عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jan-2026

دعم الجيش اللبناني* غازي العريضي
المدن -
بعد تردّد وتأخّر غير مبررّين، تقرّر انعقاد مؤتمر دعم الجيش في الخامس من شهر آذار المقبل. فهل سينعقد؟ الجواب مفتوح على كل الاحتمالات. وإذا عُقد، هل ستكون قرارات واضحة جدية وخطوات حقيقية، لتقديم ما يلزم من قدرات لتمكين الجيش من تنفيذ المرحلة الثانية من حصر السلاح بيد الدولة؟ أم أنه سيوضع تحت شروط معينة معقّدة مربوطة بحسابات سياسية تخص "المانحين" "المانعين" حتى الآن أو المنكفئين عن تقديم المساعدات؟
 
 
 
ثمة من يقول: "المعنيون ينتظرون الخطة التي سيقدمها قائد الجيش أمام مجلس الوزراء". إذا كان الأمر كذلك وبالاستناد إلى تجربة الأشهر السابقة، فهذا أمر غير مشجّع. لماذا؟ لأن قائد الجيش قدّم خطة منذ أشهر مقسّمة إلى مراحل. وراح يقدّم تقارير إلى مجلس الوزراء حول كل مرحلة من مراحل التنفيذ إلى ان أنجز تحقيق الخطة كاملة. وطيلة كل الفترة السابقة لم يقدّم له شيئ، إضافة إلى استمرار اسرائيل في احتلالها وعدوانها وتهديداتها للجيش و"اليونيفيل". وهذا ما أشار اليه العماد رودولف هيكل في تقريره الأخير عندما قال: "... استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على الأراضي واحتلال عدد من المواقع داخلها، وما يترافق مع ذلك من إقامة مناطق عازلة تقيّد الوصول إلى بعض المناطق، فضلاً عن الخروقات الاسرائيلية اليومية المتواصلة لاتفاق وقف الأعمال العدائية، مما ينعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة، خصوصاً في جوار هذه المناطق. كذلك فإن تأخّر وصول القدرات العسكرية الموعودة للجيش يشكل عاملاً في وتيرة تنفيذ المهام مما يستوجب معالجة جدية وعاجلة لاستكمال تنفيذ المهام بشكل مدروس وتدريجي ومسؤول وبما ينسجم مع مقتضيات المصلحة الوطنية ويصون السيادة والاستقرار"! 
 
 
 
في الجلسة نفسها طالب وزراء بتحديد مهلة 3 أشهر لتنفيذ المهام من دون التوقف عند كلام قائد الجيش وتأييد دعمه، وهو المعني والخبير بمقتضيات عمله، وقد أنجز المرحلة الأولى بنجاح ورافق ذلك تشكيك وبرودة من جهات مختلفة تغطي موقف الوزراء المعنيين. وتزامن ذلك مع موقف اسرائيلي يتميّز بوقاحة موصوفة واستباحة معروفة تمارس في كل الاتجاهات. ردّ على قائد الجيش متهماً إياه " بتقديم معلومات مضللة وإدعاءات غير مقبولة " وتهديد بـ"القيام بعمل عسكري واسع داخل الأراضي اللبناني ضمن خطة هجومية كانت جاهزة وتنتظر القرار السياسي لتنفيذها "! 
 
تلا ذلك موقف لوزير الخارجية اللبناني يعلن فيه "أن لاسرائيل الحق في الردّ على الاعتداءات التي تتعرض لها"، بالتزامن وفي اليوم ذاته مع اعتداء اسرائيلي على " اليونيفيل " ولم يتطرق إلى كلمة بهذا الخصوص. خرج رئيس الجمهورية بموقف لم يقل فيه جديداً لناحية التأكيد على حتمية ونهائية قرار حصر السلاح بيد الدولة. لكنه تحدث عن الأراضي المحتلة، والأسرى الذين ترفض اسرائيل السماح للصليب الأحمر الدولي بزيارتهم لمعرفة أوضاعهم، وضرورة وقف الأعمال العدائية، مؤكداً انه لا يجوز انتقاد الدولة إذا أقدمت على الاهتمام بعودة الأهالي إلى قراهم وبدء مسيرة الإعمار، لأن هؤلاء هم لبنانيون أبناء الدولة، وهي مسؤولة عنهم. مؤكداً في الوقت ذاته أن المقاومة نشأت عندما غابت الدولة. 
 
 
 
اليوم لدينا حكومة. دولة اتخذت قرارات نفذت في المرحلة الأولى ولا بد من مساعدة الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها الجيش والقوى الأمنية. استكمل الرئيس الموقف باتصالات معلنة وغير معلنة مع وفود رسمية زارت البلد، ومع مسؤولين دوليين مطالباً بمساعدة الدولة والضغط على اسرائيل لتنفيذ شيئ من قرار وقف الأعمال العدائية لتتمكن الدولة من البناء عليه وفي الوقت ذاته لتقديم المساعدة للجيش، وحتى الآن لا جواب فعلياً، والعدوان مستمر ومفتوح. 
 
الذين يتصرفون بلا مسؤولية وطنية في إدارة الموقف ويطلقون تصريحات غير مقبولة وتحمل نوعاً من التخلي عن النازحين وتعطي تبريرات للاحتلال لاستكمال عمله، يرتكبون خطيئة كبرى تداعياتها كبيرة على مستوى البلد، لأنها تكرّس وتعمّق الانقسام الداخلي بما يريح اسرائيل التي لا تنتظر ذريعة لتعتدي على لبنان، وهي لم توقف عدوانها منذ العام 1948 وخصوصاً على الجنوب وأهله. 
 
في المقابل صدرت تصريحات لبعض مسؤولي حزب الله ليست مقبولة في مخاطبة الدولة والشركاء في الوطن، أياً تكن الأسباب والمشاعر. لغة التهديد والوعيد وإدارة الظهر للآخر غير مقبولة حتى لو كان بعض "الآخر" أي بعض الشركاء يطلق مواقف مرفوضة كما قلنا. الحزب معني أيضاً بالتعاطي بمرونة مع رئيس الجمهورية الذي تحمّل الكثير من الانتقادات من قبل أبناء بيئته وبعض اللبنانيين وهو تصرف ويتصرف بحكمة وعقلانية وحرص على استيعاب الجميع، وبعض الذين انتقدوه من بيئة أخرى غير بيئة الحزب ثم لأسباب معروفة عادوا وأشادوا به مطالبون بالإقلاع عن إطلاق المواقف التي تعزّز الانقسام وتنتظر الضربات الاسرائيلية وتبرّرها في سياق رهان خاطئ ومكلف ولا مصلحة لأحد في لبنان به، ولا ينسجم مع الخطابات السيادية الاصلاحية لأن اسرائيل ستدمر كل شيئ. إن في ذلك شيئاً من العبثية بهذه الطريقة من التعاطي والتبادل السلبي بالمواقف لا ينتج إيجابية تخدم البلد ووحدته ومصلحته في أخطر مرحلة يمر بها ويواجه فيها استحقاقات مصيرية. 
 
 
 
إن دعم الجيش والكف عن انتقاد قيادته أو مهاجمتها أو التشكيك بها هو أمانة ومسؤولية ومعيار أساسي لصدق من يحرص عليه ويريد فعلاً إنجاز مهمته. فقد أثبت لبنان بجيشه ومؤسساته الأمنية في ما أنجزه في الأشهر الأخيرة على صعيد حصر السلاح في الجنوب بيد الدولة، ومواجهة الإرهاب، وضبط الحدود اللبنانية السورية، وضرب مصنّعي ومروّجي المخدرات وتوقيف كبار الرؤوس وقتل بعضهم، وحماية الاستقرار الداخلي، أثبت أن لدينا بنية أمنية قوية متماسكة كفوءة، وإذا أعطيت الإمكانات لحققت الكثير من الإنجازات، فهل سيبادر الخارج المعني إلى اتخاذ قرارات جدية في الخامس من آذار المقبل، أم ستؤثر حسابات الخارج من أميركا إلى أوروبا إلى العرب وما يجري على ساحاتهم جميعاً في لعبة تصفية الحساب، فتستمر اسرائيل في استثمارها السياسي على الساحة اللبنانية ليبقى السيد نتانياهو متقدماً في خطواته ويخسر لبنان؟ ليفكر الجميع بما جرى في غزة! لماذا قبلت حماس؟ بعد ماذا؟ وفي أي توقيت؟ بعد التوترات داخل إيران والتهديدات التي وجهت اليها، وليس ثمة شيئ يوحي بأننا ذاهبون إلى استقرار. إذا كان تفاهم سيكون على حسابنا وإذا كان تصادم سيكون أيضاً على حسابنا والحرب ضدنا لم تتوقف.