الدستور
يقول ليو تولستوي، شيخ الأدباء الروس: «الإنسان الذي يقدر على الحب، يقدر على كل شيء.»
ابتسمت عبلة وقالت: «هذا قول يذكرني بعنترة.»
تقدَّم عنترة بن شداد مكبَّلًا بالقيود أمام النعمان بن المنذر، بينما كان الجنود يجلدونه بالسياط ويدفعونه بقسوة حتى سقط عند قدمي الملك. صاح به النعمان غاضبًا: «ويحك أيها العبد! كيف تجرؤ على سرقة النوق من مراعينا؟!»
رفع عنترة رأسه بثبات وقال: «مولاي، لم أكن لأسرقها، بل كنت أريدها مهرًا لمحبوبتي عبلة، فقد طلب والدها مئةً من النوق الحمراء مهرًا لها.»
ضحك الملك ساخرًا وقال: «يا أحمق! وهل صدَّقت ذلك؟! والدها لا يريد النوق، بل يريد هلاكك!» ثم أضاف متعجبًا: «سأهب لك النوق المئة.»
عاد عنترة بالنوق إلى بني عبس فرحًا، لكنه فوجئ بادعائهم أن عبلة قد خُطفت. غلبه القهر، فانهمرت دموعه واشتد به الغضب، فذبح النوق جميعها تعبيرًا عن حزنه وغيظه، فلم يطعم منها أحد، ولم تأكلها سوى الغربان والسباع.
ثم ختمت عبلة قصتها قائلة: «لم أحبه قط، فكيف أتزوج عبدًا؟! لقد أحبني بصرامة سيفه وقوة شعره، لكن لولا حبي له، لما خُلد اسمه، ولا ذُكرت بطولاته وأشعاره.»
*****
يقول أبو عبد الله القرشي: «حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى منك شيء.»
جاءت ليلى شامخة، يملؤها الغرور، وقالت: «عشقني قيس بن الملوح، وبعد أن لوَّحته، تزوجته ووهبت له كل نفسي. لكن الله لم يكتب لنا أن نُرزق بالأولاد، فبدأ والداه يلحّان عليه ليطلقني، لكنه رفض، فقد كان يحبني.»
وقف والده في العراء، تحت الشمس اللاهبة والبرد القارس، سنةً كاملة، مهددًا: «سأظل واقفًا حتى أموت إن لم تطلقها!»
قلت لحبيبي: «لا تستمع إليهما، فتضيع وتضيّعني.»
لكنه، أخيرًا، استسلم لهما وطلقني. غير أنه لم يستطع الزواج بغيري، فأصابه الجنون. وحين رأى والداه حاله، توسّلا إليّ أن أعود إليه، وقالا: «لقد وهب لك كل نفسه.»
لكنني رفضت!
*****
يقول الأصمعي: «ومن الحب ما قتل.»
أنا جذيمة، ملك العراق، قتلني الحب. لم أستمع إلى مشورة ناصحي الأمين قصير، حين دعتني الزبّاء، ملكة تدمر، للزواج منها بعدما قتلت والدها. قال لي محذرًا:
«رأيٌ فاتر، وغدرٌ حاضر، لا تمكنها من نفسك، فأنت قد وترتها وقتلت أباها.»
لكن الحب أعمى بصيرتي، وسدّ أذنيّ عن الحكمة.
عندها، همهم قصير بأسى: «لا يُطاع لقصير أمرٌ»، فصار ذلك مثلًا يضرب.
سار جذيمة إلى تدمر، فاستُقبل بالورود والهدايا. التفت الملك مزهوًا إلى قصير، وقال ساخرًا:
«والآن، ماذا ترى يا قصير؟»
رد قصير بمكر: «خطبٌ يسير في شيء كبير. فإن سارت أمامك، فهي صادقة، وإن أخذت جانبيك وأحاطت بك من خلفك، فالقوم غادرون بك.»
لكن جذيمة نسي نصيحة قصير، فقد قتله الحب قبل أن يُقتل!
رأى قصير نذر الغدر فهرب، أما الملك العاشق، فقد وقع في الفخ، إذ قبض عليه الجنود وألقوه تحت قدمي الزبّاء. رفع رأسه مدهوشًا، متسائلًا عن مصير الزواج، فابتسمت ساخرة، وقالت:
«أشُوارُ عرسٍ ترى؟!»
أجاب في يأس: «أمرُ غدرٍ أرى.»
وكان مصيره النطع والسيف.
*****
من الصخر والرمل، ومن الثلج والنار، يخرج الحب.
لماذا يحب فلانٌ فلانة؟ ولماذا يموت فلانٌ في حبها؟ لا أحد يعرف. إنها وصفة سحرية، لا يعلم سرَّها إلا الله.
والأقوال في الحب لا تنتهي، وهي متضاربة؛ فكلٌّ يراه من زاوية تجربته، فمنهم من يصفه بالجنة، ومنهم من يراه نارًا تحرق القلب. لا أحد مصيب أو مخطئ، لكن الجميع يتفق على أمر واحد: أنه يسلب العقل!