عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Mar-2026

"دفاعا عن القيم الغربية".. أي قيم؟!*موفق ملكاوي

 الغد

اجتهد نتنياهو، في ظهوره على قناة فوكس نيوز، في أن يرفع “الخطر الإيراني” إلى مرتبة تهديد وجودي للولايات المتحدة وللغرب، وأن يضع إسرائيل بمنزلة “خط الدفاع الأول” عن منظومة قيم يفترض أنها غربية، وكأنّ الدمَ الذي يسيل هنا لا يدخل في تعريف القيم هناك. 
 
 
لكن، قبل أن نمتحن ادعاء “الدفاع”، علينا أن نجيب عن السؤال الذي يتهرب منه خطاب نتنياهو عمدا، أو الخطاب الغربي بعامة وهو ما المقصود أصلا بـ”القيم الغربية”، فالمصطلح، كما يستخدم سياسيا وإعلاميا، ليس تعريفا فلسفيا ولا ميثاقا أخلاقيا ثابتا، بل “حزمة” شعارات مرنة تُستدعى حين تحتاج القوة إلى غطاء.
في صيغتها النظرية المعلنة، تتلخص “القيم الغربية” بما تسميه النخب الغربية ذاتها بسيادة القانون، وتقييد السلطة بالدستور، واستقلال القضاء، والحقوق الفردية، وحرية الرأي والصحافة، وحق التظاهر والتنظيم، وتداول السلطة، وحماية الأقليات، ومبادئ المساواة بين المواطنين بصفتهم مواطنين لا بصفتهم أعراقا أو أديانا. هذه هي القيم التي تدرس في المناهج، وترفع في الخطب حين يكون الخصم “غير غربي”. لكننا لن نلجأ إلى تفنيد كيف أن تل أبيب وواشنطن بالذات، فتكتا بجميع مفردات هذه المنظومة خلال الأعوام الثلاثة على الأقل.
المشكلة أن هذه المبادئ كأفكار مجردة، تحولت داخل الممارسة السياسية إلى انتقائية وظيفية، فتطبق حين لا تكلف شيئا، وتعلق وتفرّغ من مضمونها حين تصطدم بحليف “ضروري”. ماذا عن فلسطين بما فيها من اقتلاع طويل وتطهير عرقي، وغزة بما تمثله من ذروة المذبحة أمام الكاميرات، والعراق الذي جرى تفكيك بنيته باسم الديمقراطية، وسورية التي تحولت إلى ساحة تصفية، وليبيا التي أسقطت دولتها ثم تركت للفوضى، وأفغانستان التي دارت بها عجلة الزمن إلى الوراء. كل واحدة من هذه المحطات كان لها دائما خطاب مرافق أخلاقي جاهز تجلى في الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية المدنيين، لتترك دولا فاشلة، ومجتمعات محطمة، وأجيالا تدفع إلى الهجرة أو التطرف.
حيلة نتنياهو أن يختصر “الغرب” في معناه العسكري والأمني، لا في معناه الدستوري والأخلاقي، وأن يجعل إسرائيل مرادفا لذلك “الغرب” لأنها متقدمة تقنيا وتسليحا ومدعومة، ليثبت أنها في الخندق الغربي وتحارب من أجل قيمه، بينما الحقيقة أن الحروب تدار من أجل النفوذ وتوازنات القوة.
أما حين تفتح ملفات “تحرير المرأة” و”حماية الطفل” و”الحرية الشخصية”، فالمشهد يصبح أكثر التباسا، لأن الغرب يقدم نفسه حارسا لكرامة الفرد وحريته، لكن الحروب التي تخاض باسمه في منطقتنا لا تحرر النساء ولا تحمي الأطفال، بل تخلق شروطا مثالية لقتلهم مرة بالقصف وأخرى بانهيار الدولة والاقتصاد والتعليم والصحة. 
ما يتحدث عنه نتنياهو من اختلاف في القيم بين الشرق والغرب، لا نرى له تجليات سوى العِرق والدين، أي أن المعيار النهائي الذي يحكم تطبيق القيم هو من “يستحقها” ومن “لا يستحقها”، وهو مفهوم خاضع لإرث تاريخي كامل امتد من استعمار قديم بلباس مباشر، واستعمار حديث بلباس مؤسساتي، ومن مركزية غربية تنتج سردية التفوق ثم تسقطها على العالم بوصفها “قانون الطبيعة”. الغرب اخترع أفكارا عن الحرية والحقوق منذ زمن الاستعمار، والمشكلة أنه احتفظ بحق توزيعها، كما احتفظ بحق تعليقها وتفسيرها بما يخدمه.
ومع ذلك، فيمكن لنا أن نجد في الأدب تفسيرا لنموذج إسرائيل والقيم الغربية، فوحش فرانكشتاين لم يأت من خارج الحضارة، بل هو ابن شرعي لتجربة ادعت أنها تصنع “إنسانا أفضل”، ثم فقدت السيطرة على مخلوقها. القيم، حين تنفصل عن شرطها الأول المتمثل بالكرامة الإنسانية المتساوية، تتحول إلى جسد بلا روح؛ وحين تربط بالقوة وحدها، تصبح آلة تبرير، وحين تستخدم لتقسيم البشر إلى درجات استحقاق، تولد “مسوخا” باسم الحضارة. عندها يصبح العالم مختبرا لأسوأ ما في الإنسان، ولتشوه الأفكار حين ترتبط بالهيمنة.
 القيم الغربية ليست هي المشكلة حين تكون قيما أخلاقية يتفق الجميع على مضمونها، ولكنها تتحول إلى معضلة قاتلة بوضعها كـ”علامة تجارية” تلصق على الصواريخ. وحين يقول نتنياهو إنه يدافع عن “القيم الغربية”، فهو لا يدافع عن سيادة القانون ولا عن حق تقرير المصير ولا عن المساواة، بل عن امتياز سياسي يقدم بوصفه أخلاقا، وعن عنف منظم يقدم بوصفه ضرورة، وعن استعمار جديد يقدم بوصفه دفاعا عن الحضارة.
القيمة الوحيدة التي تستحق أن يدافع عنها فعلا، لا بوصفها غربية أو شرقية، هي ما يتسع للجميع من عدالة لا تتجزأ، وكرامة لا يتم تصنيفها حسب اللون والدين، وحق لا يتبدل حسب الجواز وموقع الجغرافيا.