القيم (2): احتكار الفضيلة - قراءة نقدية في سلوك الجماعة الدينية*د.محمد صبحي العايدي
الغد
ليست الفضيلة ملكاً لأحد فرداً أو جماعة، ولا امتيازاً يمنح، الفضيلة في معناها العميق قيمة إنسانية تتجاوز الأفراد والجماعات، وقياسها الحقيقي يكون في السلوك، ومايترتب عليه من أثر نافع للعموم، لكن سلوك بعض الجماعات الدينية المعاصرة أخرج الفضيلة من كونها قيمة جامعة إلى «ملكية رمزية»، تفرض طاعة معينة، ويقنن الخير بحسب انتماء الفرد، وتعيد تعريف الفضيلة على قاعدة: «نحن معيار الفضيلة»، ومن سوانا في منطقة الشبهة أو النقص أو الضلال، وهنا تحديداً تبدأ المشكلة، فالفضيلة عندما تتحول إلى هوية جماعية تفقد جوهرها الأخلاقي، لأن الأخلاق لا تقاس بالاصطفاف، ولا تعرف بالانتماء، بل بالفعل والأثر.
والمفارقة الأعمق أن هذا الاحتكار لا يستند في جوهره إلى الدين نفسه، حيث لم ينظر إلى الفضيلة بوصفها هوية مغلقة، بل بوصفها فعل منجز في الواقع، فالقرآن الكريم لم يخبرنا أن الفضيلة تورث أو تمنح بالأصل أو العرق أو الانتماء الأيدلوجي، فعندما قال بنو إسرائيل كما أخبر عنهم القرآن :» نحن أبناء الله وأحباؤه» انتقدهم بهذا الطرح، لأنهم جعلوا الفضيلة راجعة لاعتبار الانتماء الديني، أو توهم الامتياز العرقي، ليؤكد أنها مرتبطة بالعمل الصالح والنية الصادقة.
حتى عندما ذكر القرآن خيرية الأمة الإسلامية لم يجعلها مطلقة لمجرد الانتماء، بل مشروطة بالسلوك الصالح والإيمان الصادق، فجاء القرآن الكريم ليؤكد في قوله تعالى: « كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، فلم يجعل الخيرية والفضيلة حكر على جماعة، بل جعلها معياراً يقاس به الإيمان ذاته، ولم يجعلها نتيجة للانتماء، بل شرطاً له.
فإذا ادعت جماعة لنفسها الأفضيلة أو الخيرية لأجل الانتماء لجماعة معينة أو حقبة زمنية محددة فقط، واعطت لنفسها الحق في تقييم الآخرين بهذا الاعتبار، فإنها ستدخل في دائرة الذم القرآني كما هو حال الأمم السابقة، فادعاء امتلاك الخير والفضيلة بشكل حصري، هو منطق يهدد المنظومة القيمية كلها بالإنهيار، ويقوض الهدف الإنساني والديني للفضيلة، ويحولها إلى سلطة رمزية، لا وسيلة لتزكية النفس وتحقيق العدالة والرحمة، وينتج مفارقة خطيرة: خطاباً أخلاقياً عالي النبرة، لكنه فقير في نتائجه الإنسانية.
وأخطر ما في هذا الاحتكار هو أن يغلق باب المراجعة للجماعات الدينية، فالفضيلة حين تحتكر تفقد عالمتها وجوهرها الإنساني، وتغدو معياراً مغلقاً يحرم منها من لا ينتمي مهما بلغ من صدق أو عدل، وهنا مكمن الخطر فإن الجماعة التي ترى نفسها ممثلة للخير المطلق، تعجز عن نقد ذاتها، أو تصويب سلوكها، بل ولا تقبل من يوجه لها الانتقاد، لأنها تعتبر نفسها مركز الخير، ويفهم النقد بوصفه طعناً في الفضيلة نفسها، وهكذا تحصن نفسهما من الأخطاء، وتقدس ممارساتها مهما كانت من الذم أو اللوم، فتستخدم الفضيلة كدرع أيدلوجي، يبرر الاقصاء والاستعلاء.
وفي المقابل الفضيلة الحقيقية تحتضن التعدد وتحترم الاختلاف، وتبقى فوق الانتماءات الضيقة، ولا يقول من يدعيها: نحن الأخيار وحدنا، بل يسأل دائماً: ماذا أضفنا للكرامة الإنسانية؟ وهل وسعنا معنى الرحمة بالخلق؟ وما هو الأثر الذي تركناه نتيجة لأفعالنا؟ لأنهم يدركون أن الفضيلة لا تزدهر بالخطابات والشعارات، وفي البيئات المغلقة، بل بترك المساحة مفتوحة للحوار والمساءلة والتكامل.
إن قراءة سلوك الجماعات الدينية تكشف أن احتكار الفضيلة ليست مسألة نظرية، بل تمتد إلى الحياة اليومية، إلى الخطاب، والممارسة، والعلاقات بين أفراد المجتمع، وحيثما تمارس الجماعة الاحتكار يفقد الإنسان قدرته على التفكير النقدي، لأنه يخاف من الاتهام والشيطنة، ويحرم المجتمع من مساحات كبيرة من الرحمة والتواصل، وتغدو الفضيلة علامة تجارية لا سلوك إنساني عام.
وفي النهاية إن تحرير الفضيلة من الاحتكار شرط أساسي لتحرير الدين من التوظيف، فالدين الذي يختزل في جماعة يفقد عالميته، والفضيلة التي تختزل في خطاب تفقد إنسانيتها، والقيم حتى تحيا لا بد أن تبقى فوق الجميع لا في يد أحد، فليست المشكلة أن تدعو جماعة إلى الفضيلة، بل أن تزعم أنها المالك الوحيد، فحيثما احتكرت الفضيلة غاب التواضع الأخلاقي، وحيثما غاب التواضع، بدأ العنف باسم حماية الفضيلة، والغيرة على القيم.