عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Feb-2019

الشرطة المصرية.. ذراع الحاكم لمواجهة الشعب! - ابوالفتوح قنديل

 

في فبراير من عام 2009، أصدر رئيس مصر السابق حسنى مبارك قراراً باعتبار الخامس والعشرين من يناير عيداً للشرطة المصرية. ويرجع الأصل في ذلك إلى موقعة الإسماعيلية في 25 يناير عام 1952، حين رفضت الشرطة المصرية الإذعان لأوامر قوات الاحتلال البريطاني بتسليم أسلحتها وقسم الشرطة ومبنى محافظة الإسماعيلية لقوات الاحتلال. وأدى ذلك الرفض إلى قيام قوات الاحتلال بمحاصرة قوات الشرطة والاشتباك معها. 
 
الأمر الذي أفضى إلى مقتل خمسين من رجال الشرطة المصرية واستيلاء قوات الاحتلال على مبنى محافظة الإسماعيلية. وذلك قبل أشهر من قيام حكم العسكر في مصر المعاصرة في يوليو من عام 1952، حين أطاح مجموعة من ضباط الجيش بآخر ملوك مصر من أسرة محمد على الملك (فاروق الأول)، وقد يشير ذلك إلى خلو تاريخ الشرطة المصرية على مدار سبعة وخمسين عاماً من أي انجازات تتعلق بواجبها الأساسي في حماية أمن المواطن في ظل حكم العسكر، فاستعار يوماً من عهد الملكية الذي انقلب عليه. ويبدو الأمر طبيعياً في ظل استعراض بسيط لممارسات الشرطة المصرية في ظل نظام حكم العسكر، والتي لا تختلف كثيراً عن تاريخها في قمع الشعب لصالح المحتل على تنوع خلفياته. 
 
وسيبقى النضال من أجل الحرية والديموقراطية مستمراً في انتظار الموجة الثانية من ثورة يناير 2011، لتقتلع الظلم والقهر من جذوره ولينعم الشعب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
فقد كان من المتوقع في ظل المقولات التي روج لها كذباً النظام الحاكم منذ يوليو 1952، أن يكون للشرطة دور مشرف وواجب تقوم به في حماية الأمن الشخصي للمواطنين وكذلك حفظ أمان واستقرار الوطن، إلا أن التاريخ يثبت عكس ذلك. فقد استخدم نظام يوليو 1952 الشرطة لتكون ذراع الحاكم القوي في مواجهة الشعب وقهره وإذلاله في مقابل حماية النظام. فعلى النقيض من شعار الرئيس جمال عبد الناصر (ارفع رأسك يا أخي فقد مضى زمن الاستعباد)، فإن فترة حكمه قد شهدت اعتقالات واسعة لأصحاب الرأي المعارض لنظام حكمه. فضلاً عن الدور الذي لعبته الشرطة في المواجهة العنيفة لاحتجاجات الطلاب والعمال في عام 1968. 
 
كما ظهر التعذيب بكثافة في السجون المصرية، وعرف عصره بالحديد والنار، وانتشر مصطلح "زوار الفجر"، الأمر الذي وثقته العديد من سجلات المحاكمات التي تلت هزيمة يونيو 1967، وكذلك المذكرات الشخصية والأعمال الفنية التي ظهرت في بدايات عهد الرئيس التالي محمد أنور السادات. وبالمثل فإن السمة الغالبة لنظام حكم السادات - لاسيما بعد عام 1973- لم تختلف كثيرًا عن الحقبة الناصرية. فبعد أن انتهت الحرب مع إسرائيل وحل محلها السلام، أصبحت المعارضة السياسية الداخلية تمثل الخطر الحقيقى على النظام، وكان لابد من وجود جهاز قوي لمواجهته. فأنشأ السادات جهاز الأمن المركزي عقب مظاهرات عام 1977، ليكون جيشاً داخلياً لقمع الشعب وأي معارضة. 
 
واستمرت سياسات القمع والتعذيب حتى طالت أشخاصا غير ضالعين في أي نشاط سياسي، كما طال الاعتقال مثقفين ورموز دينية وسياسية. واستمر القهر والقمع حتى اغتيال السادات نفسه في أكتوبر 1981 فيما عرف بحادث المنصة، ليتولى منصب الرئاسة من بعده الرئيس السابق محمد حسنى مبارك. ولم تكن ممارسات الشرطة في ظل مبارك أقل قمعاً، بل أصبحت أكثر قُبحاً وبشاعةً وانتشاراً في ظل سيادة قانون الطوارئ طوال فترة حكمه التي امتد لثلاثين عاماً. وقد شهد عهد مبارك العديد من القيود على الحريات، وازدادت حوادث الاعتقال والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون. بالإضافة إلى تضييق نطاق حرية الرأي، وإحكام قبضة النظام على الصحافة والإعلام التي تهدد النظام. 
 
وتسيدت الشرطة الشارع المصري بلا وازع من ضمير ولا رادع من قانون، وأطلقت يد الشرطة وجهاز أمن الدولة، فتزايدت وقائع الاعتداء على الحريات الشخصية، والاعتقال والتعذيب، والاغتصاب، وقتل المواطنين خارج نطاق القانون. وقد وثق عدد من المنظمات الحقوقية المحلية والعالمية العديد من أشكال وأساليب تلك الانتهاكات ومنها التعليق لساعات طويلة من الساعدين أو القدمين، والهجوم بالكلاب البوليسية، والتعرية، والإغراق في الماء شديد البرودة أو السخونة. وكذلك الصعق بالكهرباء والجلد والحرق والضرب المبرح، والتحرش الجنسي والتهديد بالاغتصاب والاغتصاب. وتُمثل واقعتي تعذيب (عماد الكبير) عام 2006، وتعذيب وقتل (خالد سعيد) عام 2010 مجرد مثالين لجرائم شرطة مبارك في حق المواطنين. 
 
وبينما تضمن قرار مبارك بشأن عيد الشرطة ما أسماه هو "تقديرًا لجهود رجال الشرطة المصرية في حفظ الأمن والأمان واستقرار الوطن واعترافًا بتضحياتهم في سبيل ذلك"، مثلت تلك الجهود دافعاً قوياً لثورة يناير 2011، وكسر الشعب شوكة الشرطة في 28 يناير 2011 أو ما يعرف بجمعة الغضب. الأمر الذي أدى إلى تنحى مبارك عن الحكم وزوال نظامه. وعلى الرغم من أن ممارسات وانتهاكات الشرطة كانت سبباً رئيسياً في اندلاع ثورة 25 يناير 2011، إلا أن الوضع لم يختلف كثيراً بعد الانقلاب العسكري في يوليو من عام 2013. 
 
فقد أعلن قائد الانقلاب العسكري الجنرال عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة أن ما حدث في يناير 2011 لن يتكرر في مصر، وأنه لن يحاسب ضابط لقتله مواطن. وفى محاولته لتوطيد أركان حكمه، أطلق قائد الانقلاب العسكري يد الشرطة والجيش معاً في قمع الشعب، فوصل عدد المعتقلين حوالي 60 ألف معتقل، فضلاً عن الانتهاكات غير المسبوقة لحقوق الإنسان. وأصبح العنف تجاه المواطنين أكثر شراسة وفجوراً. حيث أدى إلى استباحة أفرد الأمن لجسد وروح أي شخص، ليس فقط داخل أقسام الشرطة والسجون ومقار الاحتجاز، بل وفى الشارع أيضاً. واندفعت قوات الأمن في الانتقام لهزيمتها في 2011 بشكل عشوائي فراحت تبطش بالمواطنين على اختلاف انتماءاتهم وبغض النظر عن سن أو دين أو مرجعية فكرية أو سياسية. 
 
كما أضافت الشرطة أساليب أخرى لإذلال وقمع المواطنين منها إطلاق النار الحي بشكل عشوائي، واغتصاب النساء داخل مدرعات الشرطة وأقسامها، والإخفاء القسري، ومنع العلاج عن المعتقلين. فضلاً عن ممارسة أساليب التعذيب المعتادة والموثقة من جانب منظمات حقوقية. وطالما استمرت المؤسسة الأمنية في ممارسة العنف والقمع وانتهاك حريات المواطنين لحماية أنظمة حكم فاسدة وباطلة، فليست هي شرطة وليس لها عيد. وسيبقى النضال من أجل الحرية والديموقراطية مستمراً في انتظار الموجة الثانية من ثورة يناير 2011، لتقتلع الظلم والقهر من جذوره ولينعم الشعب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات