الدستور -
كلّ حربٍ لا بدّ أن تنتهي. تسكت المدافع يوماً، وتنطفئ النيران التي ملأت السماء دخاناً، لكن الحرب حين تتوقف لا يتوقف معها الألم، فآثارها لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تبقى محفورة في ذاكرة الشعوب ووجدان الأفراد، تخلّف مدناً مدمّرة وبنى تحتية منهارة، غير أنّ خسارتها الأعمق ليست في الحجر، بل في الإنسان؛ في الجروح الإنسانية الصامتة التي تمتد آثارها لسنوات طويلة، وربما لأجيال، وقبل أن تبدأ بالالتئام تبدأ حرب جديدة من جديد.
منذ فجر التاريخ، خاضت البشرية حروبًا لا تُحصى. وفي كل مرة يتكرّر السؤال ذاته: لماذا تنشب الحروب أصلًا؟ هل هي نتيجة صراع مصالح، أم انعكاس لطموحات سياسية، أم تعبير عن خوف متبادل بين الأمم؟ مهما اختلفت الإجابات، يبقى المؤلم أن ثمن هذه الصراعات لا يدفعه إلا الأبرياء من الاطفال الذين يفقدون طفولتهم، والنساء اللواتي يتحمّلن عبء الفقدان، وكبار السن الذين يشهدون انهيار ما بنوه طوال حياتهم، والشباب الذين يُزَجّ بهم في دوّامة العنف بدل أن يكونوا بناة المستقبل.
القادة الذين يقودون الأمم يفترض أن يكونوا نماذج أخلاقية تُجسّد القيم العليا للإنسانية. فقيادة الشعوب ليست مجرد إدارة مصالح أو فرض نفوذ، بل هي مسؤولية أخلاقية تجاه حاضر الإنسانية ومستقبلها. وإذا كان العالم يتحدث بكثرة عن مبادرات السلام والحوار بين الثقافات وأتباع الأديان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما جدوى هذه الجهود عندما تقف قوة تكون قادرة على هدم كل جهد نحو السلام، وتعيد البشرية إلى نقطة الصفر . هذا التساؤل ليس وليد تشاؤم أو فقدان أمل، ولا يرمي إلى تقديم إجابة جاهزة، بقدر ما يدعونا إلى التوقف مليًّا أمام ما يحدث حولنا ، كيف جرى حصر قوى المحبة والسلام في مواجهة قوى الرغبة والطمع، وكيف تُرك السلام رهينةً لميزان قوى تحكمه شهوة الحصول على المزيد؟ ومع ذلك، فأنا على يقين بأن قوى السلام ليست ضعيفة، بل قادرة على إحداث التغيير المطلوب لصالح البشرية، وهي، في نهاية المطاف، المنتصرة.
لقد شهدنا مبادرات للحوار، ومؤتمرات للسلام، وجهودًا دبلوماسية سعت إلى بناء جسور بين الشعوب، ومنها الجهود التي بذلتها المملكة ولا تزال، لاحراز الاستقرار في المنطقة سعياً نحو كرامة للبشر والتقدم والازدهار للمجتمعات. لكن هذه المبادرات تكافح ولا تجد مساند عندما تُواجَه بسياسات تقوم على منطق القوة والتدمير. عندها يبدو وكأن العالم يسير في حلقة مفرغة، لانه تُبنى جسور التواصل والسلام بجهد كبير، ثم تُهدم في لحظة صراع.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلّمنا درسًا لا يمكن تجاهله بأن كل الحروب تنتهي، وعاجلًا أم آجلًا، تجلس الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات، وتبدأ رحلة طويلة لإصلاح ما دمره فترة الصراع. لكن ما يُعاد بناؤه لا يكون فقط الحجر والطرق، بل أيضًا السرديات التاريخية. فبعد كل حرب، يُعاد كتابة التاريخ، وتظهر روايات مختلفة للأحداث، كل أمة تحاول أن تُثبّت روايتها الخاصة.
لطالما رددنا عبارة إن «لا رابح في الحروب»، وفي الواقع، ليست دقيقة. فالحروب غالباً ما تفرز رابحين وخاسرين على المستوى السياسي أو العسكري. الحقيقة الأعمق تبقى أن الإنسانية نفسها تكون الخاسر الأكبر، لأن الثمن يُدفع من حياة البشر ومن استقرار المجتمعات ومن فرص التقدم والسلام التي تضيع.
وكذلك اعتدنا أن نقول إن «التاريخ يعيد نفسه»، وغالباً ما نستخدم هذه العبارة بنبرة تشاؤمية، كأننا نقبل بأن المآسي ستتكرر حتماً. لكن ربما تكمن المشكلة في فهمنا لهذه الفكرة. فالتاريخ لا يُفترض أن يعيد إنتاج الأخطاء ذاتها، بل يمكنه أيضاً أن يكرر ما هو أفضل في التجربة الإنسانية، إذا نجحنا في تربية أجيال تؤمن بالحوار والاحترام المتبادل وقيمة الإنسان، فإن التاريخ قد يعيد نفسه بطريقة مختلفة؛ قد يكرر لحظات التقدم والتعاون بدل أن يعيد إنتاج الألم والصراع.
عندما تنتهي الحرب، تبدأ فرصة جديدة أمام البشرية. والسؤال الحقيقي ليس كيف تنتهي الحروب، بل ماذا نتعلم منها. فإذا بقيت الدروس حبيسة الكتب والخطب السياسية، فإن التاريخ سيستمر في إعادة المأساة. أما إذا تحولت تلك الدروس إلى وعي إنساني عميق، فقد يصبح المستقبل أقل قسوة مما كان عليه في الماضي. حمى الله الوطن