بروفيسور إسرائيلي: منذ 7 أكتوبر "إسرائيل" تتبع عقيدة أمنية متشددة وتصبح "اسبارطة جديدة"
الغد
يحذر خبير إسرائيلي بارز في الشؤون الاستراتيجية والأمنية من طغيان حالة “الانفصام الشخصية الأمنية” ومن الغطرسة العسكرية لدى قادة إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، ويشير إلى أنها تتحول فعلا إلى اسبارطة الجديدة، كما كان نتنياهو قد قال قبل نحو العامين.
ويقول بروفيسور ياغيل ليفي، الخبير بقضايا العلاقات بين الجيش وبين المجتمع والسياسة، ضمن رؤيته النقدية، إنه يمكن تأطير السلوك الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر بوصفه سعيا إلى “الأمن الدائم”، وإن المصطلح، الذي صاغه المؤرخ ديرك موزس، يصف تطلع دولة إلى حصانة دائمة من التهديدات. فالأمن الدائم لا يهدف فقط إلى إزالة الأخطار الفورية، بل أيضا المستقبلية، ولذلك فهو خاضع لوعي بارانوئيدي ينتج تهديدات تحقق ذاتها.
ويقول أيضا إن السعي إلى حل نهائي لا يتيح تسوية، سواء كانت سياسية أو ردعية، بل يرتبط بالإبادة أو التهجير أو السيطرة على جماعة سكانية تعتبر تهديدا لأمن الدولة. ويتابع: “كانت النسخة الليبرالية من هذا النهج هي تلك التي تبنتها الولايات المتحدة في حرب فيتنام. وعليه، فإن الأمن الدائم يقتضي استخدام القوة كلما تعافى الخصم (كما في حالة إيران بعد بضعة أشهر)، والأمل بألا يتمكن يوما من تجاوز ضعفه، ولتحقيق ذلك، ينبغي التضحية بالموارد الوطنية على مذبح الأمن الدائم”.
وينوه أن إسرائيل سعت على مر السنوات إلى أمن دائم، لكن بصيغة “ناعمة” اعترفت بحدود القوة وبالقانون الدولي، معتبرا أن المنطق بسيط: تتحول البارانويا إلى إزالة للتهديدات عندما تسمح القدرة العسكرية بذلك ويحتويها الموقف الأمريكي، أما قيود القدرة أو كبح الولايات المتحدة فيؤديان إلى تراجع عن منطق الأمن الدائم. هكذا، بعد أن أدركت إسرائيل حدود قوتها عام 1973، وافقت على الانسحاب من سيناء مقابل السلام مع مصر. كانت إسرائيل قد وصفت حدود ما بعد 1967 بأنها “حدود أوشفيتز”، أي حدود لا يمكن الدفاع عنها. لكن بعد أن تبينت حدود قوتها، قبلت بالانسحاب منها. فالقدرة هي التي ترسم، في نهاية المطاف، حدود البارانويا”.
الأمن الدائم المتشدد
ويعتبر الخبير الإسرائيلي أنه في السابع من أكتوبر سقط الحاجز الذي كان يقيد منطق البارانويا، وانتقلت إسرائيل إلى تبني نسخة أكثر تشددا من “الأمن الدائم”، وعن ذلك يضيف: “بدا الهدف قابلا للتحقق في ظل التفوق العسكري وافتراض وجود هامش من التسامح الدولي. في المقابل، صور “الأمن الدائم” النسبي، بصيغته الناعمة، باعتباره امتدادا للوضع الذي أتاح هجوم حماس، رغم أن الهجوم كان نتيجة إخفاق إسرائيلي، لا ثمرة نشوء تهديد استراتيجي جديد”.
ويستنتج أن إسرائيل قتلت عشرات آلاف المدنيين ودمرت منازلهم من أجل مطاردة عدد أقل بكثير من مقاتلي حماس، ووسعت حدودها فعليا، واحتلت وأقامت مناطق عازلة في أراض تحت سيادة الدول المجاورة، وسعت إلى نزع السلاح في كل دول محيطها. وكذلك في الساحة الإيرانية: رفضت إسرائيل حلولا دبلوماسية تقيد، لكنها لا تلغي بالكامل، القدرات النووية، ولذلك لجأت إلى العمل العسكري”.
إزالة تهديد الصواريخ
ويرى ياغيل أن النجاح والتفوق أتاح طرح هدف إضافي: إزالة تهديد الصواريخ، حتى وإن لم تطلق إيران النار مباشرة بمبادرة منها نحو إسرائيل. ويتابع الحديث عن حالة النشوة الملازمة لحكومة الاحتلال: “وبما أن أي اتفاق لا يلغي تماما الدافع إلى التسلح، فإن منطق الأمن الدائم قاد إلى السعي لتغيير النظام، بوصفه منطقا للسيطرة، ولو بصورة غير مباشرة، على الآخر. السعي إلى الأمن الدائم ينطوي بطبيعته على تقييد الديمقراطية وكبح المعارضة، ويفضل أن يكون ذلك طوعا كما هو الحال لدينا. فهو لا يبدي حساسية تجاه أمن الأفراد أو الجماعات، بل يخضعهم لهدف مجرد هو الأمن المطلق”.
يحذر خبير إسرائيلي بارز في الشؤون الاستراتيجية والأمنية من طغيان حالة “الانفصام الشخصية الأمنية” ومن الغطرسة العسكرية لدى قادة إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، ويشير إلى أنها تتحول فعلا إلى اسبارطة الجديدة، كما كان نتنياهو قد قال قبل نحو العامين.
ويستنتج أيضا أن فجوات الحماية تصبح مسألة ثانوية، إذ يعد تدمير مدينة كريات شمونة في الجليل الأعلى ضررا جانبيا في سياق القضاء (المؤقت) على حزب الله، وينظر إلى الأسرى كورقة مساومة. ويرى أن الاعتبارات السياسية تخضع للمنطق العسكري، بحيث يحدد توقيت إنهاء مفاوضات دبلوماسية وفق نافذة الفرص المتاحة لعملية اغتيال مستهدف. كما يرى أن سيادة الخصم، التي كانت في السابق عنصرا في مفهوم الأمن، تفقد قيمتها، وأن الجهد الأحادي لتعزيز الأمن يدفع الخصوم إلى سد فجوة ضعفهم، كما فعل المصريون عام 1973 وأهالي غزة عام 2023، فتكون النتيجة مزيدا من انعدام الأمن”.
ويخلص إلى القول: “وعليه، فإن الأمن الدائم يقتضي استخدام القوة كلما تعافى الخصم (كما في حالة إيران بعد بضعة أشهر)، والأمل بألا يتمكن يوما من تجاوز ضعفه. ولتحقيق ذلك، ينبغي التضحية بالموارد الوطنية على مذبح الأمن الدائم. لم يخطئ نتنياهو حين وعد بأن الأمن الدائم يقودنا إلى اسبارطة”.
يشار إلى أن عددا من المراقبين والمحللين الإسرائيليين يحذرون منذ أمس من تفاقم جنون العظمة في إسرائيل ورهانها على القوة فقط، بيد أن رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو مصمم على إشعال الحرائق لاعتبارات داخلية سياسية انتخابية، وليس فقط اعتبارات الأمن.
ويؤكد المحلل للشؤون الاستخباراتية يوسي ميلمان أن حكومة الاحتلال برئاسة نتنياهو كانت ستبادر إلى شن الحرب على لبنان حتى لو لم تطلق رصاصة واحدة من لبنان، مشددا على أن نتنياهو معني بإبقاء النار مشتعلة حتى يوم الانتخابات في الصيف أو الخريف القادمين.-(وكالات)