عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Jan-2026

مجلس السلام.. بديل أم منافس للأمم المتحدة؟*حسن الدعجة

 الغد

أعاد إعلان إدارة دونالد ترامب عن إنشاء ما سُمّي بـ»مجلس السلام» في غزة فتح نقاش أعمق حول طبيعة التحولات التي يسعى إليها في النظام الدولي، وحدود علاقته مع منظومة الأمم المتحدة التي ظل ينتقدها طوال سنوات. فالمبادرة، التي قُدِّمت في ظاهرها كآلية جديدة لإدارة ما بعد الحرب في غزة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، تبدو في جوهرها، وفق كثير من الدبلوماسيين والمحللين، خطوة تتجاوز السياق الفلسطيني إلى محاولة إعادة هندسة أدوار المؤسسات متعددة الأطراف برمتها.
 
 
القلق تصاعد تحديداً عندما تبيّن أن مسودة ميثاق المجلس المرسلة إلى الدول المدعوة لا تذكر قطاع غزة أصلاً، بل تتحدث بلغة عامة عن الحاجة إلى «هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام». هذه الصياغة الفضفاضة، كما وصفتها «فاينانشيال تايمز»، فتحت الباب أمام قراءة أوسع مفادها أن واشنطن لا تبحث فقط عن آلية خاصة لغزة، بل عن نموذج بديل يمكن تعميمه على نزاعات أخرى، بما يضعه في موقع منافس – أو حتى بديل– للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.
يأتي ذلك في سياق أكثر إثارة للجدل بعد توقيع ترامب قراراً بالانسحاب من 66 منظمة وهيئة دولية تابعة أو مرتبطة بالأمم المتحدة، مع تبريره بأن هذه الكيانات «لا تخدم المصالح الأميركية». هذا التزامن بين الانسحاب الواسع وتأسيس كيان جديد بقيادة أميركية مباشرة عزّز الانطباع بأن واشنطن لا تكتفي بالانسحاب من النظام القائم، بل تسعى إلى بناء مسار موازٍ يخضع لشروطها السياسية والمالية.
الميثاق يعرّف «مجلس السلام» باعتباره منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم القانوني، وتحقيق سلام دائم في مناطق الصراع أو التهديد. غير أن طريقة تصميم المجلس تعكس تركيزاً غير معتاد للسلطة في يد الرئيس الأميركي نفسه. فترامب سيكون رئيس المجلس وصاحب الكلمة الأخيرة في اختيار الأعضاء، وجدول الأعمال، وتشكيل الكيانات الفرعية، بل وحتى حلّها عند الضرورة. كما أن قرارات المجلس، رغم اعتمادها مبدئياً بالأغلبية، ستظل خاضعة لموافقته النهائية، ما يمنحه فعلياً حق نقض عملياً غير مُسمّى.
أكثر ما أثار حفيظة العواصم الأوروبية هو ما ورد في مسودة الميثاق حول المساهمات المالية. فبينما نفت الإدارة الأميركية وجود «رسوم عضوية إلزامية»، تحدثت تقارير عن مطالبة الدول الراغبة في مقعد دائم بالمساهمة بما لا يقل عن مليار دولار، مع امتيازات خاصة للدول التي تدفع أكثر. هذا الربط بين النفوذ السياسي والقدرة المالية يختلف جذرياً عن منطق الأمم المتحدة القائم على مبدأ المساواة السيادية، حتى لو كان الواقع الدولي يمنح القوى الكبرى نفوذاً أكبر داخل مجلس الأمن.
هيكل المجلس المقترح يعزز أيضاً طابعه الشخصي-الرئاسي: مستوى أعلى يضم رؤساء دول حصراً تحت قيادة ترامب، يليه مجلس تنفيذي عام، ثم مجلس تنفيذي خاص بغزة، مع إمكانية إنشاء مجالس مماثلة لنزاعات أخرى مثل أوكرانيا أو فنزويلا. هذا التصميم يشير إلى تصور متدرج يمكن أن يتوسع بمرور الوقت ليصبح منصة دولية بديلة للوساطة وإدارة الأزمات، لكن وفق قواعد أميركية صريحة.
دعوة ترامب لقادة مثل الملك عبدالله الثاني وخافيير ميلي في الأرجنتين ومارك كارني في كندا، إضافة إلى اتصالات مع دول أوروبية، تُظهر رغبته في إضفاء شرعية دولية على المشروع. لكن التسريبات تفيد بأن عدة دول تعارض المسودة بشدة، وترى فيها محاولة لتكريس نظام انتقائي تتحكم فيه واشنطن مالياً وسياسياً، بعيداً عن التعددية المؤسسية التي تمثلها الأمم المتحدة.
اللافت أن البيت الأبيض يصرّ علناً على أن تركيز المجلس ينصبّ حالياً على الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني فقط، لكنه يترك الباب مفتوحاً لتوسيعه مستقبلاً ليشمل اتفاقيات سلام أخرى «أنجزها ترامب». هذا الغموض المقصود يعكس استراتيجية تقوم على اختبار ردود الفعل الدولية أولاً، ثم التوسع لاحقاً إذا لم تواجه مقاومة كبيرة.
في المقابل، يرى منتقدو المشروع أن المشكلة ليست فقط في تنافسه مع الأمم المتحدة، بل في تقويض مبادئ القانون الدولي الجماعي. فالأمم المتحدة، رغم عيوبها وتعثراتها، تمثل إطاراً عالمياً يضم كل الدول، بينما «مجلس السلام» يبدو أقرب إلى تحالف بقيادة أميركية بغطاء مؤسسي، مع آليات مساءلة محدودة وأدوار مالية مثيرة للجدل.
الأهم أن هذه الخطوة تندرج ضمن نمط أوسع في سياسة ترامب الخارجية يقوم على تقليص الالتزامات المتعددة الأطراف، والاعتماد على ترتيبات مرنة تخضع للنفوذ الأميركي المباشر. الانسحاب من 66 هيئة دولية ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر على رؤية تعتبر أن المؤسسات القائمة تقيد حرية الحركة الأميركية أكثر مما تخدمها.
مع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح «مجلس السلام» في أن يصبح بديلاً فعلياً للأمم المتحدة ومجلس الأمن؟ الواقع أن بناء نظام دولي موازٍ يتطلب قبولاً واسعاً من القوى الكبرى والمتوسطة، وموارد هائلة، وشرعية قانونية يصعب تحقيقها خارج إطار الأمم المتحدة. كما أن إدارة نزاعات معقدة تتطلب حياداً نسبياً، وهو ما قد لا يتوافر في كيان يقوده طرف رئيسي في كثير من الصراعات.
في المحصلة، يبدو «مجلس السلام» أقل شبهاً ببديل كامل للأمم المتحدة، وأكثر شبهاً بأداة ضغط سياسية ومؤسسية لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل النظام الدولي. إنه رسالة مفادها أن واشنطن مستعدة لتجاوز المؤسسات القائمة إذا لم تتماشى مع رؤيتها، حتى لو كان الثمن مزيداً من الانقسام في الحوكمة العالمية.
سواء تحوّل المجلس إلى لاعب دائم أم بقي تجربة عابرة، فإنه يكشف بوضوح أن العالم دخل مرحلة صراع ليس فقط بين دول، بل بين نماذج مختلفة لإدارة النظام الدولي نفسه: تعددية مؤسسية تقودها الأمم المتحدة، مقابل ترتيبات انتقائية تقودها القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.