"جنين في جنين".. رواية فلسطينية تصور فلسفة المقاومة والصمود
الغد- عزيزة علي
صدر للكاتب والباحث والروائي الفلسطيني نسيم عزيز قبها رواية بعنوان "جنين في جنين"، عن دار العائدون للنشر والتوزيع في الأردن. تعد الرواية إضافة مميزة للأدب الفلسطيني المعاصر، فهي تحمل رؤية فلسفية عميقة.
وتصور الرواية المقاومة والصمود والحياة اليومية في ظل الاحتلال، مستعرضة الصراع بين التدمير وإعادة الحياة، والذاكرة كحاضنة للهوية، والحب كقوة تقاوم الظلام.
وجاء في نص على غلاف الرواية: كانت الخضار الخضراء تشبه الجواهر في عالم رمادي. لم تكن هذه الرقعة الخضراء في بطن المخزن المظلم مجرد مصدر غذاء، بل نظرية مكتملة في مواجهة العدم. فالزراعة هنا لم تكن نشاطا زراعيا فحسب، بل طقسا فلسفيا؛ كل بذرة تُدفن في التراب كانت دفنا لإيمان بالمستقبل. أن تزرع في ظلام دامس، دون أن تعلم إن كنت سترى النور غدا، فهذا هو الإيمان العملي الخالص من الوعود.
كانت الخضرة الثابتة برهانا ماديا على فكرة مجردة: أن قوى الخلق أقوى من قوى التدمير. فالدبابة قد تسوي الحقل بالأرض، لكنها تعجز عن منع بذرة مخبأة في الجيب من الإنبات في مكان آخر. للحياة مرونة الوجود؛ تنحسر هنا لتندفع هناك. هذه النباتات الصغيرة جسدت "مقاومة الجذور" لا بالمعنى السياسي، بل بالمعنى البيولوجي: غريزة الحياة التي ترفض الانقراض.
أما النساء اللواتي زرعن، فقد مارسن قدسية أقدم من التاريخ، قدسية إدامة الحياة. في كل حبة طماطم صغيرة كان رفض كامل لمنطق الاحتلال القائم على التجويع؛ فالماء يُخلق من الندى، والغذاء من التراب والإرادة. هكذا تحول المخزن من مستودع للموت البطيء إلى دفيئة للحياة.
كان الفعل الزراعي إجابة عن سؤال وجودي: كيف نواصل؟
وكان الجواب: بأن نخلق، ولو من لا شيء.
لم تكن الخضار جواهر فحسب، بل أبجدية جديدة تكتب جملة واحدة:
"نحن هنا، ولنا جذور... حتى في الهواء".
إهداء الرواية جاء كما يلي: "إلى كل شمعة تضيء ظلام العالم، وإلى كل يد تبني من بين الركام، وإلى كل قلب يحمل ذاكرة لا تموت، وإلى كل عين لا تفقد بريق الأمل. إلى من رحلوا وهم يحلمون بفجر آت، وإلى من بقوا يحملون الشعلة، وإلى من سيأتون ليكملوا المسيرة. هذه ليست كلمات على ورق، بل قصص نابضة في القلوب، وذاكرة حية لا تموت، وشعلة أمل لا تنطفئ؛ فالحياة أقوى من كل دبابة، والحب أبقى من كل حقد، والأمل أبهى من كل ظلام".
الروائي الدكتور محمود عيسى موسى كتب ما يشبه المقدمة بعنوان "دهشة العنوان، وفلسفة المتن، والكنز الثمين"، أشار فيها إلى أن قبها يمضي في روايته التأملية، رغم قسوة أحداثها وتفاصيلها، في مذهب فلسفي يخالف السائد في السرديات المعاصرة، منطلقا من إيمانه الراسخ بأن وظيفة الأدب لا تنفصل عن التحرر والارتقاء بالقيم الإنسانية العليا.
وتحت الغيوم السوداء وألوان البطش والتنكيل، يشق الكاتب لنفسه منهجا خاصا يميزه ويمنح منجزه الإبداعي فرادته.
وتكاد فلسفة التأمل تطغى على مجمل الرواية على حساب السرد، فإن هذا الطغيان الفلسفي يسهم في ترسيخ ركائز العمل وتعميق أبعاده ودلالاته. فهي حكاية شعب بأكمله اقتُلع من أرضه وهُجّر قسرا، لكنه ظل محتفظا بكنزه الثمين.
شعب بأكمله ظل محتفظا بتفاصيله، أي بذاكرته؛ شعب من الرواة تنوعت لديهم طرائق السرد وأساليبه وألوانه وتقنياته الفطرية، في واقعية سحرية نادرا ما نجد لها نظيرا لدى الأمم. فالمرآة لا تكذب؛ إنها الكنز الثمين، إنها الذاكرة. تشققاتها تشبه ندوب القلب، تلك الندوب التي تروي حكاية الألم وتشهد في الوقت ذاته على الصمود.
وتغدو المرآة المعادل الموضوعي للوجود في الرواية، وللحياة بكل تجاعيدها وتصدعاتها التي قد تشوه الصورة، لكنها في المقابل تحفظ الذاكرة. فـ"كل شق يشبه نهرا صغيرا على خريطة وطن مفقود، يجري فيه دم الذكريات بدل الماء، وكل تجعيدة أو خط زمني يشير إلى زلزال عاطفي أو هزة وجودية".
ولو نطقت هذه المرآة، لروت تاريخا من الدموع والضحكات الصامتة، ولحفرت في وجه العالم تجاعيد تشبه خريطة طرقات المخيم وأحياء المدينة.
كانت شجرة الزيتون المباركة شاهدا على حياة الأجيال، بجذورها الأعمق من كل الجراح، وساعة بيولوجية تقيس الزمن بالأجيال والذاكرة لا بالسنين والأيام.
ويقول موسى إن هذه الرواية في جوهرها: فلسفة الوجود، فلسفة المقاومة بكل أشكالها وتنويعاتها، الصمود، البناء بعد الهدم، السكن بعد تدمير البيوت وأطياف التشرد، بعد اللجوء والنزوح، فلسفة الزراعة والتعليم، فلسفة الذاكرة، الأسطورة في فلسطين.
وفي متشققات المرآة تسكن الذاكرة، بينما تدلّت الغيوم كشراشف حداد على المدينة ومخيمها، وغابت عصافير الشمس التي كانت توقظ الصباح بأغانيها. الحجارة تتذكر أكثر مما تنسى، والجدران اختزنت في مسامها همسات ثمانية عقود، فيما تحبس شوارع المخيم أنفاسها.
هنا تُشفَّر معادلة الصمود في الجينات، وتنتقل من جيل إلى آخر. رائحة التراب بعد المطر، ورائحة خبز الطابون والزيتون، ليست مجرد روائح، بل نص وجودي في الانتماء، لا تستطيع دبابة محوه ولا قنبلة تفتيته. فالقوة هنا لا تكمن في الانتصار، بل في المقاومة ذاتها، في مجرد الوجود.
وتفيض رواية قبها بفلسفة الذاكرة والمقاومة والوجود، بوصفها من أبلغ التعبيرات عن الإنسان الفلسطيني.
وخلص موسى إلى أن "الرواية كامنة في العنوان؛ فما أكثر الأجنة في جنين مما تُحصون".
وفي ختام الرواية، يقول الروائي إن "جنين في جنين"، تجسد قصيدة وجودية عن إنسان يرفض أن يكون رقما في سجل التاريخ، ويصر على أن يكون قصيدة حب في زمن الكراهية، وضياء في عتمة الظلام. إنها رواية-مدرسة تُدرِّس أقسى الدروس: أن الإنسانية لا تُختبر في أوقات الرخاء، بل في لحظات الانهيار؛ وأن التربية الحقة هي التي تصوغ من ألم الطفل إنسانا صلبا لا ينكسر، ومن حزن المرأة طاقة عطاء، ومن دمار الوطن وطنا أوسع يحمله الإنسان في قلبه أينما ارتحل.هنا يتحول الصمود إلى فلسفة للعيش، والذاكرة إلى منهج للتعلم، والحب إلى مشروع تربوي يقاوم محاولات نزع الإنسان من إنسانيته.