عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2026

في حضرة الضجيج*رمزي الغزوي

 الدستور

هناك شيء يتآكل فينا بصمت، ونحن نصفق. شيء يشبه الروح إذا ما فقدت بوصلتها، والعقل وقت يتنازل عن عرشه طوعا. فالتفاهة لم تعد زلة عابرة ولا موجة موسمية تنكسر ثم تمضي. نحن أمام زمن ارتفعت فيه الرداءة إلى مقام السيادة، وصار الضجيج لغة رسمية والقيمة تقاس بعدد العيون المعلقة لا بعدد العقول المستنيرة.
 
وهنا المسألة أعمق وأخطر من محتوى هابط، وأبعد من ذوق متردٍ. نحن أمام صناعة متكاملة، تستثمر في هشاشتنا وقلة حيلتنا، وتعرف كيف تطرق أبواب غرائزنا بخفة لص ماهر، وتخطفنا إلى شراكها..
 
   في الماضي كان الهامش يعرف حجمه، ويتسلل منسحبا إذا حضر المعنى. اليوم نرى ذلك الهامشي يعتلي المنصة، ويحدد من يبقى في الضوء ومن يلقى في العتمة. لم يعد السؤال ماذا نقدم؟ إنما كيف نتصدر؟ كيف نثير؟ لا كيف نؤثر.
 
بالطبع، فالخوارزميات، في وسائل «التناصل الاجتماعي»، على حد تسمية الصديق الشاعر حكمت النوايسة، لا تسأل عن الأخلاق، ولا تكترث بالقيمة والقيم، هي آلات باردة تحصي النقرات وتكافئ ما يطيل زمن التحديق، حتى ولو كان تحديقا مشوبا بالقرف والاشمئزاز.
 
وهنا تحديدا يتحول الانزلاق إلى إعادة برمجة للوعي الجمعي. نصحو فنجد أن الوقاحة غدت جرأة، والسطحية خفة ظل، والصراخ حضورا. تتبدل المعايير ويتشكل وهم أن التفاهة هي القاعدة، والعمق استثناء ثقيل الظل، وعندها ينسحب أصحاب الأسئلة والرؤى، ويتوارى الحقيقيون، ويخجل العاقل من صوته الخافت.
 
معركتنا معركة انتباه لا أكثر كون الإدمان على التفاهة غدا استلاب إرادة ناعما يحول الواحد منا إلى مستهلك «إمعي» يماعي مع من يماعون. معركتنا الآن صعبة إذ صارت الأمية جهلا اختياريا يكتفي بسطح يلمع.
 
هم يريدونك يا صاحبي مثل يد الباب. الكل يديرها كيف يشاء. فما أبشع أن يصبح الواحد منا قابلا للتوجيه بالإغراء أو بالصدمة أو بالتكرار. هذا زمن يريدنا أن نكون كذلك. زمن حول النجاح إلى رقم وعداد للمتابعين، والشهرة إلى هدف لكل من لا يملك إلا تفاهته.
 
ومع ذلك، لا شيء محسوما. المعرفة المتشككة ستبقى فعل مقاومة أبديا. وهي ما يدفعك أن تقرأ بوعي، وتعطي الأشياء من حولك حقها الحقيقي، والأهم أن ترفض الانجرار خلف السراب الرقمي. فمن يملك انتباهه يملك مستقبله، ومن يصن عقله يصن كرامته.
 
المبشر في الأمر أن الضجيج قصير النفس، والمعنى طويل البال، وهذا ما يدفعنا ألا نرضى بأن نكون صدى عابرا تردده الجدران الإلكترونية. علينا أن نكون صوتا متفردا يصنع أثرا، دون أن يلتفت إلى عدّاد المشاهدات؟ بهذا وحده نستعيد سيادتنا الفكرية قبل أن نسجل رقما في سجل الرداءة.