الغد-موفق ملكاوي
تعود الباحثة الزميلة رنا الحسيني لتذكيرنا بأن قصص اللجوء لا يمكن اختصارها في مجرد أرقام تتناقلها المؤسسات الدولية والإعلام، بل هي حيوات حقيقية، بمسار كامل من المعاناة والإخفاق، ونجاحات تخللتها تحديات صبغت تلك الرحلات بألوانها المميزة.
"خيوط المثابرة"، الإصدار الجديد للحسيني، يقدم نماذج لنساء سوريات لاجئات في الأردن، استطعن أن ينتقلن من جانب الاستسلام إلى جانب الفعل، ومن العجز إلى الفاعلية والإنتاجية، لتعيد الإنسان إلى مركز خطاب اللجوء بعد أن أرهقته الأرقام والتقارير واللغة البيروقراطية، فهي لا تكتفي بوصف "اللاجئة" كفئة هشة، بل تقدمها أيضا كفاعل اجتماعي واقتصادي يعيش داخل منظومة معقدة من القوانين والأعراف والفرص المحدودة، منطلقة من فهم أن اللجوء عملية طويلة الأمد لا لحظة طارئة، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في النجاة من الحرب فقط، بل في إعادة بناء منظومة الحياة اليومية بما تشتمل عليه من عمل وكرامة ودور وأمل في المستقبل.
الكتاب هادئ النبرة لا يزايد عاطفيا، ولا يستدر الشفقة، ولا يسقط في خطاب البطولة الساذج. لغته أقرب إلى الإنصات منها إلى الخطابة، والقصص مكتوبة بوعي أخلاقي عال، فالكاتبة حاضرة، لكن حضورها ليس طاغيا، وهي تقدم التفسير، لكنها لا تصادر صوت النساء، لتقيم توازنا دقيقا بين القصص الفردية، وبين الإطار التحليلي الذي يربط التجربة الشخصية بالسياسات العامة وسوق العمل والعنف القائم على النوع الاجتماعي، لتعرية الكيفية التي تعيش فيها النساء داخل منظومة كاملة لا تعمل لصالحهن، فالحسيني تكتب اللجوء من الداخل، لا من فوقه، وتمنح النساء حق سرد حكاياتهن لا بوصفهن ضحايا فقط، ولا بطلات خارقات، بل بشريات يعدن ترميم حياتهن تدريجيا، ليكون كتابا، ليس عن اللاجئات السوريات في الأردن، بل وثيقة أخلاقية عن معنى الكرامة الإنسانية في زمن الانكسار.
الحساسية الأخلاقية العالية بتمثيل اللاجئات ملمح مهم آخر في الكتاب، فالحسيني لا تتحدث عن النساء بقدر ما تكتب معهن، وتحرص على ألا تتحول القصص إلى مادة استهلاكية أو إلى مشاهد صادمة تستثمر عاطفيا. فالوعي الواضح بحدود السرد؛ ما يقال وما يترك مسكوتا عنه احتراما للتجربة ولصاحباتها، يأتي من انضباط أخلاقي صارم يمنح النص صدقية عالية، ويضعه في خانة الكتابات المسؤولة التي تدرك خطورة تحويل الألم الإنساني إلى "حكاية جذابة".
يحسب للكاتبة، كذلك، نجاحها بتفكيك الصورة النمطية للاجئة في المخيال العام، وتفكيك الثنائية الشائعة التي تحاصر اللاجئات بين صورتين متناقضتين؛ الضحية العاجزة أو البطلة الخارقة. ما يقدمه الكتاب هو منطقة وسيطة من خلال نساء عاديات يخطئن ويترددن ويتعبن، ثم يواصلن مسارهن، ليعيد اللاجئة إلى طبيعتها الإنسانية، ويخرجها من الخطاب الأخلاقي المتعالي الذي يجردها من التعقيد والتناقض.
الأمر يمكن رؤيته في قصة نور، فهي ليست امرأة منهارة عاجزة، ولا بطلة خارقة قادرة على التجاوز بإرادة لا تتزعزع، بل امرأة اضطرتها الظروف للعمل، بمعنى أنها لم تدخل سوق العمل بدافع "التحرر" أو "التمكين" بالمعنى الخطابي، بل بدافع الضرورة البحتة. والأهم، أنه لا يتم تمجيد معاناتها ولا تحويلها إلى ملحمة، فهي لا تخفي التعب، ولا تدعي الرضا الكامل، ولا تقدم العمل كحلم متحقق. صحيح أنها ليست ضحية صامتة تنتظر المساعدة، لكنها أيضا لا تقدم كامرأة تحررت بالكامل من شروط الهشاشة، بل كـ"فاعلة" داخل هامش ضيق تتحرك فيه بقدر ما تسمح به الظروف، ما يشير إلى أن التمكين ليس حالة مستقرة، ولا نتيجة نهائية، بل عملية متقطعة تتقدم وتتراجع، فحين تعمل نور، تشعر بقيمة ذاتها، وحين ينتهي التمويل، تفقد هذا الاستقرار. هذا التذبذب هو بالضبط ما يغيب عن الخطاب السائد حول "تمكين اللاجئات"، ويحضر في الكتاب بوضوح وصدق.
والأهم، تقديم نور كإنسانة كاملة: أم وزوجة وعاملة، متعبة ومترددة، فخورة أحيانا ومحبطة في أوقات كثيرة. والكتاب لا يطلب من القارئ الإعجاب بها، بل فهم تجربتها، وهو فارق جوهري بين السرد الإنساني والسرد الدعائي، فينجح الكتاب في تفكيك الثنائية النمطية لأنه لا يفرض على المرأة دور الضحية ولا دور البطلة، ولا يستخدم قصتها لإثبات أطروحة جاهزة، بل يترك التجربة كما هي؛ غير مكتملة، وغير مثالية، لكنها حقيقية.
في قصة أم إيهاب نموذج مختلف للتمكين لا يقوم على فكرة الاستقلال الفردي الكامل بوصفه الغاية النهائية، بل على التمكين العائلي بوصفه صيغة واقعية ملائمة للسياق الاجتماعي والثقافي. البطلة لا تدخل مسار التمكين من بوابة القطيعة مع الأسرة أو إعادة تعريف الذات بمعزل عنها، بل على العكس، تحققه من داخل البنية العائلية نفسها، وبحضور الزوج، ليس كعائق أو سلطة قمعية، بل كشريك متردد أحيانا وداعم أحيانا أخرى، ما يبدد السردية الشائعة التي تفترض أن تحرر المرأة لا يتحقق إلا بمواجهة العائلة أو تجاوزها. والأهم عدم تقديم هذا النموذج بوصفه أقل "تقدمية" أو أقل قيمة من نموذج الاستقلال الفردي، بل التعامل معه باعتباره استجابة ذكية للواقع، لا تنازلا عنه.
أم إيهاب تكشف محدودية الخطاب الأحادي حول تمكين النساء، خصوصا في سياقات اللجوء، لتبين أن التمكين قد يكون جماعيا لا فرديا، وتفاوضيا لا تصادميا، وتدريجيا لا قاطعا، فتسهم في توسيع المفهوم وقياسه، ليس فقط بمعايير الاستقلال الاقتصادي أو القرار الفردي، بل أيضا بقدرة المرأة على إعادة تشكيل موقعها داخل العائلة والمجتمع من دون أن تستنزف أو تقصى، وهو نموذج يطرح سؤالا نقديا عميقا: هل التمكين الحقيقي هو أن تصبح المرأة وحدها، أم أن تصبح مرئية وفاعلة ومقدرة داخل الشبكة التي تعيش فيها؟
الكتاب لا يعالج اللجوء كحدث، بل كزمن طويل وممتد، تتبدل فيه الأدوار، وتتغير العلاقة بالعمل وبالذات وبالمجتمع المضيف. هذا البعد الزمني يمنح القصص عمقا خاصا، ويكشف أن الاستنزاف لا يحدث في اللحظات الدرامية فقط، بل في التفاصيل اليومية الصغيرة، فاللجوء هنا ليس صدمة واحدة، بل سلسلة من التكيفات المتتالية.
وفي سياق الجندر؛ تقدم الكاتبة مثلثا غير متوازن بين الجندر والفقر والسلطة، رابطة بوضوح بين كون المرأة امرأة، وكونها فقيرة، ووجودها في موقع ضعيف داخل بنية السلطة؛ القانونية والاجتماعية، فالفقر هنا ليس نقص دخل فقط، بل أيضا نقص قدرة على التفاوض؛ مع صاحب العمل، مع الأسرة، ومع المؤسسات.
حين تنهي قراءة "خيوط المثابرة"، لا بد أن يتبادر إلى ذهنك سؤال إن كان الكتاب محاولة لتوثيق قصص لجوء لنساء سوريات في الأردن؛ أم أنه، في جوهره، رصد دقيق لبنية الهشاشة الاجتماعية في السياق العربي المعاصر، والاشتراطات التي تتحرك فيها النساء.
أدبيات اللجوء تنشغل، غالبا، بأسئلة محددة كالحماية والمساعدات والوضع القانوني والعودة أو إعادة التوطين، لكن قيمة الكتاب تتجاوز ذلك لرصد النساء في الاقتصاد الهش، والعلاقة بين الجندر والفقر والسلطة، متخذا من اللاجئة رمزا مكثفا لامرأة عربية تعيش اقتصادا غير مستقر، وسوق عمل غير منظم، وحماية قانونية ناقصة، وأعباء رعاية غير معترف بها، وسلطة اجتماعية غير متكافئة. إنها شروط لا تخص اللاجئات وحدهن، بل تشترك فيها ملايين النساء في المنطقة اللواتي تضطرهن الظروف إلى الرعاية والتكيف، ويعشن خارج مظلة الحماية الاجتماعية، وفي ظل محدودية الحقوق الاقتصادية، وضعف الحماية التشريعية، وتقييد الوصول إلى العمل اللائق، ما يجعل القصص المعروضة قابلة للقراءة خارج سياقها الجغرافي المباشر.