عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Mar-2026

فيلم "كان مجرد حادث".. حين تتحول الصدفة إلى محاكمة تحت قفص المساءلة

 الغد-إسراء الردايدة

 في ليلة سوداء على طريق مهجور، يُدهس كلب تحت عجلات سيارة، تصرخ الطفلة مذعورة فتهدئها أمها: "كان مجرّد حادث... جزء من خطة الله". هذه اللحظة  تكشف الشّرخ بين الإيمان الرسمي والعنف اليومي، ليفتح جعفر بناهي الفائز بالسعفة الذهبية في كان 2025 بعد سجنه في إيفين، باباً على "محكمة متنقلة" تجمع ناجين يواجهون جلادهم المشتبه. مستمد من تجاربه الشخصية تحت الحظر.
 
 
 
يمزج الفيلم الإثارة بالكوميديا السوداء ليختبر: هل يعيد الضحية إنتاج قفص الجلاد؟
من هذا الشرخ الصغير، كلب يُدهس ثم جملة تُسكّن الذعر يفتح فيلم "كان مجرّد حادث" لمخرجه الإيراني جعفر بناهي الباب على أسئلة أكبر بكثير من حادث الطريق. حبكته تبني "محكمة متنقلة" من ناجين سابقين: رجل ميكانيكي يظن أنه عثر على جلاده، وآخرون يُستدعون لتأكيد الهوية واتخاذ قرار، وسط خليط من الإثارة والكوميديا السوداء والمرارة. 
 
 
الفيلم إنتاج مشترك بين إيران وفرنسا ولوكسمبورغ، ويُعرض أساساً بالفارسية ، ويشهد عرضه محلياً ضمن عروض الهيئة الملكية للأفلام، لأفلام عالمية مرشحة لجائزة الأوسكار الـ98  في مسرح الرينبو من الأحد إلى الثلاثاء في التاسعة مساء.
فاز الفيلم بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في 24 أيار 2025 وفي موسم الجوائز اللاحق، تُسجّل قواعد بيانات متخصصة ما يقارب 39 فوزاً و124 ترشيحاً.
 
 
 وعلى مستوى الجوائز الكبرى، ووصل إلى ترشيحين في الأوسكار: أفضل فيلم دولي ممثلاً لفرنسا وأفضل سيناريو أصلي. كما كان من ضمن المرشحين لجائزة أفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية في جوائز الأكاديمية البريطانية في شباط 2026، من دون أن يفوز بها. 
 
 
السينما تحت الحظر: مسار جعفر بناهي بين الحيلة والضرورة
يصعب فصل أسلوب بناهي عن شروط إنتاجه. فبعد أن جاء الحكم عليه في نهاية عام 2010 متضمناً السجن ومنعاً طويلاً من صناعة الأفلام والسفر وإجراء المقابلات، وهو ما جعل "ابتكار طريقة للتصوير" جزءاً من الهوية الفنية لا مجرد ظرف عابر.
 
 
 وبعد اعتقاله مجدداً عام 2022، أمضى نحو سبعة أشهر في سجن إيفين قبل الإفراج عنه مطلع 2023 إثر إضراب عن الطعام، وهو سياق ينعكس مباشرة على الفيلم الجديد الذي صيغت قصته من تجربة الاعتقال ومن روايات سمعها من سجناء آخرين.
 
 
 هنا تبدو السينما عنده كضرورة وجودية أكثر مما هي "مشروع فني" منفصل: أن تصوّر يعني أن تُثبت حقك في الكلام، وأن تُظهر ما يُراد له أن يبقى بلا صورة.
 
 
الفيلم داخل مسيرة بناهي: جوائز كبرى تخفي قصة قمع
 بناهي يوضح المفارقة: مخرج محاصر محلياً يتراكم له رصيد جوائز خارج الحدود. "الدائرة" نالت الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي عام 2000. ثم جاء "تاكسي" ليفوز بالدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام 2015. ولاحقاً حصل "لا دببة" على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في البندقية عام 2022. أما فوز "كان مجرّد حادث" بالسعفة الذهبية فجرى تقديمه عالمياً كحلقة تُكمل "ثالوث" الجوائز الأوروبية الكبرى في مسيرة مخرج واحد. 
 
 
هذه القصة المزدوجة (قمع محلي مقابل احتفاء عالمي) ليست خلفية تزيينية، بل مفتاح قراءة للفيلم نفسه. فهي تفسر لماذا يُقرأ العمل، في جزء كبير من النقد، كتحدٍّ للسلطة من داخل أدوات الحكي لا من خارجها: الكاتب/المخرج لا يكتفي بإدانة السجن، بل يضع من خرجوا منه في امتحان. ماذا لو صار لدى الضحية سلطة على جلاد محتمل؟ هل تنتج حرية، أم تعيد إنتاج قفص جديد؟ 
 
 
 
حادث يبدأ كل شيء: القصة كاختبار للذاكرة لا كحكاية انتقام
تبدأ السلسلة من "حادث" حرفي: سيارة تصدم كلباً في الظلام، ثم تتعطل، فيتوقف السائق عند ورشة. هناك يصدح تفصيل صغير، صرير قدم صناعية كإنذار داخلي في جسد من عاش التعذيب. البطل كان في السجن معصوب العينين؛ لا يعرف وجه الجلاد، لكنه يعرف نبرة صوته وإيقاع خطواته. في لحظة ذعر واندفاع، يختطف الرجل الذي يشك فيه، ثم يجمع ناجين آخرين لتأكيد الهوية: رائحة، ندبة، كلمة، وتذكّر جسدي يسبق التذكّر العقلي. 
 
 
هنا يضع الفيلم المشاهد في مأزق مزدوج: إن كان المختطَف جلاداً، فالعقاب يبدو "مستحقاً" وفق منطق الغضب؛ وإن لم يكن، فكل ما يحدث جريمة جديدة باسم العدالة. لذلك لا يقدّم بناهي الانتقام كبطولة جاهزة، بل كفخ أخلاقي مبني على نقص الدليل.
 
 
 كثير من النقد ركّز على هذه الحيلة: التعذيب لم يجرح الجسد فقط، بل صمّم الذاكرة لكي تتعثر عند لحظة التحقق، فيصبح السؤال الأخلاقي مشروطاً بسؤال معرفي: كيف نحكم ونحن لا نملك اليقين؟ 
 
 
يتميّز فيلم "كان مجرّد حادث" بمزاج متوتر بين الدراما الثقيلة والكوميديا السوداء الحادة، ينتقل من الغضب الناري إلى الضحك العبثي ثم القلق الأخلاقي، حيث يسيطر الرعب النفسي داخل السيارة المكتظة كسجن متنقل مع حوارات طويلة تكشف آلام التعذيب والشكّ، مخفّفة بلحظات ساخرة مثل جدال الناجين "كسيارة مهرجين" والرشاوى الروتينية، مع غضب سياسي يلين بدفء إنساني في النهاية.
 
 
الكوميديا السوداء: حين تصبح الرشوة لغة يومية ويصير الضحك دفاعا
رغم الثقل، لا يختار الفيلم مزاج المأساة وحده. في مساره لحظات ساخرة تنبثق من الواقع: "هدية" تُطلب من أجل تسيير إجراء، ورشوة تُدفع لتُغلق شبهة، حتى عبر وسائل دفع حديثة. هذا الانزلاق من الرعب إلى السخرية استوقف نقداً إنجليزياً وفرنسياً لأنه يعرّي آلية السلطة: حين تصبح الرشوة لغة يومية، يعود المجتمع كله إلى العلاقة نفسها التي تحكم الزنزانة: نجاة مقابل صمت. 
 
 
ويعالج فيلم "كان مجرّد حادث" قضايا الفساد والقمع عبر كوميديا سوداء لاذعة تحول الرشوة اليومية إلى روتين كاريكاتوري، كشرطي يطالب بـ"هدية" عبر دفع إلكتروني عند توقف السيارة، مما يكشف كيف يتسلّل الفساد إلى كل تفاعل تحت النظام القمعي دون إدانة مباشرة.
 
 
إجماع على السؤال وخلاف على الشكل
الفيلم يضع المشاهد داخل معضلة أخلاقية لا يقدم لها حلاً مريحاً: التوتر نابع من الشك، والشك نابع من طبيعة التعذيب التي تمحو الوجوه وتستبدلها بأصوات وروائح وخطوات.
 
 
 لذلك قُرئ كثيراً بوصفه عملاً عن السجون حتى حين لا نراها، وعن العدالة حين تفشل المؤسسات في محاسبة الجلاد، فيتحول الناجون إلى قضاة مؤقتين يحملون الخوف والغضب والعار في آن واحد. 
 
 
لكن الخلاف يتمحور حول "سينمائية" البنا فقد يكون فيلماً مشوّقاً ومتاحاً للجمهور مع قوة سياسية واضحة، لكن فيلم بناهي يميل إلى الحس المسرحي لأن الحوار يقدّم الخطاب على التشكيل البصري.
 
 
 وعلى الجهة المقابلة وينفس الوقت يعد تجربة عميقة ومؤثرة تستمد قوتها من الإيحاء لا من عرض العنف مباشرة، وإن كان يبالغ في رسم الشخصيات كقوالب خطابية. 
 
 
"الحادث" كاسم مستعار لنظام كامل
إذا كانت الجملة الافتتاحية "كان مجرد حادث" تهدئةً لطفلة، فإن الفيلم يحوّلها تدريجياً إلى سؤال سياسي: كم مرة تُقال هذه العبارة لتفسير ما لا يُفسَّر؟ في هذا السياق، لا يعود الحادث صدفة، بل يصبح طريقة للسلطة في إخفاء أثرها: موت في الشارع، اعتقال، تعذيب، اختفاء… ثم تبرير عام يلبس ثوب القدر. الفيلم يلتقط هذه الآلية بذكاء لأنه لا يبدأها في السجن، بل في الطريق: المكان الذي يفترض أنه "عابر"، فإذا به يفضح هندسة كاملة لتحويل الجريمة إلى قَدَر. 
 
 
والأهم أن بناهي لا يرسم الجلاد بوصفه وحشاً أسطورياً فقط، ولا يقدّم الضحية بوصفها قديساً. حين يضعنا في منطقة رمادية، رجل ذو عائلة ينفي، وناجون يتحولون إلى لجنة تحقيق، فهو يختبر خطاً رفيعاً: هل يمكن للضحية أن تستعيد كرامتها دون أن تستعيد أدوات الجلاد؟ وهل يمكن للعدالة الفردية أن تكون أخلاقية إذا غابت العدالة العامة؟.