الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ستيفن إم. وولت* - (فورين أفيرز) 3/2/2026
منذ أن تولّى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة للمرة الأولى في العام 2017، سعى المعلّقون والباحثون إلى إيجاد توصيف دقيق لنهجه في إدارة العلاقات الخارجية الأميركية. في مقال نُشر على صفحات هذه المجلة في العام 2018، اقترح عالم السياسة، باري بوزن، أنه يمكن وصف الاستراتيجية الكبرى لترامب بـ"الهيمنة غير الليبرالية". ورأى المحلل أورِن كاس، في الخريف الماضي، أن جوهر هذه الاستراتيجية يتمثّل في المطالبة بـ"المعاملة بالمثل". كما وُصف ترامب بأوصاف متنوعة: بأنه واقعي؛ قومي؛ وتاجر على الطريقة القديمة (ميركنتِيلي، أو تجاراتي)؛ وإمبريالي؛ وانعزالي. وتلتقط كل واحدة من هذه التسميات جانبًا من مقاربته، لكنّ الاستراتيجية الكبرى لولايته الرئاسية الثانية يمكن وصفها بأفضل وجه، على الأرجح، بأنها "هيمنة افتراسية".
الهدف الجوهري لهذه الاستراتيجية هو استغلال الموقع المميّز الذي تحتله واشنطن لانتزاع التنازلات، والجزية، ومظاهر الخضوع من الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، سعيًا وراء مكاسب قصيرة الأمد في عالم يُنظر إليه بوصفه ساحة بمحصلة صِفرية محضة؛ حيث ربح طرف يعني بالضرورة خسارة طرف آخر.
بالنظر إلى ما تملكه الولايات المتحدة من أصول كبيرة ومزايا جغرافية مهمّة، قد تنجح الهيمنة الافتراسية لفترة من الزمن. لكنها ستكون، على المدى الطويل، محكومة بالفشل. إنها غير ملائمة لعالم يضم عدة قوى كبرى متنافسة -خاصة في ظل وجود الصين كندّ اقتصادي وعسكري، لأن التعددية القطبية تتيح للدول الأخرى سبلًا متعددة لتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة. وإذا استمرت الهيمنة الافتراسية في تحديد ملامح الاستراتيجية الأميركية في السنوات المقبلة، فإنها ستُضعف الولايات المتحدة وحلفاءها معًا، وستولّد استياءً عالميًا متزايدًا، وتخلق فرصًا مغرية لمنافسي واشنطن الرئيسيين. كما أنها ستترك الأميركيين أقل أمنًا، وأدنى ازدهارًا، وأضعف نفوذًا.
المفترس الأعلى (المهيمن)
على مدى الأعوام الثمانين الماضية، انتقلت البنية العامة للقوة في العالم من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية، وصولًا إلى التعددية القطبية المختلّة التي نعيشها اليوم. وقد تحوّلت الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة تبعًا لهذه التحولات. في العالم ثنائي القطبية خلال حقبة "الحرب الباردة"، تصرّفت الولايات المتحدة باعتبارها قوة مهيمنة "خَيّرة" تجاه حلفائها المقرّبين في أوروبا وآسيا، لأن القادة الأميركيين اعتقدوا أن رفاه هؤلاء الحلفاء هو شرط أساسي لاحتواء الاتحاد السوفياتي. وقد استخدموا التفوق الأميركي في المجالين الاقتصادي والعسكري بيد طليقة، ولجأوا أحيانًا إلى استخدام أساليب ضغط قاسية مع شركاء رئيسيين، كما فعل الرئيس دوايت أيزنهاور حين هاجمت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر في العام 1956؛ أو كما فعل الرئيس ريتشارد نيكسون عندما فكّ ارتباط الولايات المتحدة بـ"معيار الذهب" في العام 1971.
لكن واشنطن ساعدت، في الوقت نفسه، حلفاءها على التعافي الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية؛ وأنشأت -والتزمت إلى حدّ كبير- بقواعد هدفت إلى تعزيز الازدهار المتبادل؛ وتعاونت مع الآخرين لإدارة أزمات العملات وغيرها من الاضطرابات الاقتصادية؛ ومنحت الدول الأضعف مقعدًا على الطاولة وصوتًا في القرارات الجماعية. كان المسؤولون الأميركيون يقودون، لكنهم كانوا أيضًا يُصغون، ونادرًا ما حاولوا إضعاف شركائهم أو استغلالهم.
خلال حقبة الأحادية القطبية، استسلمت الولايات المتحدة للغرور والغطرسة، وتحولت إلى قوة مهيمنة مهمِلة ومتعسّفة إلى حدّ كبير. في ظل غياب خصوم أقوياء، واقتناعهم بأن معظم الدول متحمسة لتقبّل القيادة الأميركية واعتناق قيمها الليبرالية، أولى المسؤولون الأميركيون اهتمامًا ضئيلًا لمخاوف الدول الأخرى؛ وانخرطوا في حملات غزو عسكرية مكلفة ومضللة في أفغانستان والعراق وعدة بلدان أخرى؛ واعتمدوا سياسات تصادمية دفعت الصين وروسيا إلى التقارب؛ وضغطوا من أجل فتح الأسواق العالمية بطرق سرّعت صعود الصين، وزادت من عدم الاستقرار المالي العالمي، وأفضت في نهاية المطاف إلى رد فعل داخلي ساعد على إيصال ترامب إلى البيت الأبيض.
صحيح أن واشنطن سعت خلال تلك الفترة إلى عزل عدد من الأنظمة المعادية ومعاقبتها وتقويضها، وتجاهلت أحيانًا مخاوف أمنية لدول أخرى. لكنّ المسؤولين، ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء، كانوا يعتقدون أن توظيف القوة الأميركية لبناء نظام عالمي ليبرالي سيعود بالنفع على الولايات المتحدة والعالم معًا، وأن أي معارضة جدّية ستبقى محصورة في عدد محدود من "الدول المارقة" الصغيرة. ولم يكونوا يترددون في استخدام ما بحوزتهم من قوة لإجبار حكومات أخرى أو استمالتها -أو حتى إسقاطها. لكن نزعتهم العدائية كانت موجّهة نحو خصوم مميزين باعتبارهم كذلك، وليس نحو شركاء الولايات المتحدة.
أمّا في عهد ترامب، فقد تحولت الولايات المتحدة إلى قوة مهيمنة افتراسية. ولا تشكل هذه الاستراتيجية استجابةً متماسكة أو مدروسة لعودة التعددية القطبية؛ بل إنها، في الواقع، الأسلوب الخاطئ تمامًا للتصرّف في عالم يضم عدة قوى كبرى. وهي، بالأحرى، انعكاس مباشر لمقاربة ترامب التبادلية في جميع العلاقات، ولقناعته بأن الولايات المتحدة تمتلك نفوذًا هائلًا ودائمًا بشكل شبه مطلق تجاه معظم دول العالم. في نيسان (أبريل) 2025، قال ترامب إن الولايات المتحدة تشبه "متجرًا كبيرًا جميلًا"، وإن "الجميع يريد قطعة من هذا المتجر". أو كما قال في تصريح نقلته عنه المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، من أن المستهلك الأميركي هو "ما تريده كل دولة مما نملكه"، مضيفًا: "بعبارة أخرى، إنهم بحاجة إلى أموالنا".
خلال ولاية ترامب الأولى، تمكّن مستشارون أكثر خبرة ومعرفة، مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الخزانة ستيفن منوتشين، ورئيس موظفي البيت الأبيض جون كيلي، ومستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر، من كبح نزعاته الافتراسية. لكن العنان أُطلِق بالكامل في ولايته الثانية لرغبته في استغلال مواطن ضعف الدول الأخرى، مدعومةً بفريق من المساعدين المعيّنين الذين جرى اختيارهم على أساس ولائهم الشخصي، وبثقة ترامب المتزايدة -ولو أنها في غير محلّها- في فهمه الخاص لشؤون العالم.
الهيمنة والخضوع
الهيمنة الافتراسية هي نمط تمارسه قوة عظمى مهيمنة تسعى إلى تنظيم تعاملاتها مع الآخرين وفق منطق صفري خالص، بحيث تُوزَّع المكاسب دائمًا لمصلحتها هي. ولا يتعلق الهدف الأساسي للهيمنة الافتراسية ببناء علاقات مستقرة ومتبادلة المنفعة تخرج منها جميع الأطراف في حال أفضل. إنه يتعلق بضمان أن يحصد المهيمن من كل تفاعل مكاسب أكبر مما يحصده الآخرون. وسيكون الترتيب الذي يخرج فيه المهيمن رابحًا بينما يتضرر شركاؤه أفضل، في نظره، من ترتيب يحقق فيه الطرفان مكاسب، لكن الشريك ينال حصة أكبر، حتى لو كانت المكاسب المطلقة في الحالة الأخيرة أعلى لكلا الجانبين. وبذلك، يطمح المهيمن الافتراسي دائمًا إلى نيل نصيب الأسد.
بطبيعة الحال، تمارس جميع القوى الكبرى أفعالًا افتراسية بدرجات متفاوتة، وتسعى دائمًا إلى تحقيق أفضلية نسبية. وعند التعامل مع الخصوم، تحاول كل الدول انتزاع الجانب الأفضل في أي صفقة. لكنّ ما يميّز الهيمنة الافتراسية عن السلوك التقليدي للقوى الكبرى هو استعداد الدولة لانتزاع تنازلات ومنافع غير متكافئة من الحلفاء والخصوم على حد سواء. ولا يفرض المهيمن الحميد أعباءً غير عادلة على حلفائه إلا عند الضرورة، لأنه يعتقد أن أمنه وازدهاره يتعززان حين يزدهر شركاؤه. وتدرك هذه الهيمنة الحميدة قيمة القواعد والمؤسسات التي تيسّر التعاون المفيد للطرفين بشكل متبادل، والتي ينظر إليها الآخرون على أنه شرعية، وتتمتع بالاستمرارية الكافية التي تتيح للدول أن تفترض بأمان أن هذه القواعد لن تتغير كثيرًا أو من دون سابق إنذار. كما ترحّب الهيمنة الخيّرة بشراكات ذات محصلة إيجابية مع دول تتقاسم معها مصالح متقاربة، مثل كبح جماح خصم مشترك، وقد تسمح أحيانًا للآخرين بتحقيق مكاسب غير متناسبة إذا كان ذلك سيجعل جميع المشاركين في وضع أفضل. بعبارة أخرى، لا تسعى الهيمنة الحميدة إلى تعزيز موقعها القوي فحسب، بل تسعى أيضًا إلى تحقيق ما سمّاه الاقتصادي أرنولد وولفرز بـ"أهداف البيئة المحيطة" -أي تشكيل المناخ الدولي بطرق تقلل الحاجة إلى الاستخدام العاري والمباشر للقوة.
على النقيض من ذلك، تميل الهيمنة الافتراسية إلى استغلال شركائها بقدر ما تستغل خصومها. وقد تلجأ إلى فرض الحظر، والعقوبات المالية، وسياسات التجارة القائمة على مبدأ إفقار الجار، والتلاعب بالعملات، وغير ذلك من أدوات الضغط الاقتصادي، لإجبار الآخرين على قبول شروط تبادل تصب في مصلحة اقتصادها، أو لدفعهم إلى تعديل سلوكهم في قضايا غير اقتصادية تهمّها. كما تربط توفير الحماية العسكرية بتحقيق مطالبها الاقتصادية، وتتوقع من شركائها في التحالفات دعم مبادراتها الأوسع في السياسة الخارجية. وتقبل الدول الأضعف بهذه الضغوط القسرية إذا كانت تعتمد بشكل كبير على الوصول إلى السوق الأوسع للمُهيمن، أو إذا كانت تواجه تهديدات أشد من دول أخرى، بما يضطرها إلى الاتكال على حماية المهيمن -حتى وإن جاءت هذه الحماية مقرونة بشروط.
لأن القوة القسرية للهيمنة الافتراسية تقوم على إبقاء الدول الأخرى في حالة خضوع دائم، فإن قادتها يتوقعون من الدول الواقعة ضمن فلكها أن تُقِرّ بمكانتها التابعة وأن تعبر عن ذلك بأفعال متكررة -غالبًا ما تكون رمزية- من إظهار الخضوع. وقد يُنتظر من هذه الدول دفع جزية رسمية، أو يُطلب منها أن تُقرّ علنًا بفضائل المهيمن وتمتدحه. وتؤدي هذه الطقوس التعبيرية للخنوع إلى تثبيط المعارضة من خلال الإيحاء بأن المهيمن قوي إلى حد يستحيل معه مقاومته، ومن خلال تصويره على أنه أكثر حكمة من تابعيه، وبالتالي أحقّ منهم في أن يملي عليهم ما يشاء.
ليست الهيمنة الافتراسية ظاهرة جديدة. فقد شكّلت أساس علاقة أثينا بـ"المدن-الدول" الأضعف ضمن إمبراطوريتها، وهي سيطرة وصفها بريكليس نفسه -وهو أبرز زعماء أثينا في عصره- بأنها "طغيان". كما قام النظام الصيني-المركزي في شرق آسيا قبل الحداثة على علاقات تبعية مشابهة، شملت إلزام الآخرين بدفع الجزية والخضوع الطقوسي، ولو أن الباحثين يختلفون حول ما إذا كان هذا النظام ظل استغلاليًا على الدوام. وكان السعي إلى استخلاص الثروة من الممتلكات الاستعمارية عنصرًا محوريًا في الإمبراطوريات البلجيكية والبريطانية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية، كما أثّرت دوافع مماثلة في العلاقات الاقتصادية الأحادية التي أقامتها ألمانيا النازية مع شركائها التجاريين في وسط وشرق أوروبا، وفي علاقات الاتحاد السوفياتي مع حلفائه في "حلف وارسو". وعلى الرغم من اختلاف هذه الحالات في جوانب مهمة، فإن القاسم المشترك بينها جميعًا هو سعي قوة مهيمنة إلى استغلال شركائها الأضعف لتأمين منافع غير متكافئة لنفسها، حتى لو لم تنجح مساعيها دائمًا، وحتى لو كانت بعض الدول التابعة تتطلب قدرًا من تكاليف أكبر مما توفّره من ثروة أو جزية من حيث الاستحواذ عليها أو الدفاع عنها.
باختصار، ينظُر المهيمن الافتراسي إلى جميع العلاقات الثنائية على أنها بطبيعتها علاقات محصلتها صفر، ويسعى إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب من كل علاقة. ويكون الشعار الناظم لهذا المهيمن هو: "ما هو لي هو لي، وما هو لك قابل للتفاوض". وفي هذا الإطار المعاملاتي، لا تتمتع الاتفاقات القائمة بأي قيمة أو شرعية ذاتية، وسيجري التخلي عنها أو تجاهلها إذا لم تُنتج منافع غير متكافئة كافية. وبطبيعة الحال، قد تفشل بعض المحاولات الافتراسية، حيث ثمة حدود لما يمكن حتى لأقوى الدول أن تنتزعه من غيرها. لكنّ الهدف الغالب للمهيمن الافتراسي يظل دفع تلك الحدود إلى أقصى مدى ممكن.
رفع سقف الرهانات
تتجلّى الطبيعة الافتراسية لسياسة ترامب الخارجية بأوضح صورها في هوسه بعجوزات الميزان التجاري، وفي محاولاته استخدام الرسوم الجمركية لإعادة توزيع المكاسب الاقتصادية لمصلحة واشنطن. وقد كرر مرارًا وتكرارًا أن العجوزات التجارية هي "عملية نهب" و"سلب"؛ من وجهة نظره، تكون الدول التي تحقق فوائض هي "الرابحة" لأنها تتلقى من الولايات المتحدة أكثر مما تدفعه لواشنطن. وعلى أساس هذا الفهم، قام ترامب إما بفرض رسوم جمركية على تلك الدول بزعم حماية المصنِّعين الأميركيين عن طريق جعل السلع الأجنبية أكثر كلفة (مع أن كلفة الرسوم تقع في معظمها على كاهل الأميركيين الذين يشترون السلع المستوردة)، أو بالتهديد بفرضها لإجبار الحكومات والشركات الأجنبية على الاستثمار في الولايات المتحدة مقابل تخفيف تلك الرسوم.
كما استخدم ترامب الرسوم الجمركية لإرغام الآخرين على تعديل سياسات غير اقتصادية يعارضها. في تموز (يوليو) الماضي، فرض تعرفة جمركية بنسبة 40 في المائة على البرازيل في محاولة فاشلة للضغط على حكومتها لإصدار عفو عن الرئيس السابق جايير بولسونارو، حليف ترامب. (وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، قام بإلغاء بعض تلك الرسوم التي كانت قد أسهمت في ارتفاع أسعار الغذاء للمستهلكين الأميركيين). كما برّر ترامب رفع الرسوم على كندا والمكسيك بالقول إنهما لا تفعلان ما يكفي لوقف تهريب "الفنتانيل". وفي تشرين الأول (أكتوبر)، هدّد كولومبيا بفرض رسوم أعلى عليها بعد أن انتقد رئيسُها الضربات المثيرة للجدل التي نفذتها البحرية الأميركية ضد أكثر من عشرين قاربًا في البحر الكاريبي، والتي قالت إدارة ترامب إنها استهدفتها بسبب تهريب المخدرات غير المشروعة.
ولا يتردد ترامب في إكراه حلفاء الولايات المتحدة التقليديين بقدر ما يفعل مع خصومها المعلنين. كما أن الطابع المتقلب والمتناوب لتهديداته يؤكد رغبته في انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات. ويعتقد ترامب أن عدم قدرة الآخرين على التنبؤ بتصرفاته هو أداة تفاوضية قوية، وأن مجموعة تهديداته ومطالبه دائمة التبدُّل تهدف إلى دفع الآخرين إلى البحث الدائم عن سبل جديدة لاسترضائه. ولا يرتِّب التهديد بفرض رسوم جمركية على واشنطن كلفةً تُذكر إذا رضخ الطرف المستهدف سريعًا. أما إذا صمد الهدف أو ارتبكت الأسواق، فيمكن لترامب تأجيل التنفيذ، ببساطة. كما يُبقي هذا الأسلوب الأضواء مسلطة على ترامب نفسه، ويساعد الإدارة على تصوير أي اتفاق لاحق بوصفه "نصرًا" بصرف النظر عن شروطه الدقيقة، ويخلق فرصًا واضحة للفساد تصب في مصلحة ترامب ودائرته الضيقة.
لتعظيم النفوذ الأميركي، ربط ترامب مرارًا مطالبه الاقتصادية باعتماد الحلفاء على الدعم العسكري الأميركي؛ وفعل ذلك بشكل سياسي من خلال إثارة الشكوك حول ما إذا كان سيلتزم بتعهدات التحالف. وعلى سبيل المثال، أصرّ ترامب على أن يدفع الحلفاء ثمن "الحماية" الأميركية، ولوّح بإمكانية انسحاب الولايات المتحدة من "حلف شمال الأطلسي"، أو الامتناع عن الدفاع عن تايوان، أو التخلي عن أوكرانيا كليًا. ولم يكن هدفه من ذلك جعل الشراكات الأميركية أكثر فاعلية عن طريق دفع الحلفاء إلى بذل مزيد من الجهد للدفاع عن أنفسهم، حيث الرفع الحاد لمستويات الرسوم سيُلحق الضرر باقتصادات الشركاء ويجعل من الصعب عليهم تلبية أهداف أعلى للإنفاق الدفاعي. بل استخدم ترامب التهديد بالانسحاب الأميركي لانتزاع تنازلات اقتصادية. وقد حققت هذه الاستراتيجية بعض المكاسب قصيرة الأجل -على الأقل على الورق. في تموز (يوليو)، قبل قادة الاتحاد الأوروبي صفقة تجارية أحادية الجانب أملاً في إقناع ترامب بمواصلة دعم أوكرانيا، كما حصلت اليابان وكوريا الجنوبية على خفض في مستويات الرسوم الجمركية، في اتفاقين وُقِّعا في تموز (يوليو) وتشرين الثاني (نوفمبر) على التوالي، مقابل تعهدهما بالاستثمار في الاقتصاد الأميركي. وسعت أستراليا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان وأوكرانيا جميعًا إلى تأمين استمرار الدعم الأميركي عن طريق عرض إتاحة وصول الولايات المتحدة، أو تمكينها من الملكية الجزئية، لموارد من المعادن الحيوية الواقعة ضمن أراضيها.
يفضّل المهيمن الافتراسي عالمًا يكون فيه -وفق العبارة الشهيرة لثوسيديديس- "الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما لا بدّ أن يعانوه". ولذلك، تكون مثل هذه الدولة المهيمنة متحفّظة بشأن الأعراف أو القواعد أو المؤسسات التي قد تقيّد قدرتها على استغلال الآخرين. وليس من المستغرب، والحالة هذه، أن لا يعير ترامب اهتمامًا يُذكر للأمم المتحدة؛ وكان مستعدًا دائمًا لتمزيق الاتفاقات التي تفاوَض عليها أسلافه، مثل "اتفاق باريس للمناخ" و"الاتفاق النووي الإيراني"؛ بل إنه تراجع حتى عن اتفاقات كان قد فاوض عليها هو نفسه. وهو يفضّل إجراء المفاوضات التجارية على أساس ثنائي بدلًا من التعامل مع مؤسسات مثل "الاتحاد الأوروبي" أو "منظمة التجارة العالمية" القائمة على القواعد، لأن التفاوض المباشر مع كل دولة على حدة يعزّز النفوذ الأميركي بصورة أكبر.
كما فرض ترامب أيضًا عقوبات على كبار مسؤولي "المحكمة الجنائية الدولية"، وشنّ هجومًا عنيفًا على نظام لتسعير الانبعاثات كانت قد طوّرته "المنظمة البحرية الدولية". وكان مقترح المنظمة يهدف إلى إبطاء تغيّر المناخ من خلال تشجيع شركات الشحن على استخدام وقود أنظف. لكنّ ترامب ندد بالمقترح واصفًا إياه بأنه "خدعة"، وعمل عمدًا على تخريبه. وبعد أن هدّدت إدارته بفرض رسوم جمركية وعقوبات وإجراءات أخرى ضد من يدعمون هذا الإجراء، تم تأجيل التصويت على إقراره الرسمي لمدة عام. وقال أحد مندوبي "المنظمة البحرية الدولية" في تشرين الأول (أكتوبر) إن الوفد الأميركي كان "يتصرّف كالعصابات"، مضيفًا: "لم أسمع قط شيئًا كهذا في اجتماع للمنظمة البحرية الدولية".
لن يكتمل أي نقاش حول الهيمنة الافتراسية لواشنطن من دون التطرق إلى اهتمام ترامب المُعلن بأراضٍ تعود لدول أخرى، واستعداده للتدخل في السياسات الداخلية لدول أجنبية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. وتشكل رغبته التي يعبر عنها بشكل متكرر في ضمّ غرينلاند، وتهديداته بفرض رسوم جمركية عقابية على الدول الأوروبية التي تعارض هذا الإجراء، المثال الأوضح على هذا النزوع. وكما حذّرت الاستخبارات العسكرية الدنماركية في تقييمها السنوي للتهديدات، الصادر في كانون الأول (ديسمبر)، فإن "الولايات المتحدة تستخدم القوة الاقتصادية، بما في ذلك التهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة، لفرض إرادتها. ولم تعد تستبعد استخدام القوة العسكرية، حتى ضد الحلفاء".
كما توحي تأملات ترامب بشأن جعل كندا الولاية الحادية والخمسين، أو إعادة احتلال منطقة قناة بنما، بدرجة مماثلة من الجشع والانتهازية الجيوسياسية. ويكشف قراره اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو -وهو عمل وضع سابقة خطيرة قد تحتذي بها قوى عظمى أخرى- عن استخفاف المهيمِن الافتراسي بالأعراف القائمة واستعداده لاستغلال نقاط ضعف الآخرين. ويمتد هذا النزوع الافتراسي حتى إلى الشؤون الثقافية نفسها. فقد أعلنت استراتيجية الأمن القومي للإدارة الأميركية أن أوروبا تواجه "طمسًا حضاريًا"، وأن سياسة الولايات المتحدة تجاه القارة ينبغي أن تشمل "تنمية المقاومة للمسار الحالي الذي تتخذه أوروبا داخل الدول الأوروبية نفسها". بعبارات أخرى، سيتم الضغط على الدول الأوروبية لإجبارها على تبنّي التزام إدارة ترامب بقومية "الدم والتراب"، وعدائها للثقافات أو الأديان غير البيضاء وغير المسيحية. بالنسبة للمهيمن الافتراسي، ليس ثمة موضوع خارج نطاق الاستهداف.
احتجاج على رسوم ترامب الجمركية أمام السفارة الأميركية في برازيليا، آب (أغسطس) 2025 - (المصدر)
بالإضافة إلى ما سبق، يستخدم ترامب الموقع الدولي المميَّز للولايات المتحدة لتحقيق منافع شخصية له ولعائلته. وعلى سبيل المثال، قدّمت له دولة قطر طائرةً كهدية، والتي ستكلف إعادة تجهيزها دافعي الضرائب الأميركيين مئات ملايين الدولارات، وقد ينتهي بها المطاف في مكتبته الرئاسية بعد مغادرته المنصب. كما وقّعت "منظمة ترامب" صفقات تطوير فنادق بملايين الدولارات مع حكومات تسعى إلى استرضاء الإدارة، في حين اشترت شخصيات نافذة في دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها رموزًا رقمية بقيمة مليارات الدولارات أصدرتها شركة العملات المشفّرة التابعة لترامب، "وورلد ليبرتي فايننشال". حدث ذلك في الوقت نفسه تقريبًا الذي حصلت فيه الإمارات على وصول خاص إلى رقائق إلكترونية متقدّمة تخضع عادةً لقيود تصدير أميركية صارمة. ولم يسبق لأي رئيس في التاريخ الأميركي أن نجح في تحويل الرئاسة إلى نقود وأرباح إلى هذا الحد، أو فعل ذلك بتجاهل صارخ بهذا القدر لاحتمالات تضارب المصالح. (يُتبع)
*ستيفن إم. وولت Stephen M. Walt: أستاذ روبرت ورينيه بيلفر للشؤون الدولية في كلية كنيدي في هارفارد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Predatory Hegemon: How Trump Wields American Power