الغد
ماري ديجيفسكي* - (الإندبندنت) 5/1/2026
تقف إيران عند لحظة مفصلية بعد عقود من الجمود الظاهري، إذ كشفت الاحتجاجات الواسعة ذات الجذور الاقتصادية عن تآكل قاعدة النظام الديني واتساع الغضب الاجتماعي إلى شرائح غير مسبوقة، مع تحول بعض الشعارات إلى تحد سياسي مباشر. وبين خطر الانزلاق إلى الفوضى واحتمال التحول المنضبط، يواجه الداخل الإيراني اختبار البقاء، فيما يترقب الخارج تداعيات إقليمية ودولية قد تكون بالغة التأثير.
على مدى ما يقرب من 50 عاماً، كان حكم آيات الله في إيران تقريباً الحالة الوحيدة في الشرق الأوسط التي بدت، ظاهرياً -ولو على نحو خادع- ثابتة لا تتغير. إلا أن ذلك قد يكون على وشك التحول، مع احتمال حدوث تغيير في النظام، أو انزلاق إلى الفوضى، أو الاثنين معاً، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات بعيدة المدى تطاول إيران والمنطقة وما هو أبعد من ذلك.
فقد شهدت شوارع العاصمة طهران، خلال الأسبوع الماضي، اندلاع احتجاجات شعبية واسعة سرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد، شرقاً وغرباً وجنوباً. وتعود أسباب هذه الاحتجاجات، في جوهرها، إلى عوامل اقتصادية بحتة، أبرزها تراجع قيمة العملة الإيرانية بنحو 60 في المائة أمام الدولار الأميركي خلال ستة أشهر، وشح الوقود ومصادر الطاقة داخل البلاد، إلى جانب تضخم جامح أدى إلى ارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية بأكثر من 70 في المائة، مما ترك أعداداً كبيرة من الإيرانيين عاجزين حتى عن الحفاظ على مستوى معيشي كان متدنياً أصلاً.
اللافت أنه، خلافاً للاحتجاجات السابقة -ولا سيما تلك التي اندلعت خلال العام 2022 إثر وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها بعد اتهامها بعدم الالتزام بارتداء الحجاب- والتي انحصرت في سبب واحد وبقيت عموماً محصورة في أوساط ناشطين متعلمين في العاصمة، فإن الاحتجاجات الأخيرة تجاوزت طهران بكثير، وبدأت تستقطب شرائح اجتماعية أوسع. فقد أغلق تجار الأسواق الكبرى محالهم، وتوقف أصحاب المتاجر الصغيرة عن العمل للمشاركة في الاحتجاجات، وانضم إلى التظاهرات موظفون من الطبقة الوسطى، إلى جانب طلاب. وفي بعض المناطق، اتخذت هذه التظاهرات طابعاً سياسياً مباشراً ومعادياً للنظام، مع شعارات تطالب بإنهاء حكم آيات الله، بل وحتى التعبير في بعض الحالات عن حنين إلى عهد الشاه.
من الممكن تماماً أن تكون هذه الموجة من الاضطرابات مجرد حلقة جديدة في سلسلة من الاضطرابات المتصاعدة تدريجاً، وما يزال أمامها طريق طويل قبل أن يصل النظام الديني الحاكم إلى نهايته -إن وصل إليها أصلاً. ولكن يجدر التذكير أيضاً بأن الثورات، عندما تندلع، قد تبدو وكأنها تظهر من العدم، ثم تتصاعد بوتيرة تفوق كل التوقعات لتقود إلى انهيار النظام. فكثيراً ما تظهر الأنظمة غير الديمقراطية كل مظاهر السيطرة والبقاء في الحكم، إلى أن تفقد ذلك فجأة.
هكذا كان الحال مع الحركة الشعبية التي دفعت آية الله الخميني إلى السلطة عقب عودته من المنفى خلال العام 1979. ولم يستغرق الأمر سوى 10 أيام من عودة الخميني حتى سقط النظام الملكي، وبعد شهرين فقط أكد استفتاء شعبي قيام الجمهورية الإسلامية في إيران. فهل يمكن أن تكون جاذبية الحكم الثيوقراطي قد استنفدت نفسها بعد ما يقارب ثلاثة أجيال، ومعها قدرته على الاحتفاظ بالسلطة؟
هذا احتمال لا ينبغي استبعاده، لكنّ ما قد يلي ذلك يمر عبر درجات ومسارات متعددة. فـ"الحرس الثوري" الإيراني لم يتردد خلال الماضي في اللجوء إلى القمع العنيف، كما حدث خلال العام 2022، عندما أدى الاستخدام الدموي للقوة إلى انحسار الاحتجاجات المطالبة بحقوق المرأة تدريجياً. وهو اليوم يطبق الأساليب نفسها من القمع الجسدي والسياسي. لكن السؤال يبقى: إلى أي حد يستعد الحرس الثوري، ومعه مرجعياته الدينية الحاكمة، للذهاب في هذا المسار؟ وهل يملك الإرادة -أو الأهم من ذلك القدرة الفعلية على تنفيذ ما يشبه "حل ميدان تيانانمن"؟
يبدو أن هناك عوامل عدة تجعل هذا الخيار أقل قابلية للتطبيق. ومن الصعب اليوم مقارنته بما كان عليه الحال قبل أربعة عقود، عزل بلد ما أو عزل حركاته الاحتجاجية عن العالم الخارجي. كما أن لإيران جالية واسعة في الخارج، وهي نشطة وتتمتع بحس وطني قوي. يضاف إلى ذلك أن آيات الله باتوا في سن متقدمة، وأن هيبتهم وسلطتهم تضررتا بفعل الضربات الأميركية والإسرائيلية التي شهدها العام الماضي، والمعروفة اليوم باسم "حرب الأيام الـ12". أما السخط على تدهور مستويات المعيشة، فهو شبه شامل ويكاد يعم المجتمع الإيراني بأسره.
للمقارنة، يمكن النظر إلى حقبتين مختلفتين في روسيا. فقد أسهمت الحرب في أفغانستان وتداعياتها، إلى جانب الإنفاق الدفاعي المرتفع والاضطرابات الاقتصادية، في تقويض أركان النظام السوفياتي، غير أن فلاديمير بوتين كان أكثر دهاءً وحظاً، إذ نجح، إلى حد بعيد، في الإبقاء على تأييد الروس للحرب في أوكرانيا من خلال الحفاظ في معظم الأحيان على مستويات المعيشة، والصمود في وجه العقوبات الغربية. أما إيران، فتواجه ذلك المزيج القاتل المزدوج المتمثل في هزيمة عسكرية تضعف المعنويات الوطنية، وعقوبات تقوض الاقتصاد تدريجاً.
إذا كان تغيير النظام احتمالاً قائماً، فقد يشكل الرئيس الإيراني المنتخب مسعود بزشكيان أحد آخر الحواجز الممكنة في وجه الانزلاق إلى الفوضى. فمع اندلاع الاحتجاجات الأولى الأسبوع الماضي، بدا أنه يناشد آيات الله الاستجابة، وقال إن حكومته ستنصت إلى "المطالب المشروعة" للمتظاهرين. غير أن حدة النقمة على كل من يرتبط بالسلطة قد تعني أن ذروة نفوذه السياسي قد تكون انقضت بالفعل، وهو احتمال أسهم الغرب، ربما من دون قصد، في تسريع حدوثه.
بزشكيان، الذي وصل إلى الرئاسة على نحو غير مباشر إثر تحطم مروحية أودى بحياة سلفه، وهو جراح عسكري سابق، وجه بادرة غير مألوفة نحو العالم الخارجي في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 2024، بعد وقت قصير من انتخابه. غير أن تلك البادرة قوبلت إما بالتجاهل أو بالصد من الجهات التي كانت موجهة إليها، فضاعت بذلك فرصة، وعادت إيران إلى الانكفاء على ذاتها. وما يزال من غير الواضح ما إذا كان بزشكيان يمتلك النفوذ أو الحافز الشخصي اللازمين لتولي زمام القيادة، في ظل حالة التقلب والاضطراب التي تمر بها إيران حالياً.
بعد أعوام تعامل فيها العالم الخارجي مع إيران بوصفها حالة تقع بين دولة هامشية إقليمياً ودولة مارقة، على خلفية ما ينظر إليه على نطاق واسع -وإن كانت طهران تنفيه- كطموحات نووية، بات المجتمع الدولي اليوم أمام احتمال تحول حاد في إيران، عاجلاً أم آجلاً خلال العام الحالي. وقد تشجع إيران الغارقة في الفوضى جيرانها، ولا سيما العراق وتركيا في المقام الأول، على اقتطاع مكاسب صغيرة لأنفسهم، مما قد يشعل صراعات إقليمية جديدة. وخلال الوقت نفسه، تلوّح إسرائيل بشن هجوم جديد يستهدف ما تبقى من القدرات العسكرية الإيرانية، أياً كان حجمها، فيما قد تنخرط الولايات المتحدة في هذا المسار بذريعة حماية العالم من "انفلات نووي" محتمل، أو من بروز قوة نووية جديدة على الساحة الدولية.
لكن الاضطرابات في إيران لا تنذر بالتهديد وحده، بل قد تفتح أيضاً باب الفرص. فإذا ما أفضت التطورات إلى إيران تخضع أسلحتها لرقابة دولية، وتتوقف عن زعزعة الاستقرار في محيطها الإقليمي، وتسعى إلى إعادة الانخراط مع العالم، وتستأنف مشروع التحديث الداخلي الذي قاطعته الثورة الإسلامية، فإن ذلك قد يشكل تحولاً إيجابياً بالغ الأهمية.
طالما ظل المسار المستقبلي لإيران غير محسوم، فمن الحكمة أن يلتزم العالم الخارجي قدراً من التريث، وأن يتذكر أن إيران حضارة عريقة تتمتع بإحساس راسخ بهويتها الوطنية، وأن يتجنب أي خطوات قد تفسر على أنها مساس بكرامتها. وقد يتيح العام الجديد فرصة نادرة، لا تتكرر إلا مرة في الجيل الواحد، لتحسين حال العالم في جانب محدد بعينه -وإذا كانت كذلك، فلا ينبغي التفريط بها.
*ماري ديجيفسكي: كاتبة وصحفية ومحللة سياسية بريطانية بارزة، متخصصة في الشؤون الدولية والعلاقات بين الشرق والغرب، ولا سيما روسيا وأوروبا الشرقية. عملت لسنوات طويلة في صحيفة "الإندبندنت" حيث شغلت منصب المحررة الأدبية وكاتبة عمود منتظمة في السياسة الخارجية، كما تكتب حاليًا في عدد من المنصات الفكرية والصحفية البريطانية والدولية. تُعرف بمقاربتها النقدية المستقلة للسياسات الغربية، وبقراءتها التاريخية العميقة للتحولات الجيوسياسية، وبأسلوبها الرصين الذي يجمع بين التحليل الأكاديمي والكتابة الصحفية الرفيعة.