الغد
شون أوغرايدي* - (الإندبندنت) 2026/1/10
تعكس مساعي الرئيس الأميركي للاستحواذ على غرينلاند منطق ابتزاز وتوسع قسري لا يختلف كثيراً عن أساليب الترهيب المافيوية، إذ تُستخدم ورقة التهديد بانهيار حلف الناتو لتخويف أوروبا ودفعها إلى إبرام صفقة مربحة، في اختزال للسياسة الخارجية إلى معاملة عقارية. ولا يهدد هذا النهج وحدة الحلف وتقويض الثقة بين أعضائه فحسب، بل يضعف الحلفاء الأوروبيين ويزعزع النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة نفسها لعقود، ما يطرح سؤالاً مفتوحاً حول كيفية تصدي الحلفاء لمثل هذا الابتزاز.
من بعض النواحي، ولا أقصد أن أكون سوداوياً أو خبيثاً، فإن أفضل نتيجة كان يمكن أن يؤول إليها الهجوم الأميركي على فنزويلا هو أن يفشل. لكن حجم القوات الأميركية الهائل والأسلوب الاحترافي الشديد الذي اتبعته في التحضير لاختطاف نيكولاس مادورو وزوجته غمرا دونالد ترامب بنشوة الشعور بأنه لا يقهر.
إنه، بعبارة أخرى، أشبه بنمر مارق فتحت هذه العملية شهيته للغزو الإمبريالي الجديد كما لو كان لحماً نيئاً -إذ حصل على مكاسب هائلة على الصعيد الإقليمي والدفاعي والاقتصادي، من دون مخاطرة تذكر. لا عجب إذن في أن يقول البعض إن أميركا نفسها أصبحت أسوأ نسخة من نفسها: دولة مارقة تستخدم قوتها العسكرية التي لا نظير لها -ليس كرادع ضد إمبراطورية شريرة، بل لتحقيق أهدافها الأنانية والمتهورة وغير القانونية.
وهو ما يقودنا إلى مسألة غرينلاند. إنها إقليم شاسع لا يتجاوز عدد سكانه نحو 30 ألف بالغ، تتولى الدنمارك الدفاع عنه، وهي دولة لا تنتمي بأي حال إلى نادي القوى العظمى، فيما يبدو أن خط الدفاع الرئيس لا يعدو كونه رسالة مهذبة -لكنها حازمة- وقّع عليها قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا (والأخيرة معروفة خصوصاً بعدم رغبتها في الإنفاق على الدفاع). في هذا السياق، يتصور ترامب أنه قادر على تحقيق أكبر توسع لأراضي الولايات المتحدة منذ 250 عاماً، بالإضافة إلى الاستحواذ على جميع المعادن النادرة التي تسيطر عليها الصين حالياً، وعلى مورد استراتيجي تزداد قيمته مع تراجع الغطاء الجليدي وفتح طرق الملاحة البحرية في الشمال. فمن يدري ما الذي يقبع تحت كل هذا الجليد والثلج؟
يمكنك أن تفهم لماذا قد يميل ترامب إلى هذا الخيار، حتى لو أنه جاء على حساب زيادة في تصدع حلف شمال الأطلسي (الناتو) -أو حتى انهياره. ربما يعتقد أن الأمر يستحق هذا الثمن، وبخاصة نظراً إلى أنه كثيراً ما اعتبر الحلف عبئاً على الأميركيين، واستغلالاً إضافياً من الأوروبيين لهم. وهو لا يجد سبباً يدعو أميركا إلى الدخول في حرب مع روسيا من أجل إنقاذ إستونيا مثلاً، ويعتقد أن الولايات المتحدة لا تحتاج سوى إلى نفسها للدفاع عن أراضيها. وفي حساباته، هذه مجرد خسارة صغيرة.
في المقابل، لا يملك الأوروبيون سوى خيارات قليلة يمكنهم استخدامها للرد على ذلك. فالحرب التجارية ستلحق بهم ضرراً لا يقل عن الضرر الذي ستلحقه بالأميركيين. صحيح أنه يمكنهم بيع السندات الأميركية لزعزعة استقرار الدولار، لكن ذلك قد يؤدي إلى أزمة مالية عالمية أخرى، وهو خطر قد يطال اليابان والصين أيضاً. أو يمكنهم مقاطعة الأسلحة الأميركية، لكنهم لا يملكون أي بدائل أوروبية يمكن استخدامها عملياً. ولا يمكن اعتبار أي من هذه الخيارات مغرياً.
لا ينبغي أن ننسى أبداً أن ترامب هو في الأصل رجل عقارات. وبالنسبة له، تبدو غرينلاند مجرد قطعة أرض شاسعة خالية تنتظر أن يتم تطويرها لتصبح مشروعاً كبيراً وجميلاً لترامب، وحيث يحقق الجميع أرباحاً طائلة -تماماً مثل "صفقاته" المفترضة الأخرى في فنزويلا وأوكرانيا، أو خطة "مارا غزة" الملغاة لإنشاء ريفييرا فلسطينية، والتي كانت أميركا ستسيطر عليها أيضاً. ويمكن ملاحظة نمط واضح هنا: ثمة سياسة خارجية تُدار لأغراض تجارية، ذات طابع بلطجة واضح.
كيف سيحقق ترامب مبتغاه؟ بالطريقة نفسها التي قد يستولي بها رجل عصابات على موقع قيِّم من بائع لا يرغب في بيعه. إنه يسمع الدنمارك الصغيرة تتوسل قائلة: "غرينلاند ليست للبيع". لكن ترامب لا يقبل بالرفض. وهذا لا يعني أنه سيرسل جنوده -أو ليس في البداية على الأقل. وقد قدم عرضاً لشراء غرينلاند، تماماً كما اشترت أميركا ألاسكا، أو مثل صفقة شراء لويزيانا خلال القرن التاسع عشر. أو، في الواقع، كما حدث خلال العام 1917 عندما أقنعت واشنطن الدنمارك، مرة أخرى لأسباب تتعلق بالأمن القومي -الخوف من احتلال ألماني- ببيع جزر الهند الغربية الدنماركية، التي تعرف الآن باسم "جزر فيرجن" الأميركية، واشتهرت أخيراً بفضل إبستين. لكل شخص ثمنه، أليس كذلك؟
قد يكون حديث البيت الأبيض عن عدم استبعاد استخدام القوة العسكرية مجرد وسيلة لإقناع الدنماركيين وحلفائهم الأوروبيين بالتوصل إلى صورة من صور ترتيبات "الارتباط الحر" لغرينلاند بالولايات المتحدة، بالتزامن مع تحريض الحركة الانفصالية المحلية عبر وعود الحصول على الثروة والجنسية الأميركية التي لا تُقدر بثمن على ما يبدو. كل هذا يذكرنا بأساليب الابتزاز التي تمارسها المافيا. وتكمن الحيلة في إقناع الأوروبيين بأن حلف الناتو نفسه سينتهي إذا ما استخدمت الولايات المتحدة القوة لتحقيق مرادها في غرينلاند، وبالتالي الضغط عليهم من أجل إبرام تسوية سلمية لتجنب مثل هذه الكارثة. ومن بين الاحتمالات الأخرى إبرام اتفاقات إعادة تأجير تحمي السيادة اسمياً، كما حصل في الاتفاق الأخير بين المملكة المتحدة وموريشيوس بشأن جزر تشاغوس. والمجال مفتوح أمام الحلول المبتكرة.
لكن ترامب سيواصل ببساطة الضغط على المستأجرين المزعجين لمغادرة العقار في غرينلاند حتى يحصل على مراده. ومن الممكن استخدام العقوبات والرسوم الجمركية والتهديدات بسحب القواعد الأميركية من أوروبا، والانحياز بصورة أكثر صراحة إلى روسيا ضد أوكرانيا، وتقديم الضمانات البيئية الزائفة، كل ذلك لإجبار الدنماركيين والغرينلانديين والأوروبيين الآخرين على التنازل عن الجزيرة. وإذا فشلت كل هذه المحاولات -وبالنظر إلى أنه شخص متهور- فقد يطلب من رؤساء أركانه وضع خطة أخرى يفترض أنها رائعة للقيام بانقلاب غير دموي.
كانت أميركا تميل دائماً إلى التغاضي عن الأعراف والاتفاقات الدولية عندما يتناسب ذلك مع مصالحها. لم تشهد الولايات المتحدة أبداً عصراً ليبرالياً ذهبياً وضعت فيه القانون الدولي وحقوق الإنسان في مقدمة سياستها الخارجية -ليس خلال حروب فيتنام وأفغانستان والعراق، وليس بالتأكيد وسط المؤامرات العديدة التي وضعتها للإطاحة بقادة منتخبين ديمقراطياً -ولكن غير مناسبين- لمصلحتها أو اغتيالهم في أميركا الجنوبية والوسطى وأفريقيا وآسيا. وقد لخص الرئيس الأميركي الأسبق، ليندون جونسون، الموقف تجاه الديكتاتوريين، من أمثال مادورو أو صدام أو القذافي، بقوله "قد يكون هذا الرجل حقيراً، لكنه حقيرنا نحن"، إلا إذا أصبحوا، مثل صدام أو نورييغا، غير ذلك.
يمثل ترامب تجسيداً أكبر وأكثر شراسة وخطورة للنزعة الاستثنائية الأميركية نفسها، وهو الآن يتجاوز الحدود في إظهارها. وتتخلى أميركا عن عدد من الأصدقاء والحلفاء القدامى لدرجة أنها قد تستيقظ يوماً ما في عالم يواجه تحالفاً صينياً-روسياً، بينما يقف الأوروبيون والهنود على الحياد تجاه مصالح أميركا في أحسن الأحوال. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما تزال قوة عظمى، فإنها ما تزال قادرة على تجاوز حدود قوتها -كما فعلت مراراً وتكراراً في حروبها التي لا تنتهي. وبتصرفها هذا، تخاطر بفقدان المكانة المهيمنة التي تمتعت بها لأكثر من قرن.
بحلول ذلك الوقت، سيكون دونالد ترامب قد رحل بصورة أو بأخرى. لكنه قد يبقى في الذاكرة باعتباره الرجل الذي استولى على تلك الجزيرة الكبيرة والجميلة في القطب الشمالي -والتي تكون قد أعيدت تسميتها، بطبيعة الحال، لتكون "ترامبلاند".
*شون أوغرايدي Sean OGrady: صحفي بريطاني يشغل منصب نائب رئيس التحرير في صحيفة "الإندبندنت". وهو يكتب الافتتاحيات والمقالات المتعلقة بالسياسة والاقتصاد، بالإضافة إلى مراجعات في مجالات متنوعة مثل التلفاز والسيارات. بدأ مسيرته مع "الإندبندنت" في العام 1998. وقبل ذلك، خاض تجارب مهنية متنوعة في البرلمان البريطاني، وقطاع المال، وهيئة الإذاعة البريطانية. تظهر مقالاته في جميع أقسام الصحيفة، مما يعكس تنوع اهتماماته وخبراته.