الغد
أوري بار-يوسف* - (هآرتس بالعربي) 2026/1/25
كيف حدث أنه حتى داخل هذه المجموعة الواسعة من المشاركين في ضرب المدنيين، التي نشأ معظم أبنائها وبناتها في عائلات ميسورة وتلقّوا تعليمًا علمانيًا ليبراليًا، لم ينهض -بحسب ما هو معروف- حتى ولو شخص واحد يقول: "إلى هنا يكفي"، ويرفض تنفيذ الأوامر؟
في مقال نشره مؤخرًا في "هآرتس"، وضع ياجيل ليفي إصبعه على واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في حرب السابع من تشرين الأول (أكتوبر): خطاب الانتقام بوصفه دافعًا لإيذاء المدنيين في غزة. وتناول ليفي في مقاله قوات المشاة، وعرض دافعَين رئيسيين في هذا الخطاب: المعنى اللاهوتي للتيار الحريدي-القومي؛ و"الحق" في التفاخر باستخدام قوة غير مقيّدة لدى من يسميهم "مقاتلي الياقات الزرقاء".
ولكن، كانت هناك على أرض الواقع مجموعة ثالثة، كبيرة ومحورية، مارست مستوى من العنف غير المسبوق في تاريخ حروب إسرائيل، وهي المسؤولة عن معظم الخسائر المدنية في الحرب. إنها وحدات النخبة من الرجال والنساء، ولا سيما في الاستخبارات والعمليات وسلاح الجو. أما ما إذا كانوا قد تأثروا، وكيف تأثروا بخطاب الانتقام، فما يزال من المبكر الحسم فيه. لكن من الواضح أن هذه المجموعة أظهرت طوال الحرب درجة عالية من الامتثال والانضباط الجماعي -غير مسبوقة في تاريخ الجيش الإسرائيلي، وبالتأكيد في تاريخ سلاح الجو.
لإعادة الأمور إلى حجمها الصحيح، يجدر التذكير بحادثتين من الماضي. في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 1973، أحد أصعب أيام "حرب تشرين"، قرر وزير الدفاع موشيه ديان ورئيس الأركان دافيد إليعازر تركيز معظم الموارد لحسم المعركة في هضبة الجولان. وكان العنصر الدراماتيكي في خطة الحسم هو قصف أهداف عسكرية مركزية في دمشق. ووافقت رئيسة الحكومة غولدا مئير، التي خشيت من إصابة المدنيين، على الخطة فقط بعد ضغوط كبيرة. ولكن ما إن أُبلغت بأن مدنيين قد تضرروا، حتى فرضت "فيتو" على أي هجمات مشابهة لاحقًا.
وفي حرب لبنان الأولى، نشأ قلق حقيقي عقب حادثتين وقعتا في اليوم نفسه أفضتا إلى إصابة مدنيين وحدوث دمار غير ضروري نتيجة ضربات سلاح الجو. وكان لذلك أثر مباشر على استعداد أطقم الطيران لمواصلة مهاجمة أهداف مشابهة. وعندما بلغ الأمر قائد سلاح الجو آنذاك، دافيد عبري، أصدر تعليماته بأنه في أي حالة يخشى فيها الطيارون وقوع إصابة كبيرة في صفوف المدنيين، عليهم التوجّه إليه مباشرة، وهو -وليس هم- الذي يتخذ القرار.
لم تكن الأمور كذلك في هذه الحرب. فقد قتل حتى اليوم في غزة نحو سبعين ألف إنسان وأصيب قرابة مائة وسبعين ألفًا. والغالبية العظمى منهم مدنيون، والغالبية الساحقة سقطت بفعل الهجمات الجوية.
وجدت تحقيقات أُجريت في الأشهر الأولى من الحرب أن عملية اتخاذ القرار بشأن أهداف القصف استندت إلى أنظمة ذكاء اصطناعي حدّدت أشخاصًا بوصفهم أهدافًا للتصفية، ومباني بوصفها أهدافًا للتدمير، و"فُرصًا" لتنفيذ الضربات. وكانت المصادقة النهائية على إدراج الهدف بيد ضباط الاستخبارات، لكن من الواضح أن الإجراء كان شبه آلي، ويُنجَز في معظم الأحيان خلال ثوانٍ معدودة. ويحدث ذلك حتى عندما لم تكن المعطيات التي أنتجتها الأنظمة تؤكّد صحة تحديد الهدف، وحتى حين قدّر حساب "الضرر الجانبي" سقوط عشرة أو خمسة عشر، وأحيانًا مائة مدني بريء.
من الصعب معرفة عدد العسكريين الذين شاركوا في هذه السلسلة: من تطوير وتشغيل الأنظمة التي استقبلت البيانات وأنتجت الأهداف، مرورًا بمن صادقوا على قصفها، وصولًا إلى الذين ضغطوا على الزناد. لكننا نتحدث -حتى وفق تقدير متحفظ- عن مئات كثيرة من الأشخاص الذين أسهموا، بشكل أو بآخر، في إلحاق الأذى بعشرات الآلاف من الأبرياء، وفي إحداث دمار مدني غير مسبوق.
وهنا يبرز السؤال الذي لن تحاول أي لجنة تحقيق، رسمية كانت أم غير رسمية، الاقتراب منه: كيف حدث أنه حتى داخل هذه المجموعة الواسعة، التي نشأ معظم أبنائها وبناتها في عائلات ميسورة وتلقّوا تعليمًا علمانيًا ليبراليًا، لم ينهض -بحسب ما هو معروف- حتى ولو شخص واحد يقول: إلى هنا يكفي، ويرفض تنفيذ الأوامر؟ لا يمكن الادعاء بأنهم لم يكونوا يعلمون. صحيح أن معظم الإعلام الإسرائيلي فرض رقابة طوعية على المأساة المستمرة، ولكن كان بوسع أي شخص متابعة شاشات القنوات الأجنبية وفهم ما يجري في غزة. وفي حالات نادرة، مثل قصة محمد أبو القمصان الذي خرج لاستخراج شهادات ميلاد لتوأميه اللذين أنجبتهما زوجته قبل أربعة أيام، ثم عاد ليجدهم جميعًا قد قُتلوا في غارة جوية -حتى موقع "واي-نِت" نشر الخبر.
للطاعة الجماعية تفسيرات عديدة، وتشكل مجزرة السابع من تشرين الأول (أكتوبر) وخطاب الانتقام الذي أعقبها نقطة انطلاق معقولة. ولكن بالنظر إلى الخلفية الاجتماعية والثقافية للمجموعة التي شغّلت هذه المنظومة، فإن هذا التفسير وحده لا يكفي. كانت بعض الأسباب بيئية: غياب الاحتكاك الجسدي المباشر مع الهدف؛ وتوزيع المسؤولية بين أطراف كثيرة بما يطمس الإحساس بالمسؤولية الفردية؛ والميل إلى الاتكاء على الوسائل التكنولوجية بدل المواجهة الأخلاقية؛ ولغة مهنية باردة تُحيّد إحساس الضمير. وتتعلق أسباب أخرى بنظام التعليم الذي لا يشجّع طرح الأسئلة الصعبة، وبالاحتلال المستمر الذي يطمس رؤية الفلسطينيين كبشر، وبالطريقة التي نقل بها الإعلام الحرب إلى الجمهور. وفوق ذلك، هناك عناصر في الثقافة المعاصرة عمومًا، وفي الثقافة الإسرائيلية خصوصًا، تجعل النزوع إلى الامتثال والطاعة أكثر هيمنة.
لكنّ كل هذا لا يكفي. بعد حرب حزيران (يونيو) التي اعتُبرت حربًا مبرّرة وحافظ الجيش في معظمها على ما سُمّي "أخلاق القتال"، ظهر ما عُرف بـ"خطاب المقاتلين". أمّا اليوم فالصمت هو السائد.
لا شك في أن الفراغ الأخلاقي الذي خلّفته هذه الحرب المروّعة يتطلّب إجابات. وقد حان الوقت للبدء في الحديث عن ذلك.
*أوري بار-يوسف: أستاذ فخري للعلاقات الدولية في جامعة حيفا.