عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Feb-2026

عن مستقبل "النظام العالمي الجديد": حوار مع جون ميرشايمر (3/2)

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريس هيدجز* - (تقرير كريس هيدجز) 5/2/2026
كريس هيدجز: لكن يا جون، أعتقد أنه ببساطة لا يفهم (أن المؤسسات الدولية تخدم مصالح الولايات المتحدة). أعني، مشاهدتي له وهو يفكك مراكز ما سماها جوزيف ناي "القوة الناعمة" -"الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" (USAID)، و"صوت أميركا"، و"معهد السلام"- كلها كانت بالنسبة لي إشارة إلى أنه لا يفهم كيف تعمل القوة، خصوصًا على المستوى الدولي.
 
 
 
جون ميرشايمر: نعم، أعني، أعتقد أنه يفهم أن لدى الولايات المتحدة قدرًا كبيرًا من القوة الاقتصادية. إذا فكرتَ في الأمر، يا كريس، فإن ما حدث، خصوصًا خلال لحظة الأحادية القطبية عندما أنشأنا هذا النظام الدولي الليبرالي، هو أن نخب السياسة الخارجية الليبرالية في الولايات المتحدة اعتقدت أنها تستطيع إنشاء اقتصاد دولي يعزز قدرًا كبيرًا من الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين جميع دول العالم.
كنا نحقق اندماجًا اقتصاديًا حقيقيًا. وكان الاعتقاد أن ذلك لن ينتج ازدهارًا للجميع فحسب، بل لأنه يولد الازدهار، فإنه سيولد السلام أيضًا. لأنه إذا كان الجميع يزدادون ثراءً، فمَن هو الذي سيقتل الإوزة التي تبيض ذهبًا؟
هذه هي في الأساس نظرية الاعتماد الاقتصادي المتبادل، التي تقول إنه إذا كانت الدول مترابطة اقتصاديًا، فلن تقع حرب. لأنه، مرة أخرى، إذا كان الازدهار ظاهرًا للجميع أو كان الجميع يزدادون ازدهارًا، فلن يكون هناك حافز للذهاب إلى الحرب.
ولكن ما أعتقد أن الناس لم يفهموه هو أنه عندما أنشأتم هذا الاقتصاد العالمي شديد التكامل، وكانت الولايات المتحدة تجلس في قلب هذا الاقتصاد الدولي، فإن ذلك منحها نفوذًا اقتصاديًا هائلًا على معظم دول النظام الدولي. وهذا النفوذ هو ما يسمح لنا بتدمير اقتصاد إيران، وتدمير اقتصاد فنزويلا.
عليكم أن تفهموا أننا دمّرنا اقتصاد فنزويلا. دمّرنا اقتصاد إيران. وعليكم أن تتذكروا أن أحد الأسباب التي جعلتنا متحمسين جدًا لخوض الحرب ضد روسيا في العام 2022 هو أننا كنا قد دخلنا فعليًا في حرب ضد روسيا.
لم نخض القتال على أرض المعركة مباشرة، لكننا انضممنا إلى الأوكرانيين. وإذا نظرتم إلى الفترة التي سبقت تلك الحرب، فإننا كنا متحمسين لخوضها ضد الروس.
وتتذكرون أنه مباشرة بعد اندلاع الحرب، جرت مفاوضات في إسطنبول لإنهائها. وبدا أنهم كانوا يحرزون تقدمًا حقيقيًا.
 
كريس هيدجز: وهو ما دمّرناه نحن.
 
جون ميرشايمر: ونحن دمّرناه. والسؤال يا كريس هو: لماذا دمّرناه؟ دمّرناه لأننا اعتقدنا أننا نستطيع هزيمة الروس من خلال العقوبات الاقتصادية.
 
كريس هيدجز: لكن ذلك لم ينجح.
 
جون ميرشايمر: لا، لم ينجح. هذا صحيح تمامًا. لكن الفكرة هي أن الروس كانوا قد اندمجوا إلى حد كبير في هذا النظام الاقتصادي العالمي الذي أُنشئ خلال لحظة الأحادية القطبية، وكذلك كان حال الصينيين. ظننا أن لدينا نفوذًا اقتصاديًا هائلًا على الروس قبل حرب 2022، ولكن كما قلت، لم ينجح الأمر.
لكن عليكم أن تتذكروا أن ترامب أيضًا ظنّ أن لدينا نفوذًا اقتصاديًا هائلًا على الصينيين عندما تولّى منصبه في كانون الثاني (يناير) من العام الماضي. تذكروا أن من أوائل ما فعله كان فرض رسوم جمركية مرتفعة جدًا وقاسية على الصين.
لقد اعتقد أن لديه نفوذًا اقتصاديًا على الصينيين، لكن الأمر لم يكن كذلك، لأنهم كانوا يملكون نفوذًا علينا بسبب سيطرتهم على المعادن الأرضية النادرة. على أي حال، النقطة التي أود إيصالها هي أن الولايات المتحدة تمتلك قوة اقتصادية هائلة -مع بعض التحفظات- ولديها أيضًا جيش بالغ القوة.
وترامب يعتقد أنه يستطيع استخدام هاتين الأداتين بطريقة أحادية ليفرض إرادته في معظم الحالات. وهذا ما يفعله بالفعل. والأمور مثل القوة الناعمة، والمؤسسات الدولية، والقانون الدولي، والحلفاء -كل ذلك ليس مهمًا بالنسبة له. إنه يعتقد أن القوة الاقتصادية الأميركية والقوة العسكرية الأميركية هما كل ما يحتاجه ليكون، في الأساس، دكتاتورًا حميدًا، ويتصرف بشكل أحادي، ويحصل على ما يريد من أي مكان في العالم.
 
كريس هيدجز: أريد أن أتحدث عن القوة الاقتصادية، وتحديدًا كيف تعمل -نظام "سويفت" (جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك)، والدولار بوصفه العملة الاحتياطية العالمية، وهو ما تحاول كل من الصين وروسيا تفكيكه، بطبيعة الحال إلى جانب دول مثل إيران.
وأيضًا هذا الفشل الذي أظهره القادة الأوروبيون في الوقوف في وجه ترامب، والذي أفترض أنه يعود أساسًا إلى خوفهم من الانتقام الاقتصادي.
 
جون ميرشايمر: أعتقد أن هذا صحيح. أعتقد أنه في حالة الأوروبيين، هناك بالتأكيد خوف من الانتقام الاقتصادي. لكنني أظن أن ما يخشونه أكثر هو أن تنسحب الولايات المتحدة من أوروبا. كان السبب الرئيسي في عدم وقوع أي صراع في أوروبا بين الدول الأوروبية الكبرى -إذا استثنينا الروس هنا- هو الوجود العسكري الأميركي.
كانت الولايات المتحدة تؤدي دور المُهدِّئ في أوروبا، والأوروبيون يدركون ذلك. لم يكن هناك يومًا أي اهتمام لدى نخب السياسة الخارجية الأوروبية بطلب مغادرة الولايات المتحدة لأوروبا. إنهم لا يريدون للولايات المتحدة أن تغادر. يريدونها أن تبقى، لأنهم يفهمون أننا الطرف المُهدِّئ.
وبالمناسبة، عندما انتهت الحرب الباردة، لم يطالب السوفيات بحلّ حلف "الناتو". كانوا هم يقومون بحل "حلف وارسو"، لكنهم لم يقولوا لنا: نحن نحلّ "حلف وارسو"، وعليكم أنتم أن تحلّوا "حلف الناتو". كانوا راضين تمامًا. هؤلاء هم الروس، السوفيات...
 
كريس هيدجز: لكن غورباتشوف اقترح فعليًا انضمام روسيا إلى حلف "الناتو"، أليس كذلك؟
 
جون ميرشايمر: نعم، نعم، وكذلك فعل [فلاديمير] بوتين، صحيح؟ لكنّ ما كان السوفيات -ثم لاحقًا الروس- يفهمونه هو أن بقاء الأميركيين في أوروبا كان يحافظ على السلام في أوروبا. وكان ما لم يرده السوفيات -ثم الروس لاحقًا- هو توسّع "الناتو".
 
كريس هيدجز: صحيح. وهذه نقطة مهمة، لأن التوسع إلى ما بعد حدود ألمانيا الموحّدة كان ينظُر إليه كل زعيم روسي -ليس بوتين فقط، بل [بوريس] يلتسين و[ميخائيل] غورباتشوف، على أنه استفزاز من نوع ما... وكانت هناك احتجاجات روسية مستمرة على توسّع الحلف حتى حدودهم، ونشر أنظمة الصواريخ في بولندا وأماكن أخرى. إذن، كل هذا كان مقبولًا طالما أن "الناتو" لم يتوسع.
 
جون ميرشايمر: هذا صحيح. والقضية الحقيقية هنا كانت ألمانيا، لأنك يجب أن تتذكَّر أنه خلال الحرب الباردة كانت ألمانيا مقسومة إلى نصفين. كان السوفيات يسيطرون أساسًا على جانب، ونحن نسيطر على الجانب الآخر. ثم تنتهي الحرب الباردة، ويختفي "حلف وارسو"، وتحصل إعادة توحيد ألمانيا. وهذا جعل الجميع متوترين في ذلك الوقت.
الفرنسيون، البريطانيون، كانوا جميعًا في غاية القلق لأنهم يتذكرون الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، حيث وُضعت أوروبا بأكملها تقريبًا في مواجهة ألمانيا -أولًا ألمانيا القيصرية، ثم ألمانيا النازية. وكان الجميع يتساءلون: يا إلهي، ماذا سيحدث الآن؟
ولكن إذا بقي "الناتو" قائمًا أو متماسكًا، وبقي "المُهدِّئ" الأميركي في أوروبا، فلن يكون هناك داعٍ فعلي للقلق بشأن الألمان. ولن يكون هناك داعٍ للقلق بشأن حدوث منافسة أمنية بين ألمانيا وفرنسا، أو بين ألمانيا وبولندا، وهكذا.
لذلك كان الجميع سعداء بإبقاء الأميركيين في أوروبا. لكن ما يحدث الآن هو أن ترامب يهدد إما بتفكيك "الناتو"، أو على الأقل بتقليص الوجود العسكري الأميركي بشكل كبير، وإبلاغ الأوروبيين بأنهم أصبحوا بمفردهم، وعليهم فعليًا أن يتولّوا شأن أمنهم بأنفسهم.
إنكَ إذا نظرت إلى "استراتيجية الأمن القومي" التي صدرت عن البيت الأبيض -تلك الوثيقة الشهيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي- وقرأت القسم المتعلق بأوروبا، فسوف يتضح تمامًا أن البيت الأبيض، أو إدارة ترامب، لا ترى أن الولايات المتحدة ستواصل توفير الأمن لأوروبا. بل ترى أن الأوروبيين هم من يجب أن يوفروا الأمن لأنفسهم. وهذا يعني إزالة "المُهدِّئ" الأميركي.
أعتقد، يا كريس، أن هذا السيناريو يرعب الأوروبيين بشدة. بالنسبة لهم، من الأهمية بمكان أن يظل الأميركيون منخرطين لأسباب أمنية. وفكرتُكَ أنت أنهم يريدون أيضًا الحفاظ على علاقات جيدة معنا لأسباب اقتصادية، وهذا صحيح بالتأكيد.
بالإضافة إلى ذلك، وبالعودة إلى مسألة القوة الناعمة، أقول إن هناك أيضًا أسبابًا أيديولوجية؛ فكرة أننا جميعًا جزء من "الغرب"، وأننا نتشارك القيم ذاتها، وما إلى ذلك -كل هذا مهم بالنسبة للأوروبيين.
أعتقد أن الأوروبيين مصدومون إلى حد ما من أن ديمقراطية ليبرالية شقيقة قد انقلبت عليهم. ليس من المفترض أن تسير الأمور هكذا. نحن "من نفس الطينة"، ومن المفترض أن ننسجم أيديولوجيًا.
لذلك أعتقد أن الأوروبيين -من منظور القوة الناعمة، ومن منظور اقتصادي، ومن منظور أمني- ملتزمون بعمق بالحفاظ على علاقات وثيقة جدًا مع الولايات المتحدة. لكن المشكلة هي أنهم يواجهون دونالد ترامب.
 
كريس هيدجز: ونحن أيضًا نواجه عودة النزعة العسكرية الألمانية. عندما تتحدث عن قلق أوروبا، فإنهم قلقون أيضًا من ألمانيا.
 
جون ميرشايمر: أعتقد أن في هذا بعض الحقيقة. أعتقد أن الأوروبيين أقنعوا أنفسهم -وبشكل أراه غير حكيم- بأن روسيا تشكل تهديدًا كبيرًا -أعني أنهم يجادلون بأن روسيا ستغزو كل أوكرانيا، ثم ستتحرك نحو أوروبا الشرقية.
 
كريس هيدجز: ولكن هل تصدّق ذلك؟ أنا لا أصدّقه.
 
جون ميرشايمر: لا، هذا هراء مطلق. أولًا، حرب أوكرانيا استمرت الآن لفترة أطول من الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية بين العامين 1941 و1945. ما تزال هذه الحرب مستمرة منذ سنوات عديدة، أليس كذلك؟ وأي شخص يتمتع بقدر معقول من الذكاء يمكنه أن يدرك أن الروس واجهوا صعوبة بالغة في تحقيق مكاسبهم.
 
كريس هيدجز: نعم، لقد كشفَت نوعًا ما زيف الادعاء بأن روسيا تشكل تهديدًا عسكريًا جديًا لأي طرف.
 
جون ميرشايمر: نعم، بالضبط. وقد أوضح بوتين -إذا وضعنا القدرات جانبًا وتحدثنا عن النوايا- أنه لا ينوي غزو أوكرانيا بالكامل. والسبب أنه يفهم تمامًا أنه إذا حاول غزو النصف الغربي من أوكرانيا، فسيكون الأمر، كما أحب أن أقول، كمن يحاول ابتلاع قنفذ.
إن أوكرانيا الغربية مليئة بأوكرانيين إثنيين يكرهون الروس الآن بشدة. وستكون فكرة احتلال تلك الأراضي ثم ضمّها وجعلها جزءًا من "روسيا الكبرى" كارثة كاملة.
وبوتين رجل ذكي جدًا. ليس عليك أن تحبَّ ما يفعله، لكنه ذكي. وقد أوضح أنه لن يحاول غزو أوكرانيا الغربية أو أوكرانيا بأكملها.
ومرة أخرى، إنه لا يملك القدرة العسكرية على فعل ذلك. ولذلك، فإن فكرة أنه سيغزو أوروبا الشرقية ويهدد أوروبا الغربية كما فعل الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة هي، بصراحة، محض هراء. ولكن على أي حال...
 
كريس هيدجز: لكنكَ في حاجة -هل كان كولن باول -أم كان أحدًا غيره- هو الذي قال في نهاية الحرب الباردة: لم يعد لديَّ سوى الكوبيين أو الجهاديين، أو شيء من هذا القبيل، إنني أحتاج إلى عدو؟ أعني، أليس الأمر أيضًا أنه لكي تستمر هذه المنظومات العسكرية العملاقة وتتمدد، فإنه إذا لم يكن لديها عدو فإنها ستخلق واحدًا؟
 
جون ميرشايمر: نعم. دعني أعلّق على ذلك، لأنني أعتقد أنها نقطة مثيرة جدًا للاهتمام. المشكلة التي تواجهها الدول الأوروبية المختلفة هي أنه طالما أن الأميركيين موجودون ويقومون بدور المُهدِّئ، فإنهم يحلون جميع مشكلات "العمل الجماعي" التي كان الأوروبيون سيواجهونها لولا ذلك.
فإذا قمت بإزالة الولايات المتحدة -أي أزلتَ المُهدِّئ الذي يجلس فوق هذه الدول الأوروبية- فإن جميع مشكلات العمل الجماعي هذه ستبدأ بالصعود بقوة إلى السطح. وما سيحدث هو أن الخلافات بين الدول الأوروبية، التي لا تستطيع تسويتها بنفسها، في غياب الولايات المتحدة التي كانت تسويها نيابة عنها، ستأتي بسرعة إلى الواجهة.
الخطر الكبير هو أنه في غياب الولايات المتحدة، فإن قوى الطرد المركزي هذه -الموجودة بطبيعتها كلما كان لديك عدد من الدول المختلفة- وهذه المشكلات الجماعية، ستجعل من المستحيل على أوروبا أن تتصرف ككيان واحد بأي معنى حقيقي.
نحن نتحدث اليوم عن أوروبا كل الوقت كما لو كانت كيانًا واحدًا. والسبب في قدرتنا على فعل ذلك هو وجود "الاتحاد الأوروبي" ووجود "الناتو". وما يدعم كل ذلك هو الوجود العسكري الأميركي. فإذا أزلت الوجود العسكري الأميركي، فإن قوى الطرد المركزي التي نتحدث عنها، والتي كانت موجودة قبل أن تصبح الولايات المتحدة المُهدِّئ، ستعود لتظهر بقوة إلى السطح.
 
كريس هيدجز: وأنت تعلم يا جون أن المثال الأكمل على ذلك -وكنتُ قد غطّيتُ الحرب هناك- هو البوسنة، لأنه في بداية الحرب في البوسنة حاول الأوروبيون التعامل معها بأنفسهم، وكانت النتيجة كارثة أخرى.
 
جون ميرشايمر: بالضبط، ثم دخلت الولايات المتحدة وحلف "الناتو" على الخط. ولكن يا كريس، النقطة التي أريد أن أبنيها على ما قلته سابقًا هي أن إحدى الطرق للتعامل مع تلك القوى للطرد المركزي هي خلق تهديد خارجي.
بعبارات أخرى، إذا وُجد تهديد خارجي، فإنه سيُجبر الجميع على التكاتف. هكذا كان سام (صامويل) هنتنغتون يفكر في العالم. كان سام هنتنغتون يفهم ذلك جيدًا، وكنتُ قد تحدثت معه عن هذا في السابق.
 
كريس هيدجز: نعم، لقد عرفته أنا أيضًا. لم أقتنع أبدًا بأطروحته، ولكن نعم.
 
جون ميرشايمر: حسنًا، لقد اختلفتُ مع سام في قضايا كثيرة، خاصة في ما يتعلق بصدام الحضارات، لكنه كان صديقًا جيدًا لي. وعلى الرغم من أنني أعتقد أنه كان مخطئًا في مسائل عديدة، إلا أنه كان رجلًا لامعًا. ولكن دعنا نضع ذلك جانبًا.
كان سام يعتقد أن الولايات المتحدة هي مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الهجرة. وعندما يكون لديك مجتمع يعتمد على الهجرة، فإن عليك أن تبذل جهدًا مضاعفًا لدمج الجميع واستيعابهم في كيان موحّد. لم يكن ضد الهجرة، لكنه رأى أنها مشكلة صعبة. وكانت هناك قوى طرد مركزي قوية داخل الولايات المتحدة تقلقه. كان يعتقد أن الولايات المتحدة في حاجة إلى تهديد خارجي.
إذا عدتَ إلى كتاباته، فسوف تجد أنه عندما انتهت الحرب الباردة، صوّر سام اليابان باعتبارها التهديد الكبير التالي للولايات المتحدة. ويجب أن تتذكر أنه في العام 1987، عندما كتب بول كينيدي كتابه الشهير، كان ذلك بمثابة الذروة للاقتصاد الياباني. أعتقد أن الاقتصاد الياباني كان في ذلك الحين يساوي نحو ثلثي حجم الاقتصاد الأميركي، إذا لم تخنّي الذاكرة.
كانت اليابان تبدو كمنافس جاد لنا في المستقبل، وذهب سام إلى أبعد حد في تضخيم التهديد الياباني لأنه كان يعتقد أننا نحتاج إلى تهديد خارجي ليحافظ على تماسكنا. ثم لم ينجح ذلك. وبحلول أوائل التسعينيات أصبح واضحًا أن اليابان لن تؤدي هذا الدور، وعندها كتب...
 
كريس هيدجز: حسنًا، لأن اقتصادهم انهار.
 
جون ميرشايمر: نعم، فماذا فعل؟ كتب "صدام الحضارات". وما الرسالة الأساسية في "صدام الحضارات"؟ أن لدينا تهديدين في الخارج: الإسلام والصين، صحيح؟ لأنه كان يعتقد أننا بحاجة إلى تهديد خارجي.
ما أقوله لك هو أن هذا المنطق الأساسي نفسه، في رأيي، يعمل إلى حد ما في أوروبا اليوم.
أعتقد أن النخب تفهم أنكَ كلما ضخّمتَ التهديد الروسي، زادت استعدادات الرأي العام لدفع تكاليف الإنفاق الدفاعي. بل والأكثر من ذلك؛ زادت الحوافز لدى الدول الأوروبية المختلفة للعمل معًا. وربما الأهم أنكَ إذا ضخّمتَ التهديد بما يكفي، فيمكنك إقناع الأميركيين بالبقاء في أوروبا والاستمرار في أداء دور "المُهدِّئ" الأميركي. إذن، هناك... تفضل.
 
كريس هيدجز: إلى أي مدى تشبه هذه المرحلة التاريخية السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى؟
 
جون ميرشايمر: المشكلة في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى كانت تتمحور أساسًا حول ألمانيا وقوتها العظمى -أو القوة الهائلة التي كانت تسيطر عليها في أوروبا آنذاك. والحرب العالمية الأولى كانت في بدايتها تدور حول بريطانيا وفرنسا وروسيا وهي تقاتل ضد ألمانيا القيصرية. وقد شكّلوا ائتلاف موازنة.
كان هذا هو "الوفاق الثلاثي" قبل الحرب. ورأت ألمانيا في ذلك الائتلاف الموازن تهديدًا لها. وأطلقت الحرب العالمية الأولى في آب (أغسطس) 1914 كحرب وقائية ضد ذلك الائتلاف الموازن. هكذا أقرأ الأمر.
 
كريس هيدجز: ولكن دعني أسألك -وأنت تعلم أكثر مني: ألم تكن الحرب العالمية الأولى قد أُشعلت بسبب حماقة الإمبراطورية النمساوية-المجرية عندما ذهبت إلى بلغراد وتلقّت هزيمة على يد الصرب، وكان لديها تحالف مع ألمانيا؟
لكنّ فهمي هو أن الألمان كانوا حذرين جدًا من الإمبراطورية النمساوية-المجرية ولم يرغبوا في الانجرار إلى صراع، ولكن بسبب ذلك التحالف -وهذه هي أطروحة باربرا توكمان بأكملها- بدأت الآلة تتحرك ولم يستطيعوا إيقافها.
 
جون ميرشايمر: نعم، لتوضيح ما قلتَه: هناك "الوفاق الثلاثي"؛ فرنسا وبريطانيا وروسيا. ثم هناك ألمانيا. وألمانيا لديها حليفان -وهذا هو "التحالف الثلاثي". إيطاليا حليف، والنمسا-المجر هي الحليف الآخر.
كان الألمان يشعرون بأنهم أقل عددًا بكثير. كانوا في وضع سيئ للغاية، ولديهم مشكلة خوض حرب على جبهتين. لم يكن لديهم الكثير من الحلفاء. وبالمناسبة، الإيطاليون لم يدخلوا الحرب إلا في العام 1915. وعندما دخلوا، غيّروا جانبهم. لم يقاتلوا مع الألمان وإنما ضدهم.
ولكن على أي حال، كل هذا يعني أن النمسا-المجر كانت ذات أهمية كبيرة.
كان ما يحدث في البلقان للنمساويين-المجريين، الذين كانوا في مأزق هناك، يهمُّ الألمان كثيرًا، لأنهم كانوا يخشون فقدان حليفهم الوحيد -ليس حليفًا عظيمًا بأي حال، لكنه حليف. حليف في عالم تقف فيه ألمانيا في مواجهة ثلاث قوى عظمى.
لذلك، كان البلقان وما كانت تفعله النمسا-المجر هناك يهمُّ الألمان كثيرًا. وحقيقة أن الألمان شعروا بأن "الوفاق الثلاثي" يطوقهم، وأن حليفهم الوحيد يواجه مشكلات في البلقان -هذان العاملان، في رأيي، تفاعلا معًا في العام 1914 وأدّيا إلى إطلاق الألمان حربًا وقائية.
 
*كريس هيدجز‏‏ Chris Hedges: صحفي حائز على جائزة بوليتزر. كان مراسلاً أجنبيًا لمدة خمسة عشر عاما ‏‏لصحيفة "نيويورك تايمز"، ‏‏حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان للصحيفة. عمل سابقًا مراسلًا أجنبيًا لصحف "ذا دالاس مورنينغ نيوز" و"كرستيان سينس مونيتور" و"الراديو الوطني"، وهو مضيف برنامج ‏‏"تقرير كريس هيدجز". حصل على جائزة منظمة العفو الدولية العالمية للصحافة في مجال حقوق الإنسان للعام 2002. يحمل درجة الماجستير في اللاهوت من كلية اللاهوت بجامعة هارفارد، وهو مؤلف الكتابين الأكثر مبيعًا: "الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي والحرب على أميركا"‏‏؛ "‏‏إمبراطورية الوهم: نهاية محو الأمية وانتصار المشهد". وكان أحد المتأهلين للتصفيات النهائية لدائرة نقاد الكتاب الوطنية عن كتابه "‏‏الحرب قوة تعطينا معنى". عمل بالتدريس في جامعة كولومبيا وجامعة نيويورك وجامعة برينستون وجامعة تورنتو.‏
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: The Future of the ‘New World Order’