"غزة تقاوم بالكتابة".. شباب فلسطينيون يوثقون المقاومة بالقصة القصيرة
الغد-عزيزة علي
ضمن منشورات "تكوين" للنشر والتوزيع، صدر كتاب "غزة تقاوم بالكتابة.. قصص قصيرة بقلم كتاب شباب في غزة – فلسطين"، وهو مجموعة قصصية مترجمة إلى العربية تجمع بين أصوات فلسطينية شابة مباشرة، وتجارب حياتية وإنسانية صاغتها أقلام المبدعين في غزة.
يحرص الكتاب الذي حرره أستاذ الأدب الإنجليزي في الجامعة الإسلامية بغزة الشاعر والأكاديمي رفعت العرعير، الذي استشهد في حرب غزة، وقامت بترجمة الكتاب إيمان أسعد، لتوثيق أثر الحرب والمعاناة، وإبراز قدرة الشباب الفلسطيني، وخاصة المرأة الشابة، على التعبير عن النضال والمقاومة من خلال القصة، بوصفها فعل حياة وذاكرة وجسرًا يربط الماضي بالحاضر، واللغة الإنجليزية بالعربية.
ويستهل الكتاب بالنص الآتي: "ورغم حكم إسرائيل علينا بالموت، مرةً تلو أخرى، يهوي على رؤوسنا كما الرصاص المصبوب، يقضم حياتنا قضمةً قضمة، ويتشبث بنا كما يتشبث البرغوث بفريسته. يُحشر في حناجرنا لحظة ترديد "آمين" على صلوات عجائزنا وشيوخنا، فيصدها عن بلوغ السماء. سنظل نحلم ونصلي، وسنظل نتشبث بالحياة أكثر فأكثر. كلما اقتُلعت حياة عزيزٍ منا قسرًا، نعيش… نحيا".
ويرد في بداية الكتاب: "أحيانًا يصير الوطن حكاية، فنحب الحكاية لأنها عن وطننا، ونحب وطننا أكثر بفعل الحكاية".
وفي المقدمة أوضح المحرر رفعت العرعير أن الكتاب الذي يضم ثلاثًا وعشرين قصة جرى اختيارها من بين عشرات النصوص التي استُلمت. كُتبت معظم القصص باللغة الإنجليزية، باستثناء قصتي "الكناري" و "هل سأخرج يومًا من هذا المكان؟"؛ إذ ترجم الأولى رفعت العرعير، والثانية محمد سليمان.
وشارك في كتابة القصص خمسة عشر كاتبًا، ثلاثة منهم رجال. وقد بدوأ نحو نصف هذه النصوص بوصفها واجبات في صفوف الكتابة الإبداعية التي يدرّسها المحرر، فيما انطلق عدد من الكتاب من التدوين قبل خوض تجربة القصة القصيرة.
وأشار العرعير، إلى أن عمله عن قرب مع هذه المواهب الشابة في غزة أثبت أن ما تحتاج إليه كي تزهر هو التشجيع الملائم، والرعاية، والتدريب العملي على حرفة الكتابة. مبينا أن هذه القصص تمثل أصواتًا شابة تنقل تجربتها بلا وساطة؛ أصواتًا ضاقت ذرعًا بالاحتلال وبمواقف المجتمع الدولي.
تتميز هذه القصص بغنى طبقاتها النقاشية والرؤية الذاتية للعالم، إذ قد تستعيد أحيانًا عناصر من سرديات قديمة، لكنها في أغلبها نصوص فريدة تقدم بصيرة عميقة بالمحنة الفلسطينية. كما اتجه الكتاب إلى التجريب على مستويات متعددة، تشمل المنظور والأسلوب والحبكة والشكل، مع بروز ظاهرة جديدة نسبيًا في كتابات الجيل الشاب، تتمثل في محاولة بعض النصوص "غزو"، نفسية الجندي الإسرائيلي.
أشار المحرر، إلى أن الشباب الفلسطيني قبل عملية "الرصاص المصبوب"، اعتمدوا على التدوين ومنصات التواصل الاجتماعي لمقاومة الاحتلال وفضح ممارساته. وبعد الحرب، ظهرت موجة جديدة من الكتاب الذين استخدموا هذه الأدوات بوعي أكبر، مؤمنين بقدرتهم على إيصال رؤيتهم الشخصية إلى العالم وإسماع صوتهم للآخرين، ولا سيما أولئك المتمكنين من اللغة الإنجليزية.
وأوضح المحرر أن حماسة الشباب الفلسطيني جاءت من الفرص التي وفرتها اللغة الإنجليزية ومهارات التواصل الاجتماعي، لكسر العزلة التي فرضها الاحتلال على غزة، والتواصل مع ناشطي التضامن حول العالم. وبعد عملية "الرصاص المصبوب"، ظهرت أطر تنظيمية وحراك دولي جديد سعى للضغط من أجل حقوق الفلسطينيين، ولا سيما حق أهالي غزة في حياة كريمة بعيدًا عن آثار الحصار.
وأشار المحرر، إلى أن كثيرًا من هؤلاء الكتّاب تخصصوا في اللغة الإنجليزية، ما أتاح لهم الاطلاع على الأدبين العالمي والفلسطيني واستلهام أعمال رموز فكرية وأدبية بارزة، وانعكس أثر ذلك على نصوص الجيل الشاب من المدونين والقاصين. لافتا إلى أن الكتابة بدأت بمنشورات وتدوينات توثيقية مباشرة، ثم تطورت بالممارسة إلى كتابة القصة القصيرة، كشكل أدبي أكثر نضجًا وقدرة على التعبير الإنساني، وهو ما تعكسه نصوص هذه المجموعة.
وأوضح المحرر أن الانتقال من كتابة المقال إلى القصة كان خطوة ذكية، إذ بينما يقتصر تأثير المقال عادة على جمهور متعاطف وبشكل مؤقت، تتجاوز القصة حدود اللحظة والمكان والاعتقاد، وتصل إلى شريحة أوسع من القراء، تاركة أثرًا طويل الأمد.
وأضاف أن الكتاب يضم عددًا كبيرا من الكاتبات، مقارنة بالرجال، لا على حسابهم، بل لأن حضور الشابات في غزة في فضاءات التواصل الاجتماعي والكتابة الأدبية باللغة الإنجليزية يفوق نظرائهن. ويعكس ذلك التنامي في دور المرأة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، إذ أحسنت توظيف الأدوات المتاحة لأخذ زمام المبادرة، والمساهمة في صون الهوية الفلسطينية، ومقاومة الاحتلال، وبناء مجتمع أكثر انفتاحًا وتكافؤًا.
ويرى المحرر، أن الدور التاريخي للمرأة الفلسطينية لا خلاف عليه، غير أن الموجة الجديدة من كاتبات القصة القصيرة لا تواصل مسار النضال فحسب، بل تجدد أدواته ورؤيته؛ إذ تضيف الكاتبة الشابة وعيها الخاص ونظرتها المتفردة إلى العالم. وتبرز في هذه النصوص شخصيات نسائية قوية، مستقلة، عقلانية ومبادِرة، بما يعكس تحولا في تمثيل المرأة؛ فلم يعد دورها محصورًا في إنجاب المقاومين، بل غدت هي ذاتها فعل المقاومة. أما مدى تشابه هذه الأصوات النسائية واختلافها، والهموم التي تعبر عنها، فيبقى مجالًا مفتوحًا للبحث والدراسة النقدية.
وأكد أن "غزة تقاوم بالكتابة"، يُعد من أوائل الأعمال التي توثق أدبيًا الذكرى الخامسة للهجوم العسكري "الرصاص المصبوب"، الذي شنته إسرائيل على غزة بين 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 و18 تشرين الثاني (يناير) 2009. وتمثل القصص، المكتوبة بالإنجليزية بأقلام شابة من غزة، سردية فلسطينية مباشرة يَعدها المحرر ضرورية للعالم، بعيدا عن وساطة الترجمة أو الأصوات غير الفلسطينية. فالكتاب، في نظره، فعل مقاومة ثقافية يسعى إلى صون هذه الأصوات الناشئة، وحفظ ذاكرة الضحايا، ومواجهة محاولات طمس المعاناة وتبرئة الجناة.
وأكد الكتاب أن محاولات كسر الصمود الفلسطيني لن تنجح، وأن الحياة ستظل خيارًا في مواجهة الألم والموت، وأن الحرية والأمل سيبقيان هدفًا يُسعى إليه حتى في أحلك الظروف. فـ"غزة تقاوم بالكتابة"، يقدم سردا للقصص بوصفه فعل حياة ومقاومة، ووسيلة لصون الذاكرة وتشكيلها.
فالقصص جزء أصيل من تكوين أي جماعة إنسانية؛ بها يستعاد الماضي ويفهم الحاضر، ومنها تتشكل صورة المستقبل المنشود. وقد نشأ الفلسطينيون على تقدير الحكاية والتمسك بها، حتى غدا فعل السرد ذاته ثيمة حاضرة في بعض نصوص هذا الكتاب. فالقصص أطول عمرًا من التجارب الفردية، ولا يكاد يخلو أي بيت فلسطيني من حكايات عن فلسطين، كما عرفتها الأجيال السابقة.
وهكذا تتكون فلسطين في الوعي الجمعي بوصفها وطنًا منشودًا للحرية، يتعايش فيه الجميع على قدم المساواة، وتعود فيه الكلمات إلى معانيها المجردة في القاموس، بعيدًا عن حمولة الألم والفقد التي فرضها واقع الاحتلال.
وفي كلمتها، تروي المترجمة أنها في الأسابيع الأولى ساورها الشك في قدرتها على ترجمة الكتاب، وشعرت كأن النص يرفضها ويقصيها. وظل السؤال يلاحقها: هل كان رفعت العرعير، الذي لم تعرفه إلا عبر حسابه على "تويتر"، سيوافق على ترجمة العمل إلى العربية؟ وهل كان سيقبل بها مترجمة لكتاب أحبته؟
لاحقًا، وأثناء بحثها عن آخر لقاء له قبل اغتياله، عثرت على قناته في "يوتيوب"، حيث شاهدت تسجيلات لمحاضراته في الجامعة الإسلامية بغزة باللغة الإنجليزية، ومنها محاضرته الأولى في مساق "مقدمة للشعر الإنجليزي". ومع تكبير الشاشة، استعادت شعورها قبل أكثر من عشرين عامًا، حين كانت طالبة متحمسة في الأدب الإنجليزي أمام أستاذ يدرك أن الطالب منذ اللحظة الأولى لن ينسى.
ولم تمضِ سوى دقائق حتى سمعته يقول لطلبته: "أحيانًا يصير الوطن حكاية. والحكاية نحبها لأنها عن وطننا، ونحب وطننا أكثر بفعل الحكاية"؛ وهي العبارة التي استهل بها مقدمة الكتاب. عندها غلبتها الدموع، وشعرت، لسبب لا تستطيع تفسيره، بأنه حتى لو لم يقبلها مترجمة، لقبلها طالبة في صفه. في تلك اللحظة التقت التجربتان في وجدانها.
وتشرح المترجمة في نصها أنها في قصتها "رفعت"، دمجت بين العربية الفصحى واللهجة الفلسطينية أثناء ترجمة الحوارات، أحيانًا داخل العبارة نفسها. فقد جربت ترجمتها بالكامل إلى الفصحى ولم تقتنع، وجربت باللهجة الفلسطينية وحدها أيضًا دون رضى، إذ شعرت بوجود خلل لم تفهمه في البداية.
ثم أدركت أن رفعت، بخبرته ودراسته، كان قادرًا على الكتابة بالإنجليزية كلغة أولى دون حاجة لترجمة معاكسة في ذهنه. وبحسب رأيها، فالحوار كتب أصلاً بالإنجليزية، ما يجعل الفصحى كافية لنقل المعنى والعاطفة، لكن هناك عبارات محددة لا يكتمل إحساسها إلا باللهجة الفلسطينية. والوسيلة التي اعتمدتها لتمييز أي جزء يذهب للفصحى وأي جزء للهجة كانت "الحدس"، الأداة التي يستخدمها معظم المترجمين في مثل هذه الحالات.