تحالف بحري من أجل "هرمز".. تصعيد ضد إيران أم محاولة من ترامب للانسحاب؟
الغد-محمد الكيالي
تثير الدعوة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتشكيل تحالف بحري في مضيق هرمز تساؤلات واسعة، بخاصة أنها جاءت بعد تصريحات متكررة عن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية.
وتدور تساؤلات عدة في فلك سياسة المنطقة، منها ما مدى انعكاس هذه الدعوة كتناقض في الخطاب الأميركي أم أنها خطوة إستراتيجية تهدف لإدارة مرحلة جديدة من الصراع؟
وبينما تبدو الفكرة في ظاهرها مرتبطة بحماية الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، فإن استمرار الهجمات الصاروخية بالمنطقة يشير إلى أن فرض السيطرة الكاملة على المجال الإيراني أو تحييد قدراته العسكرية لم يتحقق بصورة نهائية حتى الآن.
وفي هذا السياق، تتقاطع الأبعاد العسكرية مع حسابات اقتصادية وجيوسياسية أوسع، حيث أن مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس تجارة النفط العالمية، بات ورقة ضغط مؤثرة في المعادلة الإقليمية، قادرة على رفع كلفة الحرب وإرباك الأسواق العالمية في حال تعطلت الملاحة فيه.
ومن هنا تبدو الدعوة الأميركية لتحالف بحري محاولة لتدويل أمن الممرات البحرية وتقاسم الأعباء مع القوى الكبرى المستوردة للطاقة، إلى جانب السعي لردع طهران وعزلها سياسيا.
تحالف لتقاسم أعباء المواجهة
ومن هنا، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د.خالد شنيكات إن الولايات المتحدة والاحتلال لم تتمكنا حتى الآن من فرض سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية أو منع إطلاق الصواريخ بشكل تام، مشيرا إلى أن استمرار الهجمات الصاروخية باتجاه إسرائيل وبعض القواعد الأميركية يعد دليلا على ذلك.
وأكد أن الدعوة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتشكيل تحالف بحري في المنطقة تهدف في جانب منها لتوزيع الأعباء العسكرية والاقتصادية على شركاء الولايات المتحدة، وليس إبقاءها مسؤولية أميركية منفردة.
وأضاف أن واشنطن تسعى عبر هذه الخطوة إلى دفع الدول التي تمتلك مصالح اقتصادية في المنطقة، بما في ذلك القوى الكبرى مثل الصين، إلى تحمل جزء من المسؤولية في حماية الممرات البحرية الحيوية.
وبين أن السيطرة العسكرية الكاملة على مضيق هرمز تعد مهمة شديدة التعقيد من الناحية العسكرية، لافتا إلى أن تحقيق ذلك قد يتطلب تغييرات جوهرية داخل إيران بما في ذلك احتمال تغيير النظام، وهو سيناريو بالغ الصعوبة ويستلزم تدخلا بريا واسع النطاق قد يحتاج إلى مئات الآلاف من الجنود.
وأشار إلى أن حدوث احتجاجات شعبية واسعة داخل إيران قد يغير موازين القوى، إلا أن هذا الاحتمال يبقى غير مضمون في الوقت الراهن.
وأضاف أن طهران ما تزال تمتلك القدرة على استهداف الملاحة في المضيق أو عرقلة حركة السفن وناقلات النفط، وهو ما ظهر في حوادث استهداف بعض السفن مع اندلاع المواجهات الأخيرة.
ولفت إلى أن دعوة واشنطن لتشكيل تحالف دولي تحمل أيضا بعدا سياسيا، حيث تهدف لإظهار أن إيران لا تواجه الولايات المتحدة والاحتلال فقط، بل المجتمع الدولي بأسره، وهو ما قد يدفع العديد من الدول إلى الانخراط في الصراع إذا تعرضت سفنها التجارية أو مصالحها البحرية للخطر.
كما أشار إلى أن أحد الدوافع الرئيسة لهذه السياسة يتعلق بالجانب الاقتصادي، إذ تسعى الإدارة الأميركية إلى تجنب ارتفاع كبير في أسعار النفط في حال تعطلت الملاحة في المضيق لفترة طويلة.
وأوضح أن بعض التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن استمرار إغلاق المضيق لأسابيع قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 200 دولار للبرميل، وهو ما قد يسبب صدمة قوية للاقتصاد العالمي ويهدد بدخول الأسواق في حالة ركود، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على الاقتصاد الأميركي أيضا.
تهديد هرمز يرفع كلفة الحرب على واشنطن
بدوره، قال المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي د.منذر الحوارات، إن إيران توظف الأهمية الجيوسياسية لـمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، كورقة ضغط في الصراع الدائر.
وأضاف "فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية يمنح طهران قدرة على رفع كلفة المواجهة، ليس فقط عسكريا بل اقتصاديا أيضا، عبر التأثير في أسعار النفط والتسبب باضطرابات في الأسواق العالمية وارتفاع معدلات التضخم".
وأوضح أن ترامب يسعى لتقليل تأثير هذه الورقة عبر الدعوة إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في المضيق، على غرار التحالفات التي أُنشئت سابقا لتأمين ممرات بحرية حيوية مثل مضيق باب المندب.
ويرى أن تدويل أمن المضيق يعني عمليا تحويل قضية حماية إمدادات الطاقة لمسؤولية دولية مشتركة، الأمر الذي قد يقلص قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط مباشرة، حيث إن أي محاولة لإغلاقه ستضعها في مواجهة مع تحالف دولي واسع.
ومع ذلك، أكد الحوارات أن هذا التحرك لن ينهي بالكامل النفوذ الإيراني في المضيق، حيث تمنح الجغرافيا إيران موقعا إستراتيجيا على ضفته الشمالية ويتيح لها ذلك امتلاك أدوات متعددة للتأثير في حركة الملاحة، مثل الزوارق السريعة والألغام البحرية والطائرات المسيرة.
ورغم أن هذه الوسائل قد لا تؤدي إلى إغلاق المضيق بشكل كامل، فإنها قادرة على تهديد أمن الملاحة ورفع كلفة المرور عبره.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تواجه في المقابل تحديا يتمثل في تردد عدد من الدول الأوروبية والآسيوية في الانخراط بمواجهة مباشرة مع طهران.
ويعزى هذا التردد إلى خشية تلك الدول من اتساع نطاق الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع، فضلا عن اعتماد اقتصاداتها على استقرار أسواق الطاقة.
وخلُص الى أن تشكيل تحالف دولي قد يحد من قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط مباشرة، لكنه لن يلغي نفوذها عليه تماما، حيث بات الصراع يتجاوز البعد العسكري ليشمل تنافسا جيوسياسيا أوسع على أمن الطاقة والممرات التجارية العالمية.
أمن الطاقة العالمي في قلب الأزمة
فيما رأى الخبير الأمني والإستراتيجي د.عمر الرداد أن الدعوة التي أطلقها ترامب لتشكيل تحالف بحري في المنطقة تبدو شبيهة بالتحالف الدولي الذي تشكل خلال إدارة جو بايدن لمواجهة تهديدات الحوثيين للسفن التجارية في البحر الأحمر والمعروف باسم "تحالف الازدهار".
ولفت الرداد إلى أن هذه الدعوة رغم التصريحات المتكررة لترامب بشأن تدمير القدرات الإيرانية، تحمل أبعادا أوسع من الجانب العسكري المباشر.
وتابع: "فواشنطن تسعى لإشراك الدول الكبرى المستوردة للنفط من منطقة الخليج في تحمل تبعات الأزمة، خصوصا أن الولايات المتحدة أعلنت مرارا أنها لا تعتمد على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز".
وشدد على أن استمرار تهديد الملاحة بالمضيق سيؤثر بشكل رئيسي في الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها الصين.
وأشار إلى أن الإدارة الأميركية تسعى عبر هذه الخطوة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، في مقدمتها احتواء تداعيات ارتفاع أسعار النفط العالمية، إلى جانب هدف سياسي يتمثل في عزل إيران دوليا وحشد أطراف دولية ضدها تحت عنوان حماية سلاسل الإمداد العالمية ومنع تهديد الاستقرار الدولي.
وأضاف أن واشنطن تراهن أيضا على احتمال وقوع حوادث استهداف للسفن التجارية في ظل التصعيد القائم، سواء عبر الألغام البحرية أو الطائرات المسيرة أو الصواريخ، وهو ما قد يدفع الدول المالكة لتلك السفن إلى الانخراط بشكل أكبر في المواجهة العسكرية.
وفي المقابل، لفت الرداد إلى أن الخطة الأميركية ما تزال تواجه قدرا من التحفظ الأوروبي، حيث تخشى دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى كوريا الجنوبية، من أن يتحول ملف المضيق إلى مدخل للانجرار نحو حرب أوسع في المنطقة.
ومع ذلك، لا يعني هذا التردد تخلي هذه الدول عن واشنطن، إذ قد تكتفي بتقديم دعم لوجستي أو استخباراتي دون الانخراط المباشر في العمليات العسكرية.
وشدد على أن ملف مضيق هرمز يظل بالغ التعقيد في ظل الحديث عن خيارات عسكرية أميركية محتملة تشمل تعزيز السيطرة على مواقع إستراتيجية قريبة من السواحل الإيرانية مثل جزيرة خرج وجزيرة قشم.
واعتبر أن الولايات المتحدة تراهن في نهاية المطاف على أن تفقد إيران قدرتها على استخدام المضيق كورقة ضغط إستراتيجية في الصراع.