عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Mar-2026

رحيل صاحب أناديكم.. " أحمد قعبور" صوتٌ عربيٌّ حمل فلسطين في حنجرةٍ واحدة

 الغد- إسراء الردايدة

رحل اليوم في بيروت، عن سبعين عاماً، صوتٌ رافق وجدان العرب في لحظات الخسارة والأمل معاً؛ رحل أحمد قعبور، صاحب «أناديكم»، بعدما أنهكه المرض، تاركاً خلفه ما يشبه خريطة عاطفية للقضية الفلسطينية وللإنسان العربي المقهور والآمل في آن واحد.
 
 
 
 
رحل الجسد، لكن ذلك الصوت الدافئ، المبحوح قليلاً، سيظل يتردّد في المخيمات والساحات وشاشات الذاكرة، كلما اشتدت الحاجة إلى أغنية تُرمّم ما تهشّم في الروح وتذكّر بأن الحرية ليست حلماً بعيداً بل وعداً مؤجلاً.
 
 
 
سيرة ومسار فني ملتزم
 
وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955 ونشأ في بيئة شعبية متواضعة جعلته قريباً من نبض الناس، فاختار منذ بداياته طريق الأغنية الملتزمة، لا مسار الاستعراض التجاري.
 
 
درس التمثيل في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وبدأ حياته المهنية من خشبة المسرح قبل أن يعرفه الجمهور العربي مطرباً وملحناً ارتبط اسمه بفلسطين وقضايا الإنسان.
 
 
 
فمنذ منتصف السبعينيات، تبلورت هويته كفنان يرفض فصل الجمالي عن الأخلاقي، فغنّى للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وظل متمسكاً بخطّه حتى سنواته الأخيرة رغم تغيّر الذائقة والسوق.
 
 
 
كيف غنّى لفلسطين والمقاومة
 
شكّلت فلسطين قلب المشروع الفني لأحمد قعبور، لا مجرد محطة عابرة في رصيده الغنائي. منذ شبابه، انحاز للمخيّم وللاجئ ولصورة الإنسان الفلسطيني وهو يقاوم، فغنّى للخيام ولحقّ العودة وللأسرى وللأطفال تحت الاحتلال، مقدّماً صورة إنسانية عميقة لا تكتفي بالشعار.
 
 
مع اجتياح بيروت والحروب المتعاقبة، تحوّلت أغانيه إلى ما يشبه الأرشيف العاطفي للمقاومة: أصوات تخرج من الراديوات القديمة، والكاسيتات في الباصات، ومن المنابر الشعبية في المسيرات، لتربط بين فرد في مخيم صغير وأفق عربي أوسع يشعر أن هذه الأغاني تُغنيه عنه.
 
 
لم يكن قعبور يغنّي من موقع المراقب، بل من قلب التجربة، لذلك بدا صوته دائماً ملتصقاً بالأرض والناس. حافظ في أعماله على لغة بسيطة، مباشرة، تستطيع أن تعبر من خيمة في مخيم عين الحلوة إلى بيت في عمّان أو الدار البيضاء أو غزّة، من دون حواجز لغوية أو طبقية.
 
 
 
فأصبح صوته جزءاً من هوية الذاكرة الفلسطينية نفسها؛ حضوراً فنياً يوازي صور الشهداء والمفاتيح المعلقة على الجدران وحقائب السفر الدائمة الاستعداد.
 
 
"أناديكم"… النشيد الذي صار ذاكرة
 
انفجرت شهرة أحمد قعبور عربياً مع أغنية «أناديكم»، المأخوذة من قصيدة توفيق زيّاد «أشدّ على أياديكم»، والتي لحّنها وقدّمها لأول مرة في سياق جرح مفتوح اسمه الحرب اللبنانية والقضية الفلسطينية. الأغنية التي قدّمها في أحد المستشفيات الميدانية لرفع معنويات الجرحى والمقاتلين سرعان ما خرجت من قاعة صغيرة لتصبح نشيداً واسع الانتشار يرافق التظاهرات، والاعتصامات، وأمسيات التضامن، وأشرطة الكاسيت التي تتداولها الأيدي في المخيمات.
 
 
مع كل حرب على غزة، أو انتفاضة، أو هبّة شعبية، تعود «أناديكم» إلى الواجهة كأنها كُتبت لتوكّد أن النداء لم يُستجب بعد بالكامل، وأن الأيدي ما زالت مشبوكة في مواجهة العزلة واليأس.
 
 
جمال «أناديكم» لا يكمن فقط في مضمونها، بل أيضاً في بنائها الفني الذي جعلها قابلة للحياة الطويلة. اللحن بسيط، دافئ، يقوم على جملة موسيقية تتكرر من دون أن تفقد توترها الداخلي، فيسمح هذا التكرار بتصاعد عاطفي يوازي تصاعد المعنى.
 
 
 
يحمل اللحن حساً ترنيمياً أقرب إلى مناجاة جماعية، ما يجعله مناسباً للساحات بقدر ما هو ملائم للمسرح أو الاستماع الفردي. صوت قعبور، بخليطه من الدفء والخشونة الخفيفة، يضخ في الكلمات صدقاً وألماً مكظوماً، يبدأ هادئاً متردداً ثم يشتد عند جملة «أشدّ على أياديكم»، فيخلق توازناً مؤثراً بين الرجاء والإصرار.
 
 
 
ومع دخول الكورال، تتحول الجملة من خطاب فرد إلى نشيد جماعة، كأن الأغنية نفسها تمثّل فكرة المقاومة: صوت واحد يبدأ، ثم تلتحق به الأصوات حتى يصيروا جمهوراً لا يمكن تجاهله.
 
 
 
مسيرته التمثيلية وحضوره على الشاشة
 
إلى جانب الغناء، راكم أحمد قعبور تجربة تمثيلية مهمّة، خصوصاً لمن يتتبع تاريخ السينما والدراما المرتبطة بالقضايا العربية. في السينما، لمع حضوره في فيلم «ناجي العلي» مطلع التسعينيات، حيث شارك في عمل يستعيد سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني الذي دفع حياته ثمناً لموقفه، فكان اختيار قعبور تمثيلياً امتداداً طبيعياً لاختياراته الغنائية.
 
 
لاحقاً، ظهر في العمل الدولي «Carlos» مجسّداً شخصية وديع حداد، ما فتح له نافذة على جمهور أوسع وشكّل اعترافاً عالمياً برمزية القضية التي يحملها صوته وصورته.
 
 
في الدراما التلفزيونية، شارك في أعمال اجتماعية وتاريخية عدّة، من بينها مسلسلات تناولت صلاح الدين الأيوبي وأبو الطيب المتنبي، حيث جمع في بعض هذه الأعمال بين التمثيل وتقديم الأغاني أو الموسيقى التصويرية.
 
 
 
في السنوات الأخيرة، عاد بقوة إلى الشاشة عبر مسلسل «النار بالنار» وأعمال أخرى مشتركة، مؤدياً شخصيات قريبة من الإنسان العادي، الأب، أو الرجل الذي تحاصره الهزائم الصغيرة والكبيرة، في استكمال لصورة الفنان الذي يرى نفسه جزءاً من الناس لا نجماً معزولاً عنهم.
 
 
 
إرث ثقافي وإنساني باقٍ
 
برحيل أحمد قعبور، لا يفقد العالم العربي مطرباً وملحناً وممثلاً فحسب، بل يفقد أحد الأصوات النادرة التي حافظت على خيط متين بين الفن والكرامة الإنسانية.
 
 
ترك قعبور خلفه أغاني ستُكتشف من جديد في كل جيل، وأدواراً تمثيلية وأعمالاً موسيقية ستبقى شاهدة على زمنٍ كان فيه للفن دور مباشر في صناعة الوعي لا في تزجية الوقت. إرثه ليس في الأرشيفات فقط، بل في تلك اللحظة التي يعلو فيها صوته من هاتفٍ في مسيرة تضامن، أو من مكبر صوت في مخيم بعيد، أو من ذاكرة شخص يسمع «أناديكم» فيغصّ ثم يشعر، رغم كل شيء، أن الأمل ما زال ممكناً.