مُعطِّلة، حيث حالوا دون إعادة تأهيل الأسد عبر فرض العقوبات على النظام السوري، وإعاقة تطبيع العلاقات مع دمشق. واليوم، انتقلت دائرة مبعوثي ترامب إلى صدارة المشهد، مُوجِّهةً مسار التطورات في اتجاه عام مُوال للولايات المتحدة ومُعاد لإيران. وما تزال هذه العملية قيد التشكل، وقد تتعثر لاحقًا، ولكن يبدو أن القوى الإقليمية الرئيسة كلها تتفق على نقطة واحدة، وهي إنهاء الهيمنة الإيرانية إلى غير رجعة.
في جنوب القوقاز، برزت تصدعات في المنظومة الأمنية بدءًا من العام 2020. فبين العامين 1990 و2020، شكلت الصراعات المجمدة ودور روسيا كحَكَم قواعدَ اللعبة على الحدود الشمالية لإيران، وخصوصًا في كاراباخ. وعلى الرغم من وجود نفوذ غربي وتركي هناك، ظلت موسكو صاحبة القرار. وتمتعت إيران بعلاقات جيدة مع أرمينيا، لكن قدرتها على التأثير في المنطقة كانت محدودة. وظلت طهران راضيةً عن الأمور ما دام الوضع القائم الخاضع لهيمنة موسكو، والنفوذ الروسي عمومًا، غير موجهَين ضدها. لكن هذا الوضع تغير بعد انتصار أذربيجان في حرب كاراباخ الثانية التي أسفرت عن بقاء جيب أرمني ضعيف في كاراباخ. وتعزز النفوذ التركي بعد الصراع، إلا أن روسيا، التي أدت دور الوسيط في اتفاق وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، نجحت في الاحتفاظ بزمام المبادرة الدبلوماسية، وحققت أيضًا طموحها في نشر حوالي ألفَي عنصر من قوات حفظ السلام التابعة لها في كاراباخ.
لكن هذا الواقع تبدل في أيلول (سبتمبر) 2023. في ظل انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، استولت أذربيجان على ما تبقى من جيب كاراباخ، وطردت سكانه الأرمن منه، وهمشت بعثة قوات حفظ السلام الروسية. وبرزت باكو بوصفها قوة إقليمية متوسطة، مدعومةً من تركيا وإسرائيل، في ظل اتساع النفوذ الغربي والتركي في جنوب القوقاز على حساب موسكو. وولّد ذلك وضعًا مُزعجًا لإيران، تجلى من خلال سلوك أذري أشد حزمًا، وتدخل إسرائيلي، وانخراط غربي متنام في المنطقة سياسيًا، وعسكريًا، واقتصاديًا، ولا سيما مع أرمينيا. ولا تتخذ يريفان موقفًا معاديًا لطهران، لكنها رحبت بتعزيز الانخراط الغربي في إطار مساعيها لكسب شركاء جدد، مثل الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، والهند. وتمنح مرونة المشهد السياسي في المنطقة إيران هامشًا للمناورة، لأن جزءًا كبيرًا من هذا الاندفاع الغربي يستهدف أيضًا روسيا، ما يجعل البلدَين شريكَين ظرفيَّين بحكم المصلحة المشتركة. ومع ذلك، ظل مستوى الأنشطة المعادية لإيران في جنوب القوقاز مرتفعًا بشكل ملحوظ منذ العام 2020.
يتمثل الرابط بين جنوب القوقاز والمشرق، والتوجه الأوسع المناهض لإيران في المنطقة، في دور مفاوضي ترامب. فقد انخرط ويتكوف وبرّاك، اللذان يعملان على قضايا الشرق الأوسط، في إدارة العلاقات الأرمنية الأذرية أيضًا، ما أسفر فعليًا عن تهميش وساطة روسيا وإثارة قلق إيران. وفي 8 آب (أغسطس)، التقى الرئيسان الأرمني والأذري في واشنطن، حيث توصلا إلى تفاهمات بشأن تعزيز التعاون في مجالَي الطاقة والذكاء الاصطناعي، وكذلك بشأن ممر مُقترح يمتد على طول 42 كيلومترًا ويربط أذربيجان بإقليم نخجوان عبر أرمينيا، مع العلم بأن هذا الشريط البري يعد مسألة خلافية ظلت من دون حل منذ العام 2020. وقد أيد ترامب إطارًا مُبهمًا، حتى أن اسمه أُطلق على الممر، ليصبح "ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليين". ولم يتم الإفصاح عن تفاصيل كثيرة في هذا الصدد، لكن طهران غير راضية عن هذه التطورات، وهي تخشى أن يرسخ هذا الممر وجودًا أميركيًا على حدودها الشمالية.
تكمن مشكلة النظم الأمنية الناشئة في أنها كذلك بالفعل؛ قيد التشكل وغير مترسخة بالكامل بعد. وفي جنوب القوقاز، ما يزال التنافس قائمًا، ولن تتخلى روسيا ولا إيران عن نفوذهما بسهولة. أما في المشرق، فإن ضعف الدول، ولا سيما هشاشة الأوضاع في سورية ولبنان، قد يُفسِح المجال أمام طهران لاستعادة بعض مما خسرته. لكن الإصرار الذي تبديه إسرائيل والتوافق الإقليمي على احتواء إيران، لا يتركان أمام الجمهورية الإسلامية هامشًا كبيرًا للتفاؤل.
*أرميناك توكماجيان: باحث غير مقيم في "مركز مالكوم كير - كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت. تتركز أبحاثه على قضايا الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، والوسطاء المحليين في سورية.