عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Feb-2026

"زمكان".. مجموعة قصصية تغوص في الهم الإنساني والوطني

 الغد-عزيزة علي

تقوم مجموعة "زمكان"، للقاص شفيق النوباني على مساءلة الوجود الإنساني في تقاطعه العميق مع الهمّ الوطني، إذ تتجاور فيها الأسئلة الكبرى المتصلة بالحب والموت والحرية والهوية مع تفاصيل الحياة اليومية المثقلة بالقهر والانتظار والأمل.
 
 
وتتحرك نصوص المجموعة، التي تضم أربعة عشر قصة قصيرة، في فضاء سردي يتقاطع فيه الزمان بالمكان، ليصبح العنوان نفسه مفتاحاً لفهم التجربة؛ إذ لا ينفصل المصير الفردي عن السياق الجمعي، ولا تنعزل التجربة الشخصية عن التحولات التاريخية والواقع المحيط بها.
تتوزّع قصص المجموعة الصادر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع، وبدعم من وزارة الثقافة، بين الواقعي والرمزي، وبين السرد المكثّف في القصة القصيرة جداً والبناء الأكثر اتساعاً، لتقدّم عوالم تتشابك فيها الأزمنة والأمكنة، ويغدو الإنسان محور التجربة ومركزها.
يحضر الموت في هذه النصوص، بوصفه احتمالاً دائماً، لا لينفي الحياة بل ليؤكد قيمتها، وتبرز المفارقة أداةً فنية تكشف التناقض بين القهر والحلم، وبين الطارئ والأصيل، وبين العنف والإصرار على البقاء. كما تتكئ بعض القصص على الرمز والغرائبية، فيما تستثمر أخرى تفاصيل الواقع اليومي لتشييد دلالات إنسانية عميقة.
وتعتمد القصص على تنويع فني يجمع بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، موظّفةً الرمز والمفارقة والبعد الوجودي، إلى جانب مشاهد واقعية نابضة بتفاصيل الحياة اليومية. وفي هذا السياق، تتبدّى الشخصيات وهي تواجه هشاشتها الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته تتمسّك بالأمل والعمل والإرادة، بما يمنح النصوص بعداً إنسانياً عميقاً يتجاوز حدود الجغرافيا نحو أفق أكثر شمولاً واتساعاً.
وكتب مقدمة المجموعة الدكتور إبراهيم السعافين، مشيراً إلى أن هذه المجموعة التي أبدعها القاص شفيق النوباني تتناول موضوعات متعددة ومتنوعة، غير أنها تلتقي جميعاً في معالجة الهمّ الإنساني والقضايا الوجودية الكبرى؛ مثل الحب، والموت، والحرية، والظلم، والاستبداد، والفقر، والمرض، والضعف، والقوة، والبدايات.
ويتجلّى ذلك في قصة "نهايات مألوفة"، التي تصوّر حركة الهدم والبناء من خلال رمزية الأسد العجوز، وكذلك في قصة "غرفة الإنعاش"، التي تعالج ثنائية الموت وأشواق الحياة.
أما قصة "ندى"، فتتوسّل بالرمز لمعالجة قضايا السحر والعبث ومعنى الغرائبية والهوية، من خلال علاقة ندى بفزّاع في فضاء السيرك والطبيعة، واستحضار سؤال الوجود. فيما تحمل قصة "شاشة"، على واقعيتها، بُعداً رمزياً وآخر وجودياً يتجلّى عبر لعبة الشطرنج. وتحفل قصة "زمكان"، بأسئلة وجودية عميقة تتصل بعلاقة الشخوص بالزمان والمكان، وحضور موضوعات تتقاطع وتفترق، مثل الحب والموت.
ويشير السعافين إلى أن الكاتب توسّل بفن القصة القصيرة جداً لمعالجة هذه القضايا الوجودية وغيرها ببراعة ورشاقة، كما يتجلّى في قصص: "قطرة ماء"، و"رحلة صيد"، و"خوف"، و"صندوق بارد"، و"قوقعة"، و"يوغا"، و"نوم"، و"خيال سياسي".
ولعل قصة "حصار"، التي كتبها مؤخراً، جديرة بالتوقف عندها لما تنفرد به على صعيدي الشكل والمضمون؛ إذ بناها الدكتور شفيق على حدث يومي يتكرر في قطاع غزة، حيث يرزح السكان تحت حصار يستهدف تقويض مقومات الحياة، في مشهد يتجاوز القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، وسط دعم قوى لا ترى في أهل القطاع بشراً يستحقون الحياة.
أما بطل القصة، فهو نموذج للإنسان الذي يعيش على هذه الأرض؛ يسكن مخيم الشاطئ، وهو مكان تكتسب دلالته أهمية خاصة في تصوير معاناة أجيال متعاقبة على مدى خمسة وسبعين عاماً. وقد أتاح هذا الفضاء السردي بروز عنصر المفارقة بقوة في ذاكرة الشخصية، حين يقارن بين أزقة المخيم وفضاءات جامعة في المغرب، وبين اليهودي المغربي الذي لم يشارك في الاغتصاب والاحتلال، والمهاجر الذي جاء ليستولي. كما تنعكس المفارقة في المقارنة بين حياة المخيم القاسية وحياة البيوت الأنيقة في الجوار.
ويتّضح أن القصة تتناول لحظة مأزومة، لكنها ــ للأسف ــ لحظة متوقعة في كل حين؛ إذ يصوّر السرد غاصباً جاء مسلّحاً بقوة وحشية وقيم عنصرية متخلّفة، على مرأى عالمٍ يتنكّر.
في مثل هذا المشهد، وفق، السعافين يبدو الموت احتمالاً عاجلاً، فردياً كان أم جماعياً، وهو ما يتهدّد مصير الشخصية. وفي ذروة المحنة، تستعيد الشخصية مسيرة كفاحها في حياة اللجوء والغربة والشقاء، بوصفها نموذجاً للفلسطيني الذي لا يستسلم ولا يستكين؛ إذ يواصل، رغم أقسى الظروف وأعتى التحديات، تحصيله العلمي حتى ينال درجة الماجستير، وربما ما هو أعلى منها.
ويضيف السعافين البؤس والمعاناة، قد أتيح له أن يغادر، لكنه آثر أن يبقى بين من يحملون الحلم والأمل. وهنا تتجلّى المفارقة واضحة: بين طارئٍ يتسلّح بالوهم والأسطورة وغطرسة القوة، وأصيلٍ يحب الناس ويحلم بسيادة الخير والمحبة والسلام؛ بين محتلٍّ ممتلئ بالكراهية والحقد والعنصرية، وأناسٍ يتطلّعون إلى العيش في أرضهم، يربّون أبناءهم، ويزرعون حقولهم في أمانٍ وسلام.
ويرى السعافين أن الشخصية، وهي ترزح تحت وطأة الإصابة، تتأرجح بين توقّع النجاة واستشعار ما هو أسوأ. وحين يُتاح لها أن تبصر النور مجدداً، لا تنشغل بخلاصها الفردي، على خلاف ما قد يُنتظر، بل تنخرط في مساعدة المنقذين، في دلالة رمزية على أن العمل الجمعي هو السبيل الأوحد للخلاص.
ويشير السعافين إلى أن القصة تتضمّن بعض الحمولات الشارحة التي قد تبدو زائدة عن الحاجة، كالتساؤل عن ضرورة ما حدث وجدوى المقاومة؛ غير أن الإجابة تأتي من داخل البناء الفني ذاته، لا من خارجه، فتغدو هذه التساؤلات جزءاً عضوياً من نسيج القصة، تقنع المتلقي بحتميتها وضرورتها الفنية.
ويخلص إلى أن هذه المجموعة الأنيقة والرشيقة تمثل عملاً فنياً أصيلاً، يغوص في الهمّين الوطني والإنساني، وهي جديرة بالتأمل والقراءة والدراسة.